سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)


ب ـ رقابة دقيقة لوضع السوق :

ولقد كان الإمام عليّ (ع) حريصاً على تجسيد العدالة الاقتصادية في مرافق الحياة الانسانية كافّة، ومن أجل ذلك فقد التزم خطّة لمراقبة السوق من ناحية البيع والشراء وطبيعة ما يعرض للبيع ، للحيلولة دون التطفيف في المكاييل والتلاعب بالاسعار أو الغشّ ، فعن الإمام الباقر (ع) قال :
« كان أمير المؤمنين (ع) كلّ بكرة يطوفُ في أسواقِ الكوفةِ سوقاً سوقاً ، ومعه الدِّرَّةُ على عاتقه ، وكان لها طرفان ، وكانت تسمّى السبيبة ، فيقف عليها سوقاً سوقاً فينادي :
يا معشر التجّار ! قدِّموا الاستخارة ، وتبرّكوا بالسهولة ، واقتربوا من المبتاعين ، وتزيّنوا بالحلم، وتناهوا عن الكذب واليمين ، وتجافوا عن الظّلم ، وأنصِفوا المظلومين ، ولا تقربوا الرِّبا و (أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي ا لاَْرْضِ مُفْسِدِينَ) »(142).
وعن أبي النوار قال :
« رأيتُ عليّاً (ع) وقف على خيّاط ، فقال له: يا خيّاط ! صلِّبِ الخيطَ ، ودقِّقِ الدَّرزَ ، وقارِبِ الغرزَ ، فإنِّي سمعتُ رسول الله (ص) يقول : يُؤتى يوم القيامة بالخيّاط الخائن وعليه قميصٌ ورِداءٌ ممّا خاطَهُ ، وخانَ فيه ، فَيُفْتَضَحُ على رؤوسِ الاشهاد . ثمّ قالَ : يا خيّاطُ ! إيّاكَ والفضلاتِ والسّقطاتِ فإنّ صاحِبَ الثّوبِ أحقُّ بها » (143).
هكذا جسّد الإمام أمير المؤمنين (ع) المخطط الاسلامي للعدالة الاجتماعية بأدقِّ صُوَرِها ، وهكذا عامل الاُمّة بالرِّفق والحبِّ فعايشَ آمالها وآلامها حتّى قطفتْ أروعَ ثمراتِ العدل في تاريخها كما كانت في عهد رسول الله (ص) سواء بسواء .
ج ـ سياسته (عليه السلام) مع نفسه :
تبنّى الإمام (ع) سياسة مع نفسه ترتكز على الزُّهد الصادق بكل ما يطمع به الطامعون من مال وملذات وزخرف ، فلقد عاش أمير المؤمنين في بيت متواضع لا يختلف عمّا يسكنه فقراء الاُمّة ، وكان يأكل خبز الشعير ، تطحنه امرأته أو يطحنه بيده سواء في ذلك قبل خلافته ، وبعدها . وكان يلبس أخشن لباس وأبسطه ، وكان مبدأه الثابت في هذا المضمار :
« ألا وإنّ إمامَكُم قدِ اكتفى مِن دُنياهُ بِطمريهِ ومِن طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ ، فوَالله ما كنزتُ مِن دنياكُم تِبْراً ، ولا ادّخرتُ مِن غنائِمِها وَفْراً ، ولا أعْدَدْتُ لِبالي ثوبي طِمْراً ، ولا حُزْتُ مِن أرضِها شِبْراً ، ولا أخَذْتُ منهُ كقوتِ أتان دَبِرَة ، وَلَهِيَ في عيني أوهى وأهونُ مِن عَفْصَة مَقِرَة »(144) .
وبمقدورنا أن نلمس سياسة الإمام (ع) هذه مع نفسه من خلال المصاديق التالية :
عن هارون بن عنترة عن أبيه قال :
« دخلتُ على عليّ بالخورنق ، وهي في فصل شتاء ، وعليه خلق قطيفة . فقلت : يا أمير المؤمنين ! إنّ الله قد جعل لك ولاهلك في هذا المال نصيباً ، وأنت تفعل هذا بنفسك !!
فقال (ع) : والله ما أرزؤكم ـ أنقصكم ـ شيئاً ، وما هي إلاّ قطيفتي الّتي أخرجتها من المدينة » (145).
وقد خاطبه عاصم بن زياد يوماً بقوله : يا أمير المؤمنين ! هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك ، فأجابه عليّ (ع) :
«وَيْحَكُم إنِّي لَسْتُ كأنتَ ، إنّ اللهَ تعالى فرضَ على أئمة العدل أن يُقَدِّروا أنفسَهُم بِضَعَفَةِ الناسِ كي لا يَتَبَيَّغَ بالفقيرِ فَقْرُه» (146).
وعن سويد بن غفلة قال: دخلتُ على عليّ (ع) يوماً وليس في داره سوى حصير رث وهو جالس عليه . فقلت : يا أمير المؤمنين ! أنت ملك المسلمين والحاكم عليهم وعلى بيت المال ، وتأتيك الوفود وليس في بيتك سوى هذا الحصير ؟ قال (ع): «يا سويد ! إنّ اللّبيب لا يتأثّث في دارُ النّقلة وأمامنا دارُ المقامة ، قد نَقَلْنا إليها متاعنا ، ونحنُ منقلبونَ إليها عن قريب»(147).
وها هو عليّ يخرج سيفه ليبيعه في السوق كي يشتري بثمنه ازاراً ، وهو أمير المؤمنين وزعيم الاُمّة الإسلامية الّذي تُجبى إليه الاموال من أكثر بقاع العالم الاسلامي.
فعن أبي رجاء قال : أخرج عليّ (ع) سيفاً إلى السوق فقال : « مَنْ يشتري منِّي هذا ؟ فوَالّذي نفسُ عليٍّ بيدهِ لو كان عندي ثمنُ إزار ما بِعْتُه !!!
فقلتُ له : أنا أبيعك إزاراً وأَنْسأكَ ثمنَهُ إلى عطائِكَ ، فدفعتُ إليهِ إزاراً إلى عطائِه ، فلمّا قبض
عطاءه دفع إليَّ ثمن الازار »(148).
إنّه (ع) لا يأخذ من فيئهم شيئاً ، وإن قُدِّرَ له الخروج من الكوفة ، فلا يخرج إلاّ بالّذي جاء به
من المدينة المنوّرة : راحلته ورحله وغلامه .
فعن بكر بن عيسى قال : « كان عليّ (ع) يقول : (يا أهل الكوفة ! إذا أنا خرجت من عندكم بغير راحلتي ، ورحلي وغلامي فلان ، فأنا خائن) » .
فكانت نفقته تأتيه من غلّته بالمدينة بينبع ، وكان يُطعِمُ الناسَ منها الخبزَ واللّحْمَ ، ويأكلُ هو الثريدَ بالزّيت .
ولشدّة حرصه (ع) على سلوك سـبيل رسول الله (ص) في عدله وزهده ، أشار عقبة ابن علقمة قال :
«دخلُت على عليّ (ع) فإذا بين يديه لبن حامض، آذتني حموضته، وكسر ـ خبز ـ يابس . فقلت : يا أمير المؤمنين ! أتأكلُ مثل هذا ؟ فقال لي : (يا أبا الجنوب ! كان رسول الله يأكلُ أيْبَسَ مِن هذا ، ويلبسُ أخشنَ مِنْ هذا ، وأشارَ إلى ثيابه ، فإن أنا لم آخذْ بما أَخَذَ بهِ خِفْتُ ألاّ ألْحقَ بِه)»(149).
ولعظيم إيثاره للاُمّة على نفسه ما رواه عبدالله بن الحسين بن الحسن (ع) قال :
أعتقَ عليّ (ع) في حياة رسول الله (ص) ألفَ مملوك ممّا عملت يداه، وعرق جبينه. «ولقد ولي الخلافة ، وأتته الاموال ، فما كان حلواه إلاّ التمر ولا ثيابه إلاّ الكرابيس»(150).
وعن سفيان الثوري عن عمر بن قيس قال : رُئِيَ على عليّ (ع) إزار مرقوع ، فَعُوتِبَ في ذلك ، فقال :
«يخشعُ لهُ القلب ، ويقتدي به المؤمن»(151).
ولقد بلغَ في شِدّةِ زهدهِ (ع) ابتغاءً لوجهِ الله تعالى ما يتجلّى عِبْرَ عبارته: « والله لقد رقَّعت مِدْرَعَتي هذه حتّى اسْتَحْيَيْتُ مِن راقِعِها ، ولقد قيلَ لي : ألا تستبدل بها غيرها ؟ فقلتُ للقائل : ويْحَك أعزبْ ، فعندَ الصّباح يحمد القوم السّرى » (152).
أمّا صدقاته الّتي تصدَّق بها أو وقفها للمساكين ، فقد ذكر المؤرِّخ عمر بن شبّة المتوفّى عام (262 هـ ) قائمة طويلة بها(153) ، حتّى انّه عندما بُشِّر بتفجّر الماء من أحد عيون ينبع، وهي أراض خصبة مليئة بالنخل والزروع كان قد وقفها (ع) للمسلمين، أبدى سروره « ثمّ تصدّق بها على الفقراء والمساكين وفي سبيل الله ، وأبناء السبيل القريب والبعيد ، في السِّلْم والحَرْب ، ليوم تبيَضُّ فيه وجوهٌ وتَسْوَدُّ وجوهٌ ، ليصرفَ اللهُ بها وجهي عن النار ، ويصرف النار عن وجهي » (154).

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com