سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)


د ـ مساواة أهل بيته (عليهم السلام) بسائر الناس :

أمّا منهاج أمير المؤمنين (ع) الّذي سلكه في أهل بيته وقرابته فلم يكن بعيداً عن منهاجه مع نفسه إلاّ من حيث الدرجة ، فقد كان مبنياً على أساس مساواتهم بالاُمّة في الحقوق
والواجبات ، بل إنّ الّذي يتحمّلونه من مهـام من أجل حماية الرسالة والمسيرة الإسلامية أكثر بكثير ممّا ينالون من حقوق .
فقد كان الإمام (ع) حريصاً على معاملة ذويه في مسألة الحقوق كما لو كانوا من عامّة الناس ، فلا يفضِّلهم بعطاء ، ولا يميِّزهم بحق ، وسلك معهم اسلوب التدريب والاعداد للعمل بمنهاجه معهم ، بل كان يبدو شديداً مع بعضهم من أجل أن ينتهج الخط الّذي رسمه لمتعلِّقيه وأهل قرابته . وهاك صوراً من منهاجه ذلك :
قال مسلم صاحب الحنا :
« لمّا فرغ عليّ (ع) من أهل الجمل أتى الكوفة ، ودخل بيت المال ، ثمّ قال: يا مال ! غرَّ غيري ، ثمّ قسّمه بيننا ، ثمّ جاءت ابنة للحسن أو للحسين (ع) فتناولت منه شيئاً ، فسعى وراءها ففكّ يدها ونزعه منها ، فقلنا : يا أمير المؤمنين ! إنّ لها فيه حقّاً ، قال (ع) : إذا أخذ أبوها حقّه فليعطها ما شاء » (155).
وروى هارون بن سعيد أنّ عبدالله بن جعفر بن أبي طالب قد قال له : يا أمير المؤمنين ! لو أمرت لي بمعونة أو نفقة ، فوَالله ما لي نفقة إلاّ أن أبيع دابّتي !! فقال الإمام (ع) : «لا والله ما أجدُ لك شيئاً إلاّ أن تأمرَ عمّك أنْ يَسْرقَ فيعطيك»(156).
وقد جاءه أخوه عقيل ـ وكان ضريراً ـ يوماً يطلب صاعاً من القمح من بيت مال المسلمين ـ زيادة على حقّه ـ وظلّ يكرِّر طلبه على عليّ (ع) ، فما كان من الإمام أمير المؤمنين إلاّ وأحمى لهُ حديدة على النار وأدناها منه ، ففزع منها عقيل ، ثمّ وعظه : «يا عقيل ! أتئنُّ مِنْ
حَديدة أحماها إنسانُها لمدعبه ، وتجرّني إلى نار سجّرها جبّارها مِنْ غضبه ، أتئِنُّ مِنَ الاذى ولا أئِنُّ مِن لظى ؟ » (157).
وعن أبي صادق عن عليّ (ع) : أنّه تزوّج ليلى، فجعلت له حجلة، فهتكها ، وقال : «حسب آل عليّ ما هم فيه» (158).
وعن الحسن بن صالح بن حي قال :
« بلغني أنّ عليّاً (ع) تزوّج امرأة فنجَّدت ـ زيّنت ـ له بيتاً ، فأبى أنْ يدخله »(159).
وعن كلاّب بن عليّ العامري قال :
« زُفّت عمّتي إلى عليّ (ع) على حمار بأكاف تحتها قطيفة، وخلفها قفّة معلقة !! »(160).
هكذا كان منهاج عليّ (ع) مع أهل بيته وذوي قرابته؛ لا يفرِّط من أجلهم بحقٍّ مِن حقوقِ المسلمين أبداً ، بل يعمل كل ما مِن شأنه على رفعِ مستواهم باتجاه مبادئه في الزُّهد ، وسياسته مع نفسهِ في سبيل الله تعالى ، ولمصلحةِ مجموع الاُمّة .
ولقد كان منهجه واضِحاً كلّ الوضوح لا لبس فيه ولا غموض؛ ولا يخضع لعاطفة أو مساومة أبداً : « والله لأن أبيتُ على حَسَكِ السّعدانِ مُسَهّداً ، أو اُجَرَّ في الاغلالِ مُصَفّداً ، أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ ألقى اللهَ ورسولَهُ يومَ القيامةِ ظالِماً لبعضِ العبادِ ، وغاصِباً لشيء مِنَ الحِطام. وكيف أظلمُ أحداً لنفس يُسرع إلى البِلى قفولُها ، ويطولُ في الثّرى حُلولُها » (161).
وهذا السّبيل الّذي اختاره الإمام (ع) إنّما يمثل أحد مصاديق العدل الاجتماعي الشّامل الّذي حرص أمير المؤمنين (ع) على تجسيده واقعاً حيّاً في دنيا الناس .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com