اسم الكتاب: الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
أ ـ رفق وتعاهد :
فقد شهدت قطاعات الاُمّة جميعاً صوراً من التعاهد لامرها والرفق بها ورعاية شؤونها ، والتسوية في العطاء بين جميع حملة التابعية للدولة الإسلامية الّتي تجسِّدها هذه النصوص : « المالُ مالُ الله يقسم بينكم بالسويّةِ لا فضل لأحد على أحد » . « وايم اللهِ لانصفنّ المظلوم مِن ظالِمِهِ ، ولأقودنّ الظالمَ بِخُزامَتِهِ حتّى أورِدَهُ منهلَ الحقِّ وإنْ كانَ كارِهاً » (136). إلى جانب هذا وذاك، شهدت الاُمّة الّتي قادها أمير المؤمنين (ع) بمختلف قطاعاتها من ألوانِ التدبيرِ لِشؤونِها ، والرّعايةِ لاُمورها ، والحدبِ عليها ما حقّق لها الكرامةَ والسّعادة والحرِّيّةَ ، وهذه صورٌ منها : « عن الحَكَم قال : شَهدتُ عليّاً ، وقد اُتِيَ لهُ بِزُقاق مِنْ عَسَل ، فدعا اليتامى وقال : ذوقوا والعقوا ، حتّى تمنّيتُ أنِّي يتيم، فقسّمهُ بينَ الناسِ وبقيَ منهُ زقٌّ، فأمرَ أنْ يُسقاهُ أهل المسجد »(137). وعن هارون بن عنترة عن زاذان قال : « انطلقتُ مع قنبر غلام عليّ (ع) فاذا هو يقول : قم ، يا أمير المؤمنين ! فقد خبّأت لكَ خبيئاً . قال (ع) : وما هو ، وَيْحَكَ !! قال : قُمْ معي . فقامَ فانطلق به إلى بيته ، وإذا بغرارة مملوءة من جامات ذهباً وفضّة . فقال : يا أمير المؤمنين ! رأيتُكَ لا تتركُ شيئاً إلاّ قسمتَهُ فادّخرتُ لكَ هذا مِنْ بيتِ المال . فقال عليّ (ع) : ويحَكَ يا قَنْبرُ ، لقد أحبَبْتَ أنْ تُدخلَ بيتي ناراً عظيمة ، ثمّ سلَّ سيفه، وضربها ضربات كثيرة، فانتثرت، ثمّ دعا بالناس، فقال: اقسموهُ بِالحُصَصِ، ثمّ قامَ إلى بيت المال، فقسّم ما وجد فيه، ثمّ رأى في البيت أبراً ومسال فقال: ولتقسموا هذا »(138). وعن الحَكَم قال : « إنّ عليّاً قسّم فيهم الرّمّانَ حتّى أصابَ مسجدَهُم سبعَ رُمّانات ، وقال : أيُّها الناس إنّه يأتينا أشياء نَسْتَكثِرُها إذا رأيناها ، ونَسْتَقِلُّها إذا قسمناها ، وإنّا قد قسمنا كلّ شيء أتانا. قال : وأتته صفائحُ فضّة فَكَسَرَها ، وقَسَّمها بيننا » . وعن عليّ بن ربيعة قال : « جاء ابن التياح إلى عليّ بن أبي طالب (ع) فقال : يا أمير المؤمنين ! امتلا بيت المال من صفراء وبيضاء . فقال عليّ (ع) : الله أكبر ، ثمّ قام متوكئاً على يد ابن التياح ، فدخل بيت المال وهو يقول : هذا جنايَ وخيارُهُ فيه *** وكُلُّ جان يَدُهُ إلى فيه »(139) ثمّ نودِيَ في الناس ، فأعطى جميع ما في بيت المال وهو يقول : ( يا بيضاء ! ويا صفراء ! غُرِّي غيري ) . حتّى لم يبقَ فيه درهم ولا دينار ، ثمّ أمر بنضحه بالماء ، فصلّى فيه ركعتين (ع) . وكان لشدّة حرص الإمام (ع) على مصلحة الاُمّة لرفع غائلة الفقر والظلم عنها أنّه التزم السير ـ عبر أيّام خلافته عليها ـ وفقاً للنهج الآتي : « ولو شِئتُ لاهتديتُ الطّريقَ إلى مُصَفَّى هذا العَسَلِ ، ولُبابِ هذا القَمحِ ، ونسائجِ هذا القزِّ ، ولكن هيهات أن يَغْلُبَني هواي ، ويقودَني جَشَعي إلى تخيُّرِ الاطعمة ، ولعلّ بالحجازِ أو اليمامةِ مَنْ لا طَمَعَ لهُ في القُرصِ ، ولا عهدَ له بالشّبعِ ، أوأبيتُ مُبطاناً ، وحولي بُطونٌ غَرْثى ، وأكبادٌ حَرّى ؟ أأقنعُ مِن نفسي بأنْ يُقالَ : هذا أمير المؤمنين ، ولا اُشارِكهم في مكارهِ الدّهرِ أو أكون اُسوة لهم في جُشوبَةِ العيش؟ »(140). « اشترى ثوبين ، وأعطى أغلاهما ثمناً لقنبر خادمه وقال: إنِّي سمعتُ رسول الله (ص) يقول : ألبِسوهُم ممّا تَلبسونَ ، وأَطعِموهُم ممّا تأكلون »(141).
|
|