اسم الكتاب: الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
الإمام الخليفة
بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان أجمعت الاُمّة على بيعة الإمام عليّ (ع) خليفة لها ، وقد اجتاحت النفوس موجة من العاطفة نحوه ، ولكنّه ردَّ على موقف الناس بقوله : «دعوني والتمسوا غيري»(116). فإن عليّاً أبى أن يكون أسيراً للعاطفة ، فلعلّ نقمة الناس على عثمان هي الّتي أجّجت نحوه العاطفةَ وشدّت إليه التيّارَ ، وهو يُريدُ مِنَ الاُمّة إقراراً إراديّاً لامامته ، ليس محكوماً بالانفعال الآني . وهو ليس ممّن تُغريهِ المناصبُ وتَستهويهُ الكراسيُ حتّى يسـتجيب فور إقبال الناس عليه ، فالإمرة كلّها لا تساوي لديه جناح بعوضة، والقيادة لا تساوي عنده شيئاً مذكوراً ، إن لم يُقِم مِنْ خِلالها الحقَّ ويُبْطِلِ الباطِلَ . ولهذا لم يستجب لضغط الجمهور في بادئ الأمر ، قَبْل وضعهم أمام اختبار ليتأكّد من مدى قدرة الناس على تلقِّي مناهجه والاستجابة لخططه إذا تسلّم زمام الأمر . فعلى الرّغم من أنّ العاصمة المقدّسة «المدينة المنوّرة» قد أصرّت على اختياره على شكل تظاهرات حقيقية وتجمّعات مكثّفة حتّى صارت المطالبة بقيادته إجماعية لا جماعية ، فإنّه (ع) بقي عند موقفه المتريّث ، على أنّ اصرار الاُمّة على بيعته جعله يطرح عليها شروطه لقبول الخلافة ، فإنْ بايَعَتْهُ الاُمّة وفقاً لما يملي من شروط استجاب هو لمطلبها في استِخلافِه . وحينَ أذاع بيانه المتضمِّن لشروطه : «واعلموا أنّي إنْ أجبتُكُم رَكبتُ بكم ما أعلمُ ، ولم اُصغِ إلى قولِ القائل وعتبِ العاتب » (117). وسارعت الاُمّة مذعنة لشروطه ، ومدّت إليه يد البيعة على الطاعة ، ولبّى هو مطلبها ليواجه مسؤولياته القيادية في الاُمّة الإسلامية على الصعيد الفكري والعملي . وقد كانت من اُولى مهامه (ع) أن يزيل صور الانحراف المختلفة الّتي طرأت على الحياة الإسلامية ، وأن يعود بالاُمّة إلى أصالة المنهج الالهي . ومِن أجل ذلك كان لا بدّ أن يسير وفق منهاج محدّد وشامل يُلزِمُ ولاته بتطبيقه ، وقد انصبّ منهاجُ حكومته على مواجهة المشاكل في الميادين الآتية :
|
|