اسم الكتاب: الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
موقف معاوية
وكما قال المغيرة بن شعبة ، فقد كان معاوية بن أبي سفيان أكثر الولاة جرأة في حربه لخليفة المسلمين الشرعي الإمام عليّ . فلمّا أن تناقلت الانباء أمر استخلاف الإمام عليّ ونهوضه بأعباء قيادة الاُمّة حتّى فزع معاوية بن أبي سفيان ، الّذي كان يخطِّط منذ سنين لان يكون هو الخليفة ، إضافةً إلى تمتّعه بالملك الواسع الّذي هو فيه ، بل إنّ رسالة عاجلة من رفيقه عمرو ابن العاص قد وصلته تُفْصِح عن هذا المعنى عندما كتب إليه يطلعه على حقيقة الموقف في عاصمة رسول الله (ص) : «مِن عمرو بن العاص إلى معاوية بن أبي سفيان : أمّا بعد ، ما كنتَ صانعاً فاصنَعْ ، إذ قَشَرَكَ ابنُ أبي طالب مِن كلِّ ما تملكُهُ كما تقشرُ عَنِ العصا لحاها» (167). وهكذا حرّض ابن العاص معاوية ضدّ الإمام عليّ وجاءه من الباب الّذي يعلم حسّاسيته لدى معاوية ، باب الملكية والسلطان عندما قال : «قَشَرَكَ ابنُ أبي طالب مِن كلِّ ما تملكُه» ، ضاعَ الملك إذن ، لذا كان لا بدّ لمعاوية مِن أن يدافع عن امتيازاته وثرواته بأيّ ثمن كان ، حتّى لو أدّى ذلك إلى إبادة المسلمين وتدمير الاسلام وإراقة الدماء في كلِّ أنحاء الدولة الإسلامية ، فالمهم هو المُلْك والسّلطان . حاولَ الإمام عليّ أن يقضي على الفتنة الّتي بدأت تلوح في الاُفق بالطّرق السلميّة ، فأرسلَ كتاباً إلى معاوية يستقدمه فيه إلى المدينة ، فلم يَسْتَجِبْ معاوية لذلك ، بل ولم يردّ بجواب على كتاب الإمام عليّ (168). وبعد مُضي ثلاثة شهور على مقتل عثمان ، وقيام الإمام عليّ (ع) بالأمر يشهر معاوية سلاح المطالبة بدم عثمان ، متّخذاً منه ذريعة للخروج على إمام زمانه . وقد بدأت معارضته بنشر ثوب عثمان الدامي في مسجد دمشـق وشعيرات من لحيته، وقد جمد عليها الدم، وراح يستثير أهل الشام للنهوض من أجل عثمان والانتقام ممّن قتله ، ومن ثمّ أرسل رسولاً إلى الإمام (ع) حتّى إذا وصل الرسول إلى المدينة المنوّرة جعل يسير في دروبها ، وهو يحمل صحيفة مختومة مكتوباً عليها «من معاوية إلى عليّ» وهو عنوان يثير الدهشة لدى الناس فهو خال من كلِّ لياقة وكياسة ، كما يشير إلى أنّ مرسله لا يحمل إلى زعيم المسلمين أي شعور بالاحترام والتقدير . وفضّ الإمام (ع) صحيفة معاوية ، فوجدها بيضاء لا حرف فيها فسأل رسول معاوية : ما وراءك ؟ قال بعد أن استأمن الإمام (ع) : إنّي تركت ورائي أقواماً يقولون لا نرضى إلاّ بالقَوَد . قال الإمام (ع) : ممّن ؟ قال: يقولون من خَيْطِ رقبة عليّ، وتركت ستّين ألف شيخ يبكون تحت قميص عثمان ، وهو منصوب لهم قد ألبسوهُ مِنبرَ مسجدِ دمشقَ ، وأصابع زوجته نائلة مُعلّقة فيه . فقال الإمام «أَمِنِّي يطلبونَ دَمَ عثمان ، اللّهم إنِّي أبرأُ إليكَ مِنْ دَمِ عثمان» (169). ثمّ أمر الإمام (ع) رسول الشام أن يغادر بعد أن منحه الامان.ومنذ ذلك التاريخ بادر الإمام(ع)بتجهيز جيشه لاخماد حركة البغاة الّتي قادها معاوية في الشام.
|
|