اسم الكتاب: الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
معركة النهروان
بعد واقعة التحكيم عاد الإمام (ع) بجيشه إلى الكوفة ، ففوجئ بخروج طائفة من جيشه يبلغ أربعة آلاف، معلنة تمرّدها على الإمام (ع) فلم تدخل معه الكوفة، وإنّما سلكت سبيلها إلى حروراء ، فاتخذت مواقعها هناك . والجدير ذكره أنّ الفئة الّتي خرجت على الإمام (ع) كان قوامها من الفئات الّتي أرغمته على التحكيم في حرب صفين (263). فعند تمرّد تلك الفئة وخروجها من جيش الإمام (ع) أعلنت مبرّرات خروجها تحت شعار : « لا حُكْمَ إلاّ لله ، لا نرضى بأن تحكم الرِّجال في دين الله ، قد أمضى الله حكمه في معاوية وأصحابه أن يقتلوا أو يدخلوا معنا في حكمنا عليهم ، وقد كانت منّا خطيئة وزلّة حين رضينا بالحكمين ، وقد تُبْنا إلى ربِّنا ، ورجعنا عن ذلك ، فارجع ـ يقصدون الإمام (ع) ـ كما رجعنا ، وإلاّ فنحن منك براء » (264). بَيْدَ أنّ الإمام (ع) أوضح لهم حينئذ أنّ الخُلق الاسلامي يقتضي الوفاء بالعهـد ـ الهدنة لمدّة عام ـ الّذي اُبرم بين المعسكرين قائلاً : « وَيْحَكُم ، بعد الرضى والعهد والميثاق أرجع ؟ » . أوَلَيْسَ الله يقول : (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إذا عاهَدْتُمْ ولاَ تَنقُضُوا الاَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عليكُم كفيلاً إنّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُون ) »(265). إلاّ أنّ المعارضة المارقة لم تصغ إلى توجيهات الإمام (ع) واستمرّوا في غيِّهم ، وتعاظم خطرهم بعد انضمام أعداد جديدة لمعسكرهم ، وراحوا يعلنون القول بشرك المنتمين إلى معسكر الإمام (ع) ـ بالاضافة للامام ـ ورأوا استباحة دمائهم . ولقد كان الإمام (ع) عازماً على عدم التعرّض لهم ابتداءً ليمنحهم فرصة التفكير جدِّيّاً بما أقدمـوا عليه ، عسى أن يعـودوا إلى الرأي السـديد ، ولكي يتفـرّغ كلِّيّاً لاستئناف القتال مع البغاة في الشام ، بعد فشل التحكيم بعد اللقاء الثاني بين الحكمين ، حيث تمّت خديعة عمرو بن العاص لابي موسى الاشعري الّتي أدّت إلى عدم تحقيق التحكيم . غير أنّهم بدأوا يشكّلون خطراً حقيقياً على دولة الإمام (ع) من الداخل ، وبدأ خطرهم يتعاظم فقتـلوا بعض الأبرياء ، وهدّدوا الآمنين ، فقتلوا الصحابي الجليل عبدالله بن خبّاب وبقروا بطن زوجه وهي حاملٌ مُقْرِبٌ دون مبرِّر ، وقتلوا نسوة من طي . فلمّا بلغ أمرهم أمير المؤمنين (ع) أرسل إليهم الحارث بن مرّة العبديّ ، ليتعرّف إلى حقيقة الموقف ، غير أنّهم قتلوه كذلك (266). فلمّا علم الإمام (ع) بالأمر كرَّ راجعاً من الانبار ـ حيث كان قد اتّخذها مركزاً لتجميع قوّاته المتجهة نحو الشام ـ وعندما اقتربت قوّاته من المارقين بذل مساعيه من أجل اصلاح الموقف دون إراقة للدماء ، فبعث إليهم أن يرسلوا إليه قَتَلَةَ المؤمنين: عبدالله ابن خباب والحارث العبدي وغيرهما وهو يكفّ عنهم ، ولكنّهم أجابوه : انّهم كلّهم قتلوه . وبعثَ الإمام (ع) إليهم الصحابي الجليل قيس بن سعد فوعظهم ، وحذّرهم مغبّة موقفـهم الاحمق ، وأهاب بهم للرجوع عمّا يرون من جـواز سـفك دماء المسلمين وتكفيرهم دون وجه حق (267). وتابع الإمام (ع) موقفه الانساني الرشـيد ، فأرسل إليهم أبا أيّوب الانصاري (رض) وبعد أن وعظهم ، رفعَ رايةً ونادى : مَنْ جاء هذه الراية ـ ممّن لم يقتل ـ فهو آمن ، ومن انصرف إلى الكوفة أو المدائن فهو آمن لا حاجة لنا به بعد أن نصيب قَتَلَةَ إخواننا (268). وقد نجحت المحاولة إلى حد كبير حيث تفرّقوا شيئاً بعد شيء حتّى انخفض عددهم إلى أربعة آلاف، إذ كان آخر عدد لهم اثني عشر ألفاً . وقد بدأ الباقون منهم بالهجوم من جانبهم على جيش الإمام (ع) فأمر أصحابه بالكفِّ عنهم حتّى يبدأوا بالقتال . فلمّا بدأ الخوارجُ القتالَ ، طوّقتهم قوّات الإمام (ع) وتحقِّق الظفر لراية الحقّ . وهكذا قضى الإمام (ع) في حرب النهروان على حركة الّذين سبق لرسول الله (ص) أن سماهم بالمارقين حين أشار إليهم في حديث رواه أبو سعيد الخدري قال : « سمعتُ رسول الله (ص) يقول: إنّ قوماً يَخرجونَ ، يَمرقونَ مِنَ الدِّين مُروقَ السّهمِ مِنَ الرّمية » (269).
|
|