سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)


حرب البصرة

على الرغم من أنّ طلحة والزُّبير كانا من أشدّ الناقمين على سياسة عثمان، ومع أنّهما سبقا الناس في البيعة للامام عليّ (ع) بعد قتل عثمان ، فإنّ الحركة الاصلاحية الّتي قادها الإمام (ع) في الحياة الإسلامية لم تجد هوى في نفسيهما؛ فبدأ في العمل للخروج على الإمام (ع) وإثارة المسلمين عليه ، فكانت حصيلة ذلك فتنة عمياء كبّدت الاُمّة خسارة فادِحة ، حيث أقنعا عائشة بنت أبي بكر بالخروج معهما إلى البصرة لقيادة عملية المعارضة على عليّ (ع) .
وما دام القوم قد رفعوا قميص عثمان للمطالبة بدمه ، فلننظر موقف القيادات الّتي تزعّمت حركة المطالبة بدمه ، كيف كان موقفها من عثمان نفسه عندما كان حيّاً .
فقد رووا أنّ الزُّبير كان يقول : اُقتلوا عثمان فقد بدّل دينكم ، فقالوا له : انّ ابنك يحامي عنه بالباب ـ وكان ذلك أثناء الحصار الّذي فرضه الثائرون على بيت عثمان ـ، فقال الزُّبير : « ما أكره أن يُقتل عثمان ولو بُدئ بابني ، إنّ عثمان جيفة على الصراط غداً » (226).
وأمّا طلحة، فقد ذكر المؤرّخ الواقدي انّه لمّا قُتِلَ عثمان وتذاكروا أمر دفنه والمكان الّذي يُدفن فيه قال طلحة : «يُدفن بـ (ديرسلع) يعني مقابر اليهود» (227).
وقال ابن أبي الحديد : « كان طلحة أشدّ الناس تحريضاً على عثمان ، وكان الزُّبير دونه في ذلك؛ وروي أن عثمان قال : ويلي على ابن الحضرمية ـ يعني طلحة ـ أعطيته كذا وكذا بهاراً ذهباً ، وهو يروم دمي ، يحرِّض على نفسي ، اللّهمّ لا تمتِّعه به ، ولقِّه عواقب بغيه » (228).
على انّ الإمام عليّاً (ع) قد طلب إلى طلحة ـ وكان عثمان محاصَراً في بيته ـ أن يذهب لردّ الناس عنه ، فقال طلحة : « لا والله ، حتّى تعطـيني بنو اُميّـة الحق من نفسها » (229)
ـ أي أن ينصاع بنو اُميّة وهم أقرباء الخليفة لمطاليب المسلمين الّذين طالبوا بإعادة ما نهبه بنو اُميّة منهم بالظلم والجور ـ .
وأمّا عائشة بنت أبي بكر وزوج رسول الله (ص) ، فقد كانت أشدّ القوم في حربها لعثمان ، ونظراً لمكانتها المحترمة في النفوس ، فقد كان الرواة والركبان يتناقلون فوراً ما كانت تتفوّه به ضدّه .
فعندما اشتدّ الحِصار على عثمان ، كانت قد توجّهت من المدينة المنوّرة إلى الحج ، فناشدها بعض المسلمين القريبين منها أن تبقى في المدينة فلعلّ في وجودها ما يُطفئ شيئاً من الثورة القائمة ضدّ عثمان ، وكان مروان بن الحكم على رأس اُولئك المطالبين ، فردّت عليه عائشة : « يا مروان ! وددتُ واللهِ أنّه ـ أي عثمان ـ في غرارة مِن غرائري هذه ، وأنِّي طوّقت حمله حتّى ألقيه في البحر » (230).
كما التقت وهي في طريقها إلى الحج بالصحابي الجليل عبدالله بن عباس فنهته عن نصرة عثمان قائلة : « يا ابن عباس ! إنّ الله قد آتاك عقلاً وفهماً وبياناً ، فإيّاك أن تردّ الناس عن هذا الطاغية » (231).
كما كان لعائشة موقف مشهور من الخليفة عثمان أطلقت على أثره شعارها المعروف: اقتلوا نعثلاً فقد كفر .
قال اليعقوبي المؤرّخ : كان عثمان يخطب ، إذ دلّت عائشة قميص رسول الله ونادت : « يا معشر المسلمين ! هذا جلباب رسول الله لم يَبْلَ ، وقد أبلى عثمان سنّته . فقال عثمان : ربِّ اصرِف عنِّي كيدهنّ إنّ كيدهنّ عظيم » (232).
وقال المؤرّخ ابن أعثم :
« لمّا رأت اُمّ المؤمنين اتفاق الناس على قتل عثمان قالت له : أي عثمان ، خصصتَ بيت مال المسلمين لنفسك ، وأطلقتَ أيدي بني اُميّة على أموال المسلمين ، ووليتهم البلاد، وتركت اُمّة محمّد في ضِيق وعُسْر، قطع الله عنكَ بركات السماء وحرمكَ خيرات الأرض ،
ولولا أنّك تصلِّي الخَمْس ، لنحروكَ كما تُنحر الابل ، فقرأ عليها عثمان قوله تعالى :
(ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوح وَامْرَأَةَ لُوط كَانَتَا تَحْتَ عَبْـدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ) » (233).
وبذلك كان الخليفة يُعرِّض بعائشة ، فردّت هي بإطلاق شعار : « اقتلوا نعثلاً فقد كفر »(234)، وتعني بنعثل الخليفة عثمان ، ونعثل هي كلمة تعني الذّكر من الضِّباع ، والشّيخ الأحمق ، ويهودياً كان بالمدينة (235)، وجميع تلك المعاني قارصة .
أمّا عمرو بن العاص، فبعد أن عزله عثمان عن ولاية مصر(236)، غضب عليه وخرج يُحرِّض الناس ضدّ عثمان ، و« كان من أشدّ الناس طعناً على عثمان (رض) ، وقال : لقد أبغضتُ عثمان وحرّضتُ عليه حتّى الرّاعي في غنمه » (237)، وبلغ في تحريضه انّه وصل إلى أرضِ فلسطين وبدأ بتحريض الناس على عثمان (238).
هذا وقد كنّا قد شرحنا موقف معاوية بن أبي سفيان عندما أرسل مجموعة من الجند لنصرة عثمان ، إلاّ أنّه أمر قائدهم بالتوقّف خارج المدينة ، وكان الهدف من ذلك «انّه ينتظر عقبى الصِّراع ... »(239).
إلاّ أنّ مقتل عثمان ومبايعة المسلمين للامام عليّ (ع) جعل الاُمور تتّخذ مجرىً آخر ، حيث إنّ عدالة عليّ وتمسّكه بالاسلام لا تروق لاولئك الّذين اكتنزوا الكنوز وامتلكوا الضّياع وبنوا القصور من أموال المسلمين ، فقاموا متحدين لمقاومة عدالة الاسلام الّتي لن تكتفي بحرمانهم ممّا ألفوه من النهب ، بل ستأخذ منهم حتّى تلك الاموال الّتي نالوها بطريقة غير مشروعة ، وجعل اُولئك الّذين تمنّوا الموت لعثمان وحرّضوا الناس ضدّه حتّى أَوْدَوْا بحـياته ، جعلهم متّحدين يطالبـون بدمه ، حيث اتّفق طلحة والزُّبير ومعهما اُمّ المؤمنين عائشة وخرجوا إلى البصرة مطالبين بدم عثمان !
إنّها من الاُمور الّتي تدهش اللّبيب حقّاً .
وقد بذل الإمام (ع) جهداً كبيراً لتحاشي هذه الفتنة فلم يَألُ جهداً في بذل النصح لهما وتحميلهما مغبّة ما سيكون إذا نشبت الحرب ، وهذه نصيحته (ع) لهما :
« أمّا بعد ، يا طلحة ! ويا زبير ! فقد علمتما أنّي لم أَرِدِ الناسَ حتّى أرادوني ، ولم اُبايعهم حتّى أكرهوني، وأنتما أوّل من بادر إلى بيعتي، ولم تَدْخُلا في هذا الأمر بسلطان غالب ، ولا لِعَرَض حاضر ، وأنتَ يا زبير ، ففارس قريش ، وأنتَ يا طلحة فشيخ المهاجرين، ودفعُكُما هذا الأمر قبل أن تدخلا فيه كان أوسعَ لكما مِن خروجكما منه ، ألا وهؤلاء بنو عثمان هم أولياؤه المطالبون بدمه ، وأنتما رجلان من المهاجرين ، وقد أخرجتما اُمّكما من بيتها الّتي أمرها الله تعالى أن تقرّ فيه ، والله حسبكما » (240).
وفي البصرة استمرّ الإمام (ع) يبذل نصحه من أجل حقن الدماء ، فأرسل للناكثين رسولاً يدعوهم للصلح ورأب الصدع .
كما التقى بالزبير وذكره باُمور جرّت لهما في عهد رسول الله (ص) منها قوله :
« ما حملَكَ على ما صنعتَ يا زبير ؟ قال : حملني على ذلك الطلب بدم عثمان !
فقال الإمام (ع) : إنْ أنصفتَ مِنْ نفسِكَ ، أنتَ وأصحابُكَ قتلتموه ، ولكنّي اُنْشِدُكَ اللهَ يا زبير أما تذكر ، قال لكَ رسول الله (ص) : يا زبيرُ ! أتحبُّ عليّاً ؟ فقلتَ : وما يمنعني مِن حُبِّهِ وهوَ ابن خالي . فقال لك : أما أنّكَ ستخرجُ عليه وأنتَ ظالمٌ له؟ . فقال الزُّبير : اللّهم بلى ، قد كان ذلك .
فقال الإمام : اُنْشِدُكَ اللهَ أتذكر يوم جاء رسول الله (ص) من عند بني عوف ، وأنتَ معه، وهو آخذ بيدِكَ فاستقبلتُهُ ، فسلّمتُ عليه ، فضحكَ في وجهي ، وضحكتَ إليه . فقُلتَ أنتَ : لا يَدَعُ ابنُ أبي طالب زَهْوَهُ ، فقال (ص) لكَ : مَهْلاً يا زبيرُ لَيسَ بعليٍّ زهوةٌ ، ولتخرُجَنّ عليه يوماً وأنتَ ظالِمٌ له ؟
فقال الزُّبير : اللّهمّ بلى ، ولكنِّي قد نسيتُ ذلك ، وبعد أن ذَكَّرْتَنيهِ لانْصَرِفَنَّ » (241).
وقد عزم الزُّبير على اعتزال الناس ، غير أن ابنه عبدالله وصفه بالجبن إن هو أقدم على ذلك .
وهكذا تفجّر الموقف واندلع القتال بين المعسكرين .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com