قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
خلفيّات المطالبة بدم عثمان
ولنا أن نتساءل قبل أن نمضي في حديثنا قدماً ، هل كانت الاطراف في كل من الشام والبصرة صادقةً في ادعاء المطالبة بدم الخليفة الثالث ؟ وللإجابة على هذا السؤال الّذي يفرض نفسه على الكاتب والقارئ معاً في هذه المسألة ، لا بدّ من الرّجوع إلى مواقف تلك الاطراف جميعاً أيّام الثورة الّتي تمخّض عنها مَقتَل عثمان . ولا بُدّ لنا من أن نطّلع على الظّروف والاسباب الّتي أجّجت نار الفتنة وصعّدت المواقف حتّى أدّت إلى مَقتَل عثمان : كان من أهمّ الاسباب الّتي دفعت بالمسلمين في الولايات المختلفة إلى الاعتراض والتحرّك ضدّ السياسة القائمة أيّام خلافة عثمان، هو واقع الولاة والأمراء الّذين عيّنهم عثمان على الولايات والأمصار . فالمعروف تاريخياً أنّ مجموعة من أبناء عمومة الخليفة عثمان أو أبناء خالاته أو أقربائه من بني اُميّة قد التفّت حوله منذ تولِّيه الخِلافة، وحقّقت المكاسب والامتيازات وامتلكت الثروات واكتنزت الكنـوز ، وارتكبت مِنَ المظالم والموبقات والجرائم ما جعل المسلمين يضيقون ذرعاً بهم ويثورون عليهم مطالبين الخليفة بعزل اُولئك الولاة الظّالمين ، وإبعاد طبقة الأثرياء القريشية الّتي أحاطت به ، واتّخذت منه ستاراً لتحقيق مآربها الدنيوية ، ولمّا لم يقم بعزلهم وإبعادهم ـ بضغط من نفس تلك البطانة ـ انتهت الاُمور إلى حالة مأساوية قتلوا فيها الخليفة عثمان نفسه، فلننظر إلى قائمة بأسماء هؤلاء الولاة ونتعرّف إلى سوابقهم التاريخية وسلوكياتهم ونلاحظ وشـائج القرابة الامويّة أو القريشيّة الّتي تربط بينهم وتأثيرها على السياسة القائمة والتصرّف بأموال المسلمين وحقوقهم . كان الخليفة هو : عثمان بن عفـان بن أبي العاص بن اُميّة بن عبد شمس . وكان الولاة وأمراء الاجناد والمتنفِّذون في خلافته هم : 1 ـ الحَكَم بن أبي العاص بن اُميّة بن عبد شمس : هو عمّ الخليفة عثمان ، وكان أشدّ الناس أذىً لرسول الله في الاسلام ، « اطّلع على رسول الله ذات يوم وهو في بعض حُجَر نسائه ، فعرفه (ص) وخرج إليه وقال : من عذيري من هذا الوزغ اللّعين ، ثمّ قال: والله لا يساكنني ولا ولده . فغرّبهم جميعاً ـ أي نفاهم هو وولده ـ إلى الطائف ، فلمّا توفِّي رسول الله ، كلّم عثمان أبا بكر فيهم ـ أي ليعيدهم إلى المدينة ـ فأبى وقال : ما كنتُ لآوي طُرَداءَ رسول الله ، ثمّ لمّا استُخْلِفَ عمر ، كلّمه عثمان فيهم ، فقال مثل قول أبي بكر ، فلمّا استُخْلِفَ عثمان أدخلهم المدينة » (170). وقد كان الحَكَم فقيراً مملقاً حتّى انّه عندما دخل المدينة بعد سِنِيّ النّفي والطّرْد ، كان عليه ثوب خلق بال وهو يسوق تَيْساً والناس ينظرون إليه وإلى سوء حاله وحال مَن معه ، حتّى دخل دار الخليفة عثمان ، ثمّ خرج بعد أن كساه جبّة خزٍّ وطيلسان(171). فلمّا حلّ المساء جاء عامل صدقات المسلمين على السوق إلى الخليفة عثمان وبيده الصدقات ليضعها في بيت المال ، فقال له عثمان : إدفعـها إلى الحكم هذا (172)، ثمّ ولاّه ـ أيّ الحكم ـ على صدقات قبيلة قُضاعة ، فبلغت ثلاثمائة ألف درهم فوهبها له (173). وكان الخليفة عثمان يُحبّه حُبّاً شديداً، حتّى انّه عندما توفِّي أقامَ الخليفة على قبرهِ فسطاطاً (174) ـ على عادة القوم آنذاك في إظهار الحزن الشديد ـ . 2 ـ مروان بن الحَكَم بن أبي العاص بن اُميّة بن عبد شمس : وهو ابن عمّ الخليفة عثمان ، أرسلهُ عثمان مع الغزو المتّجه إلى أفريقـيا ، فلمّا عاد الجيش ومعه الغنائم ، أعطى عثمان ابن عمّه مروان خُمس تلك الغنائم (175) ، وقد استنكر المسلمون ذلك حتّى قال الشاعر أسلم الساعدي وهو يُعاتِب عثمان : اُقْسِمُ باللهِ ربِّ العبا *** دِ ما تركَ اللهُ خَلْقاً سُدى دَعَوْتَ اللّعينَ فأدنيتَهُ *** خِلافاً لِسُنّةِ مَنْ قَدْ مَضى ويعني بذلك دعوة عثمان للحَكَم لسكنى المدينة بعد طرد رسول الله (ص) له ولولده ، ويضيف : وأعطيتَ مروانَ خُمسَ العبادِ *** ظُلْماً لَهم وحَميتَ الحِمى (176) كما وهبه عثمان منطقة «فَدَك»؛ قال المؤرّخون : «وأقطَعَ مروان فدكَ ، وهي صَدقة النبيّ الّتي طلبتها فاطمة من أبي بكر»(177). قال ابن حجر العسقلاني : « إنّ مروان كان من أسباب قتل عثمان » (178). 3 ـ الحارِث بن الحَكَم بن أبي العاص بن اُميّة بن عبد شمس : وهو ابن عمّ الخليفة وأخو مروان ، قال ابن عبد ربّه الاندلسي وابن أبي الحديد :«تصدّق رسول الله (ص) بمهزور على المسلمين، فأقطعها عثمان للحارث بن الحكم»(179)، ثمّ زوّجه « ابنته عائشة ، فأعطاه مائة ألف من بيت المال » (180). 4 ـ الوليد بن عُقْبة بن أبي مُعَيْط بن ذكوان بن اُميّة بن عبد شمس : وهو أخو عثمان لاُمِّه، وكان أبوه عُقْبة « أشدّ الناس أذىً لرسول الله (ص) وعداوة له وللمسلمين ، عمد إلى مكتل فجعل فيه عَذِرة (غائطاً) وجعله على باب رسول الله ، اُسِرَ ببدر فقُتِلَ صبراً »(181). أمّا هو فقد اشتهر انّه (كان زانياً شرِّيب خمر)(182) ، وكان له نديم نصرانيّ(183) وأعطاه داراً قريبة من المسجد ، فكان يدخل المسجد إذا أراد الوصول إلى الوليد (184). ولاّه عثمان على الكوفة بعد أن عزل عنها الصحابي سعد بن أبي وقاص ، و«كان يشرب مع ندمائهِ ومغنِّياتهِ من أوّل اللّيل إلى الصّباح ، فخرج منفصلاً في غلائله ، فصلّى بهم ـ أي صلاة الصّبح ـ أربعاً ، وقال : اُزيدكم ؟ ! ونقل عن المسعودي أنّه قال في سجوده : إشرب واسقني» (185). وقد شهد مجموعة من الشهود عليه لدى عثمان بشربه الخمر وكان اسم أحدهم جُنْدُب ، فأخـبروا عثمان خبره وكان عبدالرّحمن بن عوف حاضراً فقال : « ما لهُ ؟ أجُنَّ ؟ قالوا : لا ، ولكنّه سكر ، قال فأوعدهم عثمان وتهدّدهم ، وقال لجندب : أنتَ رَأيتَ أخي يشرب الخمر ؟ قال : مَعاذ الله ، ولكنِّي أشهدُ أنِّي رأيتُهُ سَكْرانَ يَقيئُها مِن جَوفِهِ ، وأنِّي أخذت خاتمه من يده وهو سكران لا يعقل . فأتى الشهود عائشة فأخبروها بما جرى بينهم وبين عثمان ، وأنّ عثمان زَبَرهم ـ أي انتهرهم ـ فنادت عائشة : « إنّ عثمان أبطَلَ الحدود ، وتوعَّدَ الشهود » (186). «وقد اضطرّ الخليفةُ عثمانُ، وتحتَ الضّغطِ الجماهيري، وتحذيراتِ عائشة ونصيحةِ الإمام عليّ (ع) الّذي استشاره عثمان في الموضع ، فقال له ـ أي الإمام عليّ ـ إن شهد عليه الشـهود بمحضر منه أقم عليه الحدّ، فاُحضِرَ وشهد الشهود ، فَجُلِدَ بحضورِ الخليفة عثمان والإمام عليّ ومجموعة من المسلمين »(187). 5 ـ عبدالله بن سعد بن أبي سَرْح العامري القرشي : وهو ابن خالة عثـمان وأخوه من الرّضـاعة (188)، وكان كاتباً لرسول الله (ص) فظهرت خيانته في الكتابة فطرده رسول الله (ص)، فارتدّ عن الاسلام ولحق بأهل مكّة وأخبرهم : إنّي كنت أصرف محمّداً حيث أريد ، كان يملي عليّ (عزيز حكيم) فأقول أو (عليم حكيم) ، فأنزل الله فيه (ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى اللهِ كَذِباً أو قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إلَيهِ شَيء ، ومَنْ قالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ الله ) ، فأهدر الرّسول دمه ، وبعد فتح مكّة استأمن له عثمان من النبيّ (ص) (189). وقد أعطاه عثمان أثناء خلافته «جميع ما أفاء الله عليه من فتح أفريقيا بالمغرب ـ وهي من طرابلس الغرب إلى طنجة ـ مِن غير أن يُشْرِكَهُ فيهِ أحَدٌ مِنَ المسلمين »(190). ولمّا أصبح عثمان خليفة، كان عمرو بن العاص والياً على مصر، فعزله عن الخراج، وأقرّه على الصلاة والجند ، وسلّم الخراج إلى عبدالله بن سعد هذا ، فتخاصما ، فبلغ الخبرُ عثمانَ ، فعزل ابن العاص وأضاف الصلاة إلى عبدالله (191). 6 ـ عبدالله بن عامر بن كُرَيْز الأموي : وهو ابن خالة عثمان (192) وقد ولاّه البصرة وعمره خمسٌ وعشرونَ سنة (193)، كما عيّنه أميراً على فتوحات المشرق . وعلى أيّة حال فقد كان الخليفة عثمان مُحِبّاً لأقاربه من بني اُميّة وكان يسمِّي اُعطياته لهم من بيت مال المسلمين بأنّها «صِلَة رحم» كما اُثر عنه قوله : «والله ، لو أنّ مفتاح الجنّة بيدي ، لادخلتُ بني اُميّة إليها»(194) ، كما أنّه «حمى المراعي حول المدينة كلّها من مواشي المسلمين كلّهم إلاّ عن بني اُميّة»(195). ويقول ابن أبي الحديد إنّه : « وأعطى سـفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال ، في اليوم الّذي أمر فيه لمروان ابن الحكم بمائة ألف من بيت المال ، وقد كان زوّجه ابنته اُمّ أبان . فجاء زيد بن أرقم صاحب بيت المال بالمفاتيح ، فوضعها بين يدي عثمان وبكى ، فقال عثمان: أتبكي أن وصلتُ رحمي ؟ ! قال: لا، ولكن أبكي لأنِّي أظنّك أنّك أخذت هذا المال عوضاً عمّا كنتَ أنفقته في سبيل الله في حياة رسول الله (ص) ، واللهِ ، لو أعطيتَ مروان مائة درهم لكان كثيراً ، فقال (عثمان) : ألقِ المفاتيح يا ابن أرقم ، فإنّا سنجد غيرك !! وأتاهُ أبو موسى (الاشعري) بأموال من العراق جليلة، فقسّمها كلّها في بني اُميّة»(196). ويبدو أنّ حبّه لاقربائه من آل اُميّة كان مشهوراً حتّى قبل أن يلي الخلافة ، حتّى أنّ الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب لمّا حضرته الوفاة وسمّى أهل الشّـورى ، وذكر أوصافهم قال عن عثمان : «واللهِ ، لئن كان الأمر إليه لَيَحْمِلنَّ بني أبي مُعَيط ـ أي بني اُميّة ـ على رقابِ الناس» (197). أمّا معاوية بن أبي سفيان: فقد كان الشام بأسره في يده وكان يعيش مُترَفاً مُنعَماً هناك . « أخرج إمام الحنابلة أحمد في مسنده (5 : 347) من طريق عبدالله بن بريدة قال : دخلتُ أنا وأبي على معاوية ، فأجلسنا على الفرش ، ثمّ اُتينا بالطّعام فأكلنا ، ثمّ اُتينا بالشّراب ، فشرب معاوية ثمّ ناول أبي ثمّ قال ـ أي والد بريدة ـ : ما شربته منذ حرّمه رسول الله (ص)»(198). ويبدو أنّ معاوية لم يكن يتحرّج من شربها، بل كانت تُحمل له على الابل وتخترق الطّرقات والأسواق ، حتّى مرّت مجمـوعة من الابل المحمّلة بالقِرَب على الصحابي عبادة بن الصامت وكان آنذاك في الشام فسأل : ما هذه ؟ أزيت ؟ قيل : لا ، بل خمر تُباع لفُلان (199)، فأخذ شفرة من السوق ومزّق بها تلك القرب ، وكان أبو هريرة إذ ذاك بالشام ، فأرسل فلان ـ أي معاوية ـ إلى أبي هريرة يقول له : أما تمسك عنّا أخاك عبادة ؟ أمّا بالغدوات فيغدو إلى السوق فيفسد على أهل الذمّة متاجرهم ، وأمّا بالعشي فيقعد في المسجد ليس له عمل إلاّ شتم أعراضنا أو عيبنا ، فأقبل أبو هريرة حتّى دخل على عبادة فقال له : يا عبادة ! ما لك ولمعاوية ؟ ذره وما حمل ، فإنّ الله يقول : تلك اُمّة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم . قال : «يا أبا هريرة ! ألم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله (ص)؟ بايعناه على السمع والطّاعة في النشاط والكسل ، وعلى النفقة في العسر واليسر ، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وعلى أن نقول في الله ، لا تأخذنا في الله لومة لائم» (200). « أخرج ابن عساكر في تاريخه ، وابن سفيان في مسنده ، وابن قانع وابن مندة ، عن طريق محمّد بن كعب القرظي قال : غزا عبدالرّحمن بن سهل الانصاري في زمن عثمان ، ومعاوية أمير على الشام ، فمرّت به روايا ـ جمع راوية وهي القِرْبَة الّتي يوضع فيها الماء أو الخمر وغيرهما ـ لمعاوية ، فقام إليها برمحِه ، فبقر ـ مزّق ـ كلّ راوية منها ، فناوشه الغلمان حتّى بلغ شأنه معاوية ، فقال : (دعوه فإنّه شيخ قد ذهب عقله ، فقال عبدالرّحمن : كلاّ والله ، ما ذهب عقلي ، ولكن رسول الله (ص) نهانا أن نُدخِلَ بطوننا وأسـقِيَتنا خمراً ، وأحلف بالله ، لئن بقيتُ حتّى أرى في معاوية ما سمعتُ من رسول الله (ص) لابقرنّ بطنه أو لاموتنّ دونه) » (201). وكان معـاوية يكره عليّاً (ع) كرهاً عنيفاً بلغ حدّاً أنّه كان يشتم عليّاً علانية في مجالسه ومجالس غيره ويأمر ولاته وموظفيه بشتمه على المنابر كما هو معلوم في كتب التاريخ (202). ويلخص ابن أبي الحديد المعتزلي ما بين عليّ (ع) ومعاوية ـ وهو نموذج لما بين عليّ وسائر القوم ـ بقوله : « وكان معاوية على أسّ الدّهر مبغضاً لعليّ (ع) ، شديد الانحراف عنه ، وكيف لا يبغضه وقد قتل أخاه حنظلة يوم بدر ، وخاله الوليد بن عتبة ، وشرِك عمّه في جدّه وهو عتبة ـ أو في عمّه وهو شيبة ، على اختلاف الرواية ـ وقتل من بني عمّه عبد شمس نفراً كثيراً من أعيانهم وأماثلهم » (203). كل ذلك ممّا سـيظهر جلياً على مواقف القوم في صراعهم مع عليّ كما سنرى ، حيث إنّهم لم يكونوا يُبالون بما سيؤول إليه أمر عثمان . وقد حلّل سيِّد قطب ـ في كتابه العدالة الاجتماعية في الاسـلام ـ سياسة الحكم والمال أيّام عثمان وما آلت إليه من نتائج وآثار سلبيّة ، قائلاً : «لقد أدركتِ الخلافةُ عثمانَ وهو شيخ كبير ومن ورائه مروان بن الحكم يصرِّف الأمر بكثير من الانحراف عن الاسلام ، كما أنّ طبيعة عثمان الرخيّة وحدبه الشديد على أهله قد ساهم كلاهما في صدور تصرّفات أنكرها الكثيرون من الصحابة من حوله ، وكانت له معقّبات كثيرة وآثار في الفتنة الّتي عانى الاسلام منها كثيراً ... ولقد كان الصحابة يرون هذه التصرّفات الخطيرة العواقب فيتداعون إلى المدينة لانقاذ تقاليد الاسلام وإنقاذ الخليفة من المحنة ، والخليفة في كبرته لا يملك أمره من مروان ... » (204).
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|