اسم الكتاب: الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
2 ـ الميدان الاقتصادي :
كما عمد الإمام عليّ (ع) إلى اصلاح الوضع السياسي والاداري كذلك فعل بالنسبة للوضع الاقتصادي، فقد بادر فور تسلّمه زمام الاُمور مباشرة إلى إلغاء طريقة توزيع المال الّتي اعتمدت فيما سبق . فقد استبدل الإمام طريقة التمييز في العطاء بطريقة المساواة في التوزيع الّتي انتهجها رسول الله (ص) . فألغى (ع) كلّ أشكال التمييز في توزيع المال على الناس ، مؤكّداً أنّ التّقوى والسابقية في الاسلام والجهاد، والصّحبة للرّسول (ص)، اُمور لا تمنح أصحابها مراتب أو مميّزات في الدُّنيا ، وإنّما لتلك المزايا ثوابها عند الله في الآخرة ، ومَن كان له قدمٌ في ذلك فالله تعالى يتولّى جزاءه ، أمّا في هذه الدُّنيا فإنّ الناس سواسية في الحقوق المالية وأمام القضاء الاسلامي وفي الواجبات والتكاليف . وقد تضمّن بيانه التالي هذه الافكار الجليلة العادلة : « ألا وأيّما رجل من المهاجرين والانصار من أصحاب رسول الله (ص) يرى أنّ الفضل له على سواه لصحبته فإنّ الفضل النيِّر غداً عند الله وثوابه وأجره على الله . وأيّما رجل استجابَ للهِِ وللرّسولِ فَصَدَّقَ ملّتنا ودخل في ديننا واستقبل قبلتنا فقد استوجبَ حقوقَ الاسلامِ وحدوده . فأنتم عبادُ الله ، والمالُ مالُ الله يُقسمُ بينكم بالسويّة ، لا فضل فيه لاحد على أحد ، وللمتقين عند الله غداً أحسن الجزاء وأفضل الثواب ، لم يجعل الله الدُّنيا للمتقين أجراً ولا ثواباً ، وما عند الله خير للأبرار . وإذا كان غداً ـ إن شاء الله ـ فاغدوا علينا ، فإنّ عندنا مالاً نقسمُهُ فيكم ، ولا يتخلّفنَّ أحدٌ منكم ، عربيٌ ولا عجمي ، كان مِنْ أهلِ العَطاءِ أو لم يكن ، إلاّ حضرَ إذا كان مسلماً حرّاً » (121). وهكذا قرن الإمام عليّ (ع) النظرية بالتطبيق؛ ففي بداية الأمر أمر الناس أن يأتوا إليه غداً ليوزع عليهم مالاً كان في بيت مال المسلمين . فلمّا صار الغد نفّذ خطّته على الشكل التالي : دعا كاتبه عبيدالله بن أبي رافع وقال له : إبدأ بالمهاجرين فنادِهِمْ ، واعطِ كلّ رجل ممّن حضر ثلاثة دنانير ثمّ ثنِّ بالانصار فافعل معهم مثل ذلك ، ومَن حضر مِنَ الناس كلّهم : الاحمر والاسود فاصنع به مثل ذلك . فقام سهل بن حنيف وقال : يا أمير المؤمنين ! هذا غلامي بالامس وقد أعْتَقْتُهُ اليوم ، فقال (ع) : نعطيه كما نعطيك ، فأعطى كلّ واحد منهما ثلاثة دنانير ، ولم يحضر تلك القسمة العادلة طلحة والزُّبير وعبدالله بن عمر ، وسعيد بن العاص ، ومروان بن الحكم ، ورجال من قريش وغيرها (122). وكان ذلك أوّل خطوة منه (ع) للقضاء على الفوارق الطبقية الّتي نشأت جراء التفضيل في العطاء والامتيازات . وهكذا جسَّد (ع) مفهوم التسوية في العطاء بين جميع الناس الّذين يتمتعون بحق المواطنة الإسلامية دون تمييز بين الناس لأيّ سبب من الأسباب . وهذه بعض ملامح العملية الاصلاحية الّتي قادها الإمام عليّ (ع) في شتّى مرافق الحياة الإسلامية ، في المال والحكم والادارة وسواها .
|
|