قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
الإمام وحرب صفين (فتنة القاسطين)
كانت أكبر مشكلة جابهها الإمام (ع) أيّام خلافته هي مشكلة الولاة الّذين كانوا يحكمون الاقاليم الإسلامية وقد عُيِّنوا مِن قَبل . إنّ الولاة يجب أن يكونوا على مستوى عال من الورع والتّقوى والزُّهد والاخلاص، حتّى يكونوا قدوةً للناس ، وأئمّة لهم نحو الهُدى والصّلاح في الوقت الّذي كان أغلب الولاة المعيّنين سابقاً يفتقدون هذه المواصفات، بل اتّصف الكثير منهم بالفسق والجور والتعدِّي على أموال الناس وأرواحهم . وكان بعض هؤلاء الولاة ممّن له ماض قذرٌ ومشؤومٌ حيث كانوا أشدّ الناس عداوة وأذىً لرسول الله (ص) ، ومن نماذج هؤلاء : الحكم بن العاص الّذي كان أشدّ الناس أذًى لرسول الله (ص) حتّى نفاه (ص) هو وولده مروان من المدينة . ومنهم الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيْط والي الكوفة أيّام عثمان والّذي « كان زانياً شرِّيبَ خَمْر ، وكان له نديم نصراني » (246)، وصلّى بالناس صلاة الصبح أربع ركعات وهو سكران، ومنهم عبدالله بن سعد بن أبي سَرْح العامري الّذي كان كاتب الرّسول (ص) وخانه في كتابته ، فطرده الرسول وارتدّ عن الاسلام وولاّه عثمان مصر . ومنهم معاوية بن أبي سفيان والي الشام وحاكمه بأسره مِن قبل ، وكان يعيش مُترَفاً مُنعَماً لا يحدّه شرع ولا يلتزم بدين . أخرج أحمد بن حنبل في مسنده عن عبدالله بن بريدة ، قال : دخلتُ أنا وأبي على معاوية ، فأجلسنا على الفراش ثمّ اُتينا بالطّعام فأكلنا ، ثمّ اُتينا بالشّراب ـ الخمور ـ فشرب معاوية ثمّ ناول أبي ، ثمّ قال ـ والد بريدة ـ ما شَرِبتُه منذ حرّمه رسول الله (ص) (247). ويبدو أنّ معاوية لم يكن يتحرّج من شرب الخمر ، حتّى أنّها كانت تُحمَل له على الابل تخترق الطرق والاسواق ، حتّى مرّت مجموعة من الابل المحمّلة بالقِرَب على الصّحابي عبادة بن الصّامت ، وكان آنذاك في الشام ، فسأل : ما هذه ؟ أزيت ؟ قيل : لا بل خمر تُباع لِفُلان ـ معاوية ـ . فأخذَ شفرة من السّوقِ ومزّقَ بها تلك القِرَب . وكان معاوية شديد البغض لعليّ (ع) لأنّه قتل أخاه حنظلة من المشركين يوم بدر ، وخاله الوليد بن عتبة ، ونفراً كثيراً من أقاربه الّذين كانوا في جيوش الكافرين من قريش ، وكان ذلك أحد الدوافع الاساسية وراء عدائهِ للامام عليّ (ع) حتّى أنّه أمر بشتم الإمام مِن على منابر المساجد وفي كلّ خطبة جمعة . لذا فإنّ الإمام عليّاً (ع) لم يكن أمامه طريق وهو حامل راية الاسلام إلاّ تغيير هؤلاء الولاة وأمثالهم، وتعيين المؤمنين الصالحين من صحابة رسول الله (ص) والسابقين إلى الايمان محلّهم ، وقد أثار ذلك هؤلاء القوم المتضرِّرين ، ووجدوا في معاوية ملجأً لهم ، فانضمّوا إلى لوائه وأعلن معاوية تمرّده على قرار الإمام بعزله ، ورفض إطاعة الخليفة الحقّ ، وبدأ يعدّ العدّة للوقوف بوجه إمام زمانه ثمّ أخذ يحشِّد الجنود ليزحف إلى الكوفة ويثب على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب الّذي بايعه من قبلُ أهل بدر والمهاجرون والانصار ، وفي طليعتهم الزُّبير وطلحة !! وكان قد اعتزل الناس نفر قليل من المهاجرين والانصار ، فأرسل إليهم معاوية يَستنصِرُهُم فخذلوه، وردّوا طلبه ردّاً عنيفاً ، فكتب إليه محمّد بن مسلمة الانصاري: « وأمّا أنتَ ، فلعمري ما طلبتَ إلاّ الدُّنيا ، ولا اتّبعتَ إلاّ الهوى ، فإنْ تنصر عثمانَ مَيِّتاً ، فقد خذلته حيّاً » (248). كانَ من أوائل المبايعين لمعاوية بالخلافة عمرو بن العاص الّذي طالما حرّض على قتل عثمان ، وإذا به يقف بين الناس في الشام « يبكي كما تبكي المرأة ، ويقول : وا عثماناه، أنعى الحياءَ والدِّين ، حتّى قدم دمشـق ، وكان قد علم الّذي يكون فعمل عليه»(249)، اتّجه إلى معاوية وقال له صراحة السبب الّذي يدعوه إلى الوقوف بجانبه وترك جانب عليّ بن أبي طالب ، قال له بعد أن ذكّره بسابقة عليّ (ع) في الاسلام ، وفضله وقرابته من رسول الله (ص) : « إنّما أردنا هذه الدُّنيا » (250). وقد أعطاه معاوية دنياه جزاء موقفه معه . وبعد أن تمّ لعليّ (ع) النصر في البصرة عاد بجيشه إلى الكـوفة ، فعزّز الجيش وعزم على التوجُّه إلى الشام لتصفية المعارضة الباغية الّتي يقودها معاوية بن أبي سفيان هناك . سار الإمام عليّ (ع) على رأس جيشه ، غير أن أنباء مسير الإمام (ع) نحو الشام قد بلغت القاسطين هناك ، فقرّروا ملاقاة الزحف الاسلامي؛ فتلاقى الجيشان عند نهر الفرات في صفين . وبدأ الإمام (ع) يبذل مساعيه لاصلاح الموقف بالوسائل السلمية ، فأرسل وفداً ثلاثيّاً إلى معاوية ، يدعوه إلى تقوى الله والحفاظ على وحدة الصف والدخول في إجماع الاُمّة « اذهبوا إلى هذا الرّجل ـ معاوية ـ وادعوه إلى الله تعالى ، وإلى الطاعة والجماعة ، لعلّ الله تعالى أن يهديه ، ويلتئم شمل هذه الاُمّة » (251). والتقى الوفد بقائد البغاة، وأبلغوه بنوايا الإمام (ع) ووضعوه أمام الله تعالى وحذّروه مغبّة ما يقدم عليه، غير أنّ معاوية أبدى إصراراً، وقد ختم ردّه على الوفد: « انصرفوا عنِّي فليس عندي إلاّ السيف » (252). على أنّ الموقف الاموي ذاك لم يصرف الإمام (ع) عن التسلّح بالصّبر والأناة ولم يُثِر فيه روح التعجيل بالمواجهة الصارمة حقناً للدماء وحفاظاً على نفوس الاُمّة . بَيْدَ أنّ الموقف الانساني الّذي التزمه الإمام (ع) لم يزدِ القُوَى الباغية إلاّ إصراراً ، فعملوا من جانبهم على الحيلولة دون حصول جيش الإمام (ع) على الماء ، حيث سبق أن تحرِّك فيلق لهم واتّخذ مواقعه عند ماء الفرات ليمنع جند الإمام من الماء . وبالنظر لأهميّة الماء في الاستراتيجية العسكرية ولعدم توفّر مصدر آخر لجيش الإمام غير الفرات ، فإنّ الإمام (ع) قد التزم الأناة أيضاً في معالجة الموقف . فأرسل رسولاً إلى معاوية ليبلغه : « انّ الّذي جئنا له غير الماء ، ولو سبقناك إليه لم نمنعك عنه » . فردّ عليهم معاوية بقوله : « لا والله ولا قطرة حتّى تموت ظمأ »(253)!! الأمر الّذي اضطرّ الإمام (ع) إلى استعمال العنف في الحصول على الماء لجيشه ، حيث لا بديل للعنف . وهكذا حرّك الإمام (ع) فرقة من جيشه لانهاء الحصار المضروب عليهم ، فانهزم فيلق معاوية شرّ هزيمة . وبعد أن صار الماء في نطاق نفوذ جيش الإمام (ع) أذن للباغين بالتزوّد منه متى شاؤوا ، مجسّداً بذلك بنداً من أخلاق الاسلام العظيمة في هذا المضمار . فأعظِم بعليّ مِن مُحارِب نبيل ، وأكْرِم به من صاحِبِ قلب كبير ، وحيث أنّ همّ الإمام (ع) أن يحقن دماء المسلمين ويصونهم من التمزّق ، ويدرأ التصدّع عن صفهم ، فقد طلب من معاوية أن ينازله إلى ميدان القتال فيتقاتلا دون الناس لكي تكون إمامة الاُمّة لمن يغلب: « يا معاويةُ ! عَلاَمَ يَقْتَتِلُ الناسُ؟ ابرز إليَّ وَدَعِ الناسَ، فيكون الأمر لِمَن غلب » (254). إلاّ أنّ معاوية قد رفض خوفاً مِن بطشِ الإمام (ع) ، وعلى الرغم من أنّ الجيش الاموي قد بدأ القتال من جانبه، فإنّ الإمام (ع) قد التزم بضبط النفس كذلك وحاول أن يحصر القتال في حدود المبارزة المحدودة (255). ولمّا لم تلق محاولات الإمام (ع) لرأب الصّدع ـ الّذي خلفه معاوية في صف الاُمّة ـ استجابة ، تفجّر الموقف بحرب واسعة النطاق استمرّت اسبوعين دون هوادة . وقد لاحت تباشـير النصر لمعسكر الإمام (ع) وأوشكت القوى الباغيـة على الانهزام ، فدبّروا (خدعة المصاحف) فرفعوها على رؤوس الرماح والسيوف ، ممّا نجمَ عن تلك الخطّة الماكرة تغيّر جوهري في الموقف العام . ولقد كان لرفع المصاحف مِن قِبَل معسكر معاوية صدى في معسكر الإمام (ع)؛ إذ سرعان ما سارت كثرة كاثرة من جيشـه مطالبة بإيقاف القتال ، فكثر اللّغط بين الصفوف وآثر الآلاف ترك الحرب . ومع أنّ الإمام (ع) تصدّى لكشف خلفيات رفع المصاحف واستعمل كل وسائله الاقناعية في البرهنة على كونها خدعة يُراد بها عرقلة تحقيق النصر الّذي بات وشيكاً لجيش الإمام (ع) ، إلاّ أنّ المطالبين بإيقاف القتال لم يستجيبوا لنداءاته المتكررة في هذا المضمار، ولعل بعضهم استعمل لغة التهديد للامام (ع) (256). واضطرّوه أن يبعث الأشعث بن قيس إلى معاوية للتعرّف إلى ما يريد من وراء رفعه للمصاحف ، فعاد يحمل رغبة معاوية في التحكيم ، ثمّ تلا ذلك الفصل الثاني من المأساة ، فاختارت الغوغاءُ أبا موسى الأشعري لتمثيل معسكر الإمام (ع) بينما اختار معاويةُ ابنَ العاص ، على أنّ الإمام (ع) قد رفض فكرة تمثيل الاشـعري لمعسكره باعتبار أنّ الاشعري كان معتزلاً للامام (ع) ، ولم يكن يرى في الإمام أهلاً لتولِّي الخلافة بعد عثمان (257) ـ هو وآخرون ممّن اعتزلوا الإمام (ع) ـ وكان يخذِّل الناس عن نصرة الإمام ، ممّا حمل الإمام على عزله من ولاية الكوفة (258). وقد رجّح الإمام (ع) أن يكون الممثِّل لمعسكره في التحكيم عبدالله بن عباس ، غير أنّ الغـوغاء أصرّوا على اختيار أبي موسى الاشـعري على الرغم من تأكيد الإمام على ضعفه ووهن رأيه إضافة إلى مرتكزاته الفكريّة وموقفه من حكومة الإمام (ع) . وها هو الإمام (ع) يخاطب المخدوعين بقوله: «قد عَصَيْتُموني في أوّل الأمر ـ يشير إلى قبول التحكيم وإيقاف القتال ـ فلا تعصوني الآن ، لا أرى أن تولّوا أبا موسى الحكومةَ فإنّه يضعف عن عمرو ومكائده » (259). إلاّ أنّهم أصرّوا على اختيار الاشعري . ومن هنا فإنّ الباحث البصير لا يمكن أن يركن إلى الاعتقاد بأنّ تلك الاُمور قد جرت بشكل عفوي أبداً، فإنّ سير الاحداث لا يدل على ذلك ، إذ أنّ رفع المصاحف كان قد جرى بتوقيت وتنسيق بين معاوية وحركة موالية له في جيش الإمام (ع) لا بدّ أن يكون له اتصال معها . فما أن ارتفعت المصاحف حتّى استجاب اُولئك لايقاف القتال مستفيدين من سأم الناس من القـتال ، فوسّعوا قاعدتهم في صفوف معسـكر الإمام (ع) وفرضوا عليه التحكيم ، ثمّ فرضوا ممثِّل معسكره في التحكيم فيما بعد . وهكذا فلا نعتقد بحال أن لا تكون حركة التمرّد في جيش الإمام (ع) بذلك الشكل الّذي ذكره المؤرِّخون لا تعتمد على تخطيط أموي مُسبق أبداً . وقد جاءت نتائج التحكيم ـ كما توقع الإمام (ع) ـ لصالح البغاة في الشام؛ حيث بدأ الأمر يستتب لمعاوية شيئاً فشيئاً .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|