سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)


موقف الإمام عليّ (عليه السلام) أيّام الازمة

حين استمرّ هياج الناس وهم يطالبون عثمان بعزل الولاة الظالمين حاول الإمام (ع) أن يقنع
الخليفة بضرورة الاصلاح ، وجرت بينهما أحاديث بهذا الشـأن ، وممّا نصح به الإمام (ع) الخليفة قوله :
« وإنِّي اُنْشِدُكَ اللهَ ألاّ تكون إمام هذه الاُمّة المقتول؛ فإنّه كان يقال : يُقتَل في هذه الاُمّة إمام يفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة ، ويلبس اُمورها عليها ، ويبثّ الفتن فيها، فلا يبصرون الحق من الباطل ، يموجون فيها موجاً ويمرجون فيها مرجاً ، فلا تكوننّ لمروان سيِّقة يسوقك حيث يشاء بعد جلال السنّ وتقضِّي العمر » (208).
فقال له عثمان : « كَلِّم الناس في أن يؤجلوني حتّى أخرج إليهم من مظالمهم » (209).
فقال الإمام (ع) : «ما كان بالمدينة فلا أجل فيه ، وما غاب فأجله وصول أمرك إليه»(210).
قال الخليفة : نعمْ ، ولكن أجِّلني فيما بالمدينة ثلاثة أيّام .
فخرج الإمام إلى الناس ، وأخبرهم بما وعد به الخليفة ، وكتب بينهم وبين عثمان كتاباً وأشهد عليه قوماً من وجوه المهاجرين والأنصار (211).
وقد لعب مروان بن الحكم دوراً سيِّئاً للغاية في تفاقم غضب الثائرين ، فبعد كل مرّة يعلن فيها عثمان عن تفاهم مع وفود الثائرين أو يعدهم بشيء سينفِّذه ، يقوم مروان بخطوة تؤدي إلى تصعيد الموقف ضد عثمان ، فقد وقف أمام القوم مرّة وصاح : «إن شئتم حكّمنا واللهِ بيننا وبينكم السيف»(212) ، ومرّة كلّفه عثمان بأن يتكلّم مع الناس فخرج وهم محتشِـدون فصاح بهم : « جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا ؟ أخرجوا عنّا »(213)... ، فذهبوا إلى الإمام عليّ (ع) وعرضوا عليه ما فعله مروان ، فذهب الإمام إليه ونصحه بأن لا يطيع مروان وإلاّ فإنّه سيورده إلى التهلكة ، وإنّه ـ أي الإمام عليّاً ـ لن يعود مرّة اُخرى إلى دار عثمان ، لأنّه كلّما نصحه بنصيحة كان مروان يدخل عليه ويقنعه بعكس ما نصح به الإمام (ع) عثمان .
وبعد خروج الإمام ، نصحت نائلة زوج عثمان ، نصحته بأن يأخذ بنصيحة الإمام وان يترك مروان ، وقالت : «إنّك متى أطعتَ مروان قَتَلكَ ، ومروان ليس له عند الناس قَدْر ولا هيبة ولا محبّة ، وانّما تركك الناس لمكان مروان» (214).
وقد تكرّرت نصيحة الإمام عليّ ووساطاته بين عثمان والثوار ، إلاّ أن مروان كان ينجح دائماً في صرف عثمان عن آراء الإمام عليّ (ع) الّتي كانت في مصلحة عثمان والمسلمين ، وكان عثمان كلّما اشتدّ حصار الثوّار عليه في بيته ، أرسل إلى الإمام عليّ ، حتّى شكا الإمام (ع) تلك الحالة بقوله :
«يا للمسلمين ! إنِّي إنْ قَعدتُ في بيتي قال (عثمان) لي : تركتني وقرابتي وحقِّي ، وإنِّي إن تكلّمتُ فجاء ما يريد ، يلعبْ به مروان ، فصار (أي عثمان) سيِّقةً له يسوقه حيث شاء ، بعد كِبَرِ السِّنِّ وصحبة رسول الله (ص) » (215).
وحيث لم يتيسّر لعثمان أن يبرّ بوعوده للناس تأزّم الموقف ، وتفاقمت الازمة ، فالثوّار الّذين جاؤوا من مصر وعادوا إلى بلادهم بعد أن تلقّوا وعوداً من الخليفة بأنّه سيعزل عنهم واليه هناك : عبدالله بن سعد بن أبي سرح ، قد عثروا مع شخص كان يسير مسرعاً على ناقته منفرداً بعيداً عنهم ، عثروا - بعد أن شكّوا في أمره - على رسالة موقّعة من عثمان بن عفان إلى واليه على مصر عبدالله بن سعد يأمره فيها بقتل زعماء الثائرين المـصريين الّذين وعدهم الخليفة بأن سيعزل عنهم الوالي عبدالله ، فثارت ثائرة القوم وعادوا إلى المدينة وثار معهم أهل المدينة (216)، وحوصر الخليفة في داره .
فكتبَ رسائل إلى واليه على الشام معاوية ، وواليه على البصرة عبدالله بن عامر يستنجدهما، كما بعث إلى الإمام عليّ (ع) ليحضر عنده «فلمّا جاءه قال : يا أبا حسن ! انّه قد كان من الناس ما قد رأيتَ ، وكان منِّي ما قد علمتَ ، ولستُ آمنهم على قتلي ، فارددهم عنِّي» فقال الإمام عليّ: « الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك ، وإنِّي لأرى قوماً لا يرضون إلاّ بالرضى ، وقد كنتَ أعطيتَهم في قدْمتهم الاُولى عهداً من الله : لترجعنَّ عن جميع ما نقموا ، فرددتُهم عنك ، ثمّ لم تفِ لهم بشيء من ذلك ، فلا تغرّني هذه المرّة من شيء ، فإنِّي مُعطيهم عليكَ الحقَّ ، قال : نعمْ ، فأعطِهِم ، فوَالله لاََفِيَنَّ لَهُم »(217).
فلمّا مضت الايّام الثلاثة وهي المهلة الّتي طلبها عثمان للاستجابة لطلب الثائرين بعزل العمّال الظلمة ، وجاؤوه بالرسـالة الّتي عليها خاتمه يأمر فيها واليه على مصر بقتل زعماء الثائرين ، قالوا له بالحرف الواحد : « إعزِلْ عنّا عمّالك الفُسّاق ، واستعمل علينا مَنْ لا يُتّهم على دمائنا وأموالنا ، واردد علينا مظالمنا .
قال عثمان : ما أراني إذن في شيء، إن كنتُ أستعملُ مَنْ هويتُمْ ، وأعزلُ مَنْ كرهتُمْ ، الأمر إذن أمركم .
قالوا : واللهِ لَتَفْعَلَنَّ أو لَتُقْتَلَنَّ ، فانظر لنفسكَ أو دَعْ . فأبى عليهم ، وقال لم أكن لاخلع سربالاً سربلنيه الله . فحصروه أربعين ليلة ، وطلحة يُصلِّي بالناس »(218) .
واشتدّ الحصار على عثمان ومنعوا عنه حتّى الماء، فاستنجد بالإمام عليّ (ع) فأسرع إليه بنفسه وأوصل الماء إلى داره (219) رغم معارضة طلحة وسواه .
وعندما نشبَ القتال بين الثوّار وبعض المدافعين عن الخليفة ، أرسل الإمام عليّ ولده الحسن ليمنع عنه ، وقد دافع عنه الإمام الحسن بسيفه إلى أن اُصيب ـ أي الحسن ـ
فحُمِلَ جريحاً إلى دار قريبة لعلاجه(220).
هذه بعض مواقف الإمام (ع) قبال عثمان ومصلحة الاُمّة ، وعلى الرغم من تلك المواقف النبيلة الّتي وقفها الإمام (ع) من أجل الخليفة فإنّه لا يعني بحال أنّ الإمام كان راضياً عن سياسة الخليفة في المال والادارة (221).
بَيْدَ أنّ الإمام (ع) كان يرى في قتلِ عثمان خطراً يتهدّد الاُمّة بالنظر لما يعقبه من تمزِّق في الصف الاسلامي ، وتجرّؤ مِن قِبَل المتربِّصين بالاسلام والمسلمين .
الأمر الّذي وقع فعلاً بعد مقتل الخليفة المذكور مباشرة .
أمّا معاوية ، فقد كان يعلم بتفاصيل ما يجري للخليفة في المدينة ، وعندما استغاث به الخليفة ، أرسل معاوية جيشاً بقيادة يزيد القسري وأوصاه : « إذا أتيت ذا خُشُب ـ منطقة خارج المدينة ـ فأقم بها ولا تتجاوزها ، ولا تقل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ، فإنّني أنا الشاهد وأنتَ الغائب ، (وقيل) انّه صنع هذا عمداً ليقتل عثمان (رض) فيدعو إلى نفسه» (222).
وقد عيّر المسور بن مخرمة معاوية بعد مقتل عثمان فقال له في بلاطه بدمشق : « وكتب
(عثمان) يستمدّك بالجند ، فحبستهم عنه حتّى قُتل وهم بالزرقاء » (223).
فلمّا قُتل عثمان استدعى معاوية جيشه .
وقد أفصح الإمام (ع) عن موقفه ازاء مقتل الخليفة عثمان بقوله : « اللّهمّ إنِّي أبرأُ إليكَ مِنْ دَمِ عثمان، ما نجا والله قتلة عثمان إلاّ أن يشاء الله ، فإنّه إذا أراد أمراً بلغه » (224).
ويتّضح موقف الإمام (ع) كذلك من كتاب له إلى معاوية حيث جاء فيه : « وقد أكثرت في قتلة عثمان ، فادخل فيما دخل فيه الناس ثمّ حاكِمِ القَوْمَ إليَّ أحملْكَ وإيّاهم على كتاب الله ، فأمّا تلك الّتي تريدها فخدعة » (225).

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com