سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)


سياسة ردّ الفعل

ينقل المؤرِّخ المعروف «الطبري» كيفية بيعة الإمام عليّ (ع) عن واحد من أهل المدينة شهد أحداثها فقال :
« عن أبي بشير العابدي ، قال : كنتُ بالمدينة حين قُتِلَ عثمان (رض) ، واجتمع المهاجرون والانصار ، فيهم طلحة والزُّبير ، فأتوا عليّاً فقالوا : يا أبا حسن ! هلمَّ نُبايعـك ، فقال: لا حاجة لي في أمرِكم ، أنا معكم ، فمَن اخترتُم فقد رضيتُ به ، فاختاروا .
فقالوا : والله ما نختار غيرك .
قال ـ أي أبو بشير العابدي ـ : فاختلفوا إليه(162) بعدما قُتِلَ عثمان (رض) مراراً ، ثمّ أتوه في آخر ذلك ، فقالوا له : انّه لا يصلح الناس إلاّ بإمْرة ، وقد طال الأمر .
فقال لهم : انّكم قَدِ اخْتَلَفْتُمْ إليَّ وأتيتُمْ ، وإنِّي قائل لكم قولاً إنْ قَبِلْتُموهُ قبلتُ أمركم ، وإلاّ فلا حاجة لي فيه .
فقالوا : ما قلتَ مِنْ شيء قبلناهُ إن شاء الله .
فجاء فصعد المنبر، فاجتمع الناس إليه، فقال: إنِّي قد كنتُ كارهاً لامركم، فأبيتم إلاّ أنْ أكونَ عليكُم ، ألا وإنّه ليسَ لي أمرٌ دونَكُم ، ألا إنّ مفاتِحَ مالِكُمْ معي ، ألا وإنّه ليسَ لي أن آخذ
منه درهماً دونَكُم ، رضيتُم ؟ قالوا : نعمْ، قال: اللّهمَّ اشهد عليهم. ثمّ بايعهم على ذلك»(163).
كان الإمام عليّ (ع) يعلم أنّ العدالة الإسلامية الّتي أراد تطبيقها في حكومته ستكون ثقيلةً على نفوس المنتفعين والوصوليين والانتهازيين الّذين استغلّوا الظّروف السّائدة في زمنِ الخليفة عثمان فانتهبوا الاموال، وتمتّعوا بالامتيازات واكتنزوا الذّهب والفضّة، بسبب القَرابَة أو العَشيرة أو كونهم من أنصار هذا الطّرف أو ذاك ، لذلك حاول أن يُفْهِم الّذين بايعوه بأنّ نهجه في التعامل معهم سيكون ـ كما أمر به الاسلام ـ ، وانّ موافقتهم على مبايعته يجب أن لا تتمّ من خلال فورة عاطفية ، بل عن قناعة تامّة عمّا هم عليه مبايعون .
وقد صحّ ما توقعه الإمام عليّ (ع) من أنّ تطبيقه للعدالة الإسلامية سيثير غضب رجالات قريش الّذين دأبوا على العـيش برفاهيـة ممّا ينهبـونه من أفواه الجـياع والمحرومين ، وكبر عليهم أن ينهج الإمام عليّ (ع) نهج المساواة في الحقوق ، فلا يميِّز بين حرّ وعبد، وبين
أسود وأبيض، وبين عربي وعجمي، وكان الجميع أمامه سواسية كأسنان المشط ، أليس هو خليفتهم جميعاً دون تمييز ؟
فقد أنكر الزُّبير بن العوّام وطلحة بن عبيدالله على الإمام (ع) سياسته تلك واعتبراها مخالِفة
للنهج الّذي ألفه الناس :
فقالَ لهما الإمام (ع) : ما الّذي كرهتُما مِنْ أمري حتّى رأيتما خلافي ؟ قالا : إنّك جعلتَ حقّنا في القَسْم كحقِّ غيرِنا ، وسوّيتَ بينَنا وبين مَنْ لا يُماثِلُنا فيما أفاءَ الله علينا بأسيافِنا ورِماحِنا وأَوْجَفْنا عليهِ بخيلِنا ورَجِلِنا وظهرت عليه دَعْوتُنا، وأخذناه قَسْراً قَهْراً ممّن لا يرى الاسلام إلاّ كرهاً (164).
فقال الإمام (ع) لهما: « لقد نَقِمتُما يسيراً وأرجأتما كثيراً، ألا تُخبِراني أيَّ شيء كانَ لَكُما فيه حقٌّ دفعتُكما عنه ؟ أم أيَّ قسم استأثرتُ عليكُما به ؟ أم أيّ حقٍّ رفعَهُ إليَّ أحدٌ مِنَ المسلمين ضَعفتُ عنه ؟ أم جهلتُهُ ، أم أخطأتُ بابَه ؟
والله ما كانت لي الخلافة رغبة ، ولا في الولاية إربة ، ولكنّكم دعوتموني إليها ،وحملتُموني عليها، فلمّا أَفْضَتْ إليَّ نظرتُ إلى كتابِ الله، وما وضعَ لنا ، وأَمَرَنا بالحُكْمِ بهِ ، فاتّبعتُهُ ، وما استَنَّ النبيّ (ص) ، فاقتَدَيْتُهُ ، فلمْ أحتَجْ في ذلك إلى رأيكما ، ولا رأي غيركما ولا وقعَ حكمٌ جهلتُهُ فاستشيركما وإخواني مِنَ المسلمين ، ولو كان ذلك لم أرغبْ عنكما ، ولا عَنْ غيرِكما .
وأمّا ما ذكرتما من أمر الاُسوة ـ التسوية في العطاء ـ فإنّ ذلكَ أمرٌ لم أحكم أنا فيه برأيي ، ولا وليته هوىً منِّي ، بل وجدتُ أنا وأنتما ما جاء به رسول الله (ص) قد فرغ منه ، فلم أحتج إليكما فيما قد فرغَ الله مِن قسْمِه ، وأمضى فيهِ حُكمَهُ ، فليسَ لَكُما ، والله ، عندي ولا لغيركما في هذا عُتْبى ، أخذ اللهُ بقلوبِنا وقلوبِكُم إلى الحقِّ ، وألهمَنا وإيّاكُم الصّبرَ ، رحمَ اللهُ رجُلاً رأى حقّـاً فأعانَ عليهِ ، أو رأى جوراً فردّهُ ، وكان عَوناً بالحقِّ على صاحبه » (165).
وهكذا تختلف المنطلقات والمفاهيم؛ ينطلق عليّ (ع) ممّا يأمر به الله تعالى ورسوله (ص) بينما تنطلق «المعارضة» ممّا توحي به مصالحها .
وشتّان بين منطلق يرمي إلى تحقيقِ متطلّبات الرِّسالة ومصلحة مجموع الاُمّة ، ومنطلق مادّيّ لا يرى غير المصلحة الذاتية المحدودة !
وقد جابه الإمام عليّ (ع) أكبر مشكلة في تاريخ خلافته ، ألا وهي الولاة الّذين كانوا يحكمون الاقاليم الإسلامية، الّذين عُيِّنوا على عهد عثمان بن عفان، وكان أغلبهم ظالماً جائراً غيرَ أمين على أموال المسـلمين وأرواحهم وأعراضهم ، وهم يعلمـون عدالة عليّ وشدّة تمسّكه
لذا حاولوا التفاوُضَ معهُ لأجلِ إبقائهم في مناصبهم وامتيازاتهم ، فرفضَ بِمبدَئِيّتِهِ المعهودة الّتي لا تلين كلّ ما جاؤوا أو حاولوه .
وصل أحد أفراد تلك الطبقة المُـتْرَفة إلى منزل الإمام عليّ وطلب الانفـراد به ، وتقدّم إليه بنصيحة هي أن يُبقي ولاة عثمان لمدّة عام واحد في مناصبهم ، فإذا بايعوه واستتبّ له الأمر فبإمكانه أن يقوم بعزلهم مِن أعمالهم إن أراد ذلك ، فرّد عليه الإمام انّه لا يُداهِنُ في دينهِ ولا يُساوِم .
فعرضَ عليه المغيرة عرضاً آخر هو أن يترك معاوية بن أبي سفيان حاكماً في بلاد الشام ، وفسّر ذلك بقوله : «ان لمعاوية جُرأة ، وهو في أهل الشام يُسمعُ منه» فرّد الإمام عليّ :
«لا والله ، لا أستعمل معاوية يومين أبداً »(166).
والسبب في رفض الإمام للتعامل مع اُولئك الولاة واقرارهم في أعمالهم :
1 ـ أنّ أغلبهم كان ظالماً وقد كانت أعمال الكثيرين منهم سبباً في إثارة نقمة المسلمين على الخليفة عثمان وقتله في نهاية الأمر .
2 ـ أنّ منهجه الثوري الّذي أراد فيه إصلاح اُمور الاُمّة المتردية كان يقتضي الاعتماد على عناصر متديِّنة مؤمنة بمنهجه الّذي لا يعطي اعتباراً لأيّ شيء سوى رضى الله سبحانه وتعالى الّذي لا يرضى بظُلْمِ أحَد .
3 ـ أنّ إقراره اُولئك الولاة في أعمالهم ولو إلى حين ، سوف لا يسمح له بعزلهم فيما بعد ، إذ سيجعل الاُمّة تتساءل : إذا كانوا غير لائقين فعَلامَ أقرّهم ؟ وإن كانوا لائقين فلماذا يعزلهم اليوم من مناصبهم ؟
4 ـ أنّ الإمام (ع) إذا أقرّ اُولئك الولاة في مناصبهم فإنّ أيّ ظُلْم واعتداء أو ارتكاب محرّم يصدر منهم سيتحمّل مسؤوليته هو لا سيّما وهو يعلم حالهم ، فمِن حقّه الشرعي أن لا يُقِرّ أحَداً منهم في منصبه .
5 ـ أنّ إقرار الإمام عليّ (ع) لأي من هؤلاء الولاة الفاسقين سيعطي سابقة تاريخية وشرعية تسوِّغ وتجوِّز تعيين الولاة الفَسَقَة أو إقرارهم في مناصبهم بحجّة المصلحة الشرعية أو السياسية أو غير ذلك .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com