قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
غارات معاوية على المسلمين
إختار معاوية لتنفيذ سياسة الارهاب مجموعة من القادة ممّن لا سابقة لهم في الاسلام ، وممّن يحملون البغض للاسلام وهم : 1 ـ بُسْرُ بنُ أبي أرطاة العامريّ : أرسلهُ معاوية عام (40 هـ ) على رأس جيش من ثلاثة آلاف مقاتل وأوصاهُ بوصيّة كشفت عن جوهر معاوية الحقيقي : حيث « وجّهه إلى اليمن ، وأمره أن يأخذ طريق الحجاز والمدينة ومكّة حتّى ينتهي إلى اليمن ، وقال له : لا تنزل على بلد أهله على طاعة عليّ إلاّ بسطتَ عليهم لسانك (270)، حتّى يروا أنّه لا نجاة لهم منك وانّك محيط بهم ، ثمّ اكفف عنهم وادعهم إلى البيعة لي ، فمن أبى فاقتله ، واقتل شيعة عليّ حيث كانوا » (271). وقد نفّذ بسر أوامر سـيِّده معاوية بحذافيرها وزاد عليها فظائع وجرائم لينال الحظوة لديه ، فـ « أقبلَ يتتبّعُ كلّ مَنْ كان له بلاء مع عليّ أو كان من أصحابه ، وكلّ مَن أبطأ عن البيعة ] بيعة معاوية [ فأقبل يحرق دورهم ويخربها وينهب أموالهم» . وكان الّذي قَتَلَ بسر في وجهه ذاهباً وراجعاً ثلاثين ألفاً ، وحرّق قوماً بالنار ، وقال الشاعر وهو يزيد بن مفرغ : إلى حيث سار المرء بسر بجيشه *** فقتّل بسر ما استطاع وحرّقا (272) وعندما توجّه إلى حضرموت قال : « أريد أن أقتل ربع حضرموت » (273). ويظهر أنّ معاوية كان يعلم تماماً نفسية بسر الاجرامية فانتدبه لهذه المهمّة الّتي تُسخِطُ اللهَ ورسولَهُ (ص) . ثمّ سار إلى اليمن وكان عليها عبيدالله بن عباس عاملاً لعلي ، فهرب منه إلى عليّ بالكوفة ، واستخلف عليٌّ على اليمن عبدالله الحارثي ، فأتاه بسر فقتله ، وقتل ابنه ، وأخذ ابنين لعبيدالله بن عباس صغيرين هما : عبدالرّحمن وقثم فقتلهما ، وكانا عند رجل من كنانة بالبادية ، فلمّا أراد قتلهما قال له الكناني : لِمَ تقتل هذين ولا ذنبَ لهما ؟ فإن كنتَ قاتِلَهما فاقتلني معهما ، فقتله وقتلهما بعده . فخرجت نسوة من بني كنانة فقالت امرأة منهنّ : يا هذا ! قتلتَ الرجال فعَلامَ تقتل هذين ؟ والله ما كانوا يُقتلون في الجاهلية والاسلام ، والله يا ابن أبي أرطاة ، ان سلطاناً لا يقوم إلاّ بقتل الصبي الصغير والشيخ الكبير ونزع الرحمة وعقوق الارحام لسلطان سوء . وقتلَ بُسر في مسيره ذلك جماعة من شيعة عليّ باليمن . ثمّ ذهب إلى المدينة هارباً عندما أرسل له الإمام عليّ جيشاً ليقاتله ويمنعه من ذبح المسلمين ، أمّا اُمّ الصَّبِيَّيْنِ اللّذينِ ذبحهما بُسر بن أبي أرطاة فقد رثتهما بشعر قال ابن الاثير عنه انّه مشهور ، حيث هامت على وجهها بعد أن اُصيبت بلوثة في عقلها وظلّت تردِّد هذا الشعر حتّى ماتت : يا مَن أحسّ بابنيّ اللّذين هما *** كالدرّتين تشظّى عنهما الصَدَفُ يا مَن أحسّ بابنيّ اللّذين هما *** مخّ العظام فمخّي اليوم مزدهفٌ يا مَن أحسّ بابنيّ اللّذين هما *** قلبي وسمعي ، فقلبي اليوم مختطفُ مِن ذلّ والهة حيرى مدلَّهة *** على صَبِيَّيْنِ ذلاّ إذ غدا السّلفُ نبِّئتُ بسراً وما صدّقت ما زعموا *** مِن إفكهم ومِنَ القول الّذي اقترفوا أحنى على ودَجَيْ ابنيّ مرهفةً *** مِنَ الشفار ، كذاك الاثم يقترفُ فلمّا سمع أمير المؤمنين (ع) بقتلهما جزع جزعاً شديداً ودعا على (بُسر) فقال : « اللّهمّ اسلبْهُ دينَهُ وعَقْلَهُ ، فأصابهُ ذلك وفقدَ عَقْلَه فكان يهذي بالسيف ويطلبه ، فيؤتى بسيف من خشب ويُجعل بين يديه زِقّ منفوخ فلا يزال يضربه ولم يزل كذلك حتّى مات » (274). 2 ـ سفيان بن عوف الغامديّ : أمره معاوية أن يدخل العراق منحدراً مع نهر الفرات وأوصاه أن يغير وينهب ويحرق ويقتل قائلاً : ومكافأة لهُ على تلك الاعمال عيّنه معاوية والياً على البصرة عام (41 هـ ) ، حيث صعد المنبر وافتتح كلامه بشتم عليّ (ع) ، انظر تاريخ ابن الاثير / ج 3 / ص 414 . « إنّ هذه الغارات يا سفيانُ على أهل العراق ، تُرهب قلوبهم ، وتُجرِّئُ كلّ مَن كانَ له فينا هوىً منهم ويرى فراقهم ، وتدعو إلينا كلّ مَن كان يخاف الدوائر . وخرِّبْ كلّ ما مَررتَ به مِنَ القُـرى ، واقتل كلّ مَن لقيت ممّن ليس هو على رأيك (275)، وأحرب الاموال ، فإنّه شبيه بالقتل ، وهو أوجع للقلوب »(276). ثمّ أمر معاوية الناس بالتوجّه مع سفيان قائلاً انّ الخروج معه « وجه عظيم ، فيه أجر عظيم »(277)، فالتحق به ستّة آلاف مقاتل ، ولِمَ لا ، وهم يعلمون أنّهم مُقبِلونَ على النّهب والسّلب والغارة وانتهاك الأعراض ؟ وعمل سفيان ما أمره به معاوية وأضاف إلى ذلك قتله ونهبه لاناس من أهل الذمّة كانوا هناك ، وقد أجمل الإمام عليّ (ع) وهو حزين القلب لما جرى ، وصف أعمال سفيان الغامدي في خطبة له بالكوفة تقطرُ ألماً : « وقَتَلَ منكم رجالاً صالحين وقد بلغني أنّ الرّجلَ مِن أعدائِكُم كانَ يدخل بيت المرأة المسلمة والمعاهدة ، فينتزع خلخالها من ساقها ورعثها (278) من أذنها فلا تمتنع منه ، ثمّ انصرفوا وافرين لم يُكْلَمْ منهم رجلٌ كلماً (279)، فلو أنّ امرأً مسلماً ماتَ من دون هذا أسفاً ، ما كان عندي ملوماً بل كان عندي به جديراً » (280). 3 ـ الضحّاك بن قيس الفهريّ : أرسله معاوية مع ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف مقاتل ، وأوصاه بما يلي : « سِرْ حتّى تمرّ بناحية الكوفة وترتفع عنها ما استطعت ، فمن وجدته من الاعراب في طاعةِ عليّ، فأغرْ عليه، وإنْ وجدتَ مسلحة أو خيلاً فأغرْ عليهما. فأقبل الضحاك يأخذ الاموال ويقتل من لقي من الاعراب (281)، حتّى مرّ بـ (الثعلبيّة) ـ وهي قرية تقع على الطريق المتّجه إلى مكّة ـ فأغار خيله على الحاجِّ فأخذ أمتعتهم ، ثمّ أقبلَ فلقيَ عمروَ بنَ عميس بن مسعود الذهلي، وهو ابن أخي عبدالله بن مسعود صاحب رسول الله (ص) فقتله في طريق الحاج عند (القطقطانة) وقتل معه ناساً من أصحابه» (282). والغريب أنّ هذا السفّاك كان يتباهى بأعماله تلك الّتي ليس فيها إلاّ سخط الخالق، فقد خطب على منبر الكوفة بعد تلك الوقائع بسنين فقال مفتخراً ومخوِّفاً أهل الكوفة: « أما إنِّي لصاحِبُكُمُ الّذي أغرتُ على بلادكم ، فكنتُ أوّل من غزاها في الاسلام ، اُعاقبُ مَنْ شئتُ وأعفو عمّن شئتُ ، لقد ذعَرتُ المخدّرات في خدورهنّ (283)، وإنْ كانت المرأة ليبكي ابنها فلا تُرهِبه ولا تُسكته إلاّ بذكر اسمي (284)، أنا الضحاك بن قيس ، أنا أبو أنيس ، أنا قاتل عمرو بن عميس » (285). 4 ـ عبدُالله بنُ مَسْعَدَةَ الفزاريّ : بعثَ به مع ألف وسبعمائة رجل إلى « (تيماء) وأمره ان يُصدّقَ مَنْ مَرَّ به من أهل البوادي ويقتل من امتنع ، ففعل ذلك ، وبلغ مكّة والمدينة وفعل ذلك ، واجتمع إليه بشر كثير من قومه»(286). كما أرسلَ معـاوية غارات اُخرى على كلّ المناطق الّتي كان يشكّ بوجود ولاء فيها لعليّ بن أبي طالب خليفة المسلمين ، وقتل بسبب ذلك الآلاف من المسلمين من رجال وأطفال ونساء ، بل وقتل الكثير حتّى من أهل الذمّة «المعاهدين» ، وهم الّذين أوصى النبيّ (ص) بهم وقال إنّه سيكون خصماً لكلِّ مَن آذاهم . أمّا الإمام عليّ (ع) فقد كان موقفـه صريحاً واضحاً ، وهو الوقوف بوجه تلك الهجمات غير الانسانية الّتي كان هدف معاوية منها إرهاب المسلمين وإدخالهم في طاعته ونهب ممتلكاتهم لتمويل الجيـوش الّتي كان يبعث بها لقتل اُولئك الابرياء ، قال في إحدى رسائله جواباً على رسالة من معاوية : « إنّ رأيي جهاد المحلِّين حتّى ألقى الله، لا يَزيدُني كثرةُ الناس معي عزّةً ، ولا تفرّقهم عنِّي وحشةً ، لانِّي مُحِقٌّ ، واللهُ مَعَ الحقِّ ، وواللهِ ما أكرهُ الموتَ على الحقِّ ، وما الخيرُ كلُّهُ بعدَ الموتِ إلاّ لِمَن كانَ مُحِقّاً » (287). وقال في وصيّته (ع) إلى أحد قادته العسكريين الّذين بعث بهم للتصدي لهجمات معاوية وغاراته على المسلمين : « إتّقِ الله الّذي إليه تصيرُ، ولا تحتقِرْ مُسلماً ولا مُعاهداً ، ولا تغصبنّ مالاً ولا ولداً ولا ذريّة ، وإنْ حفيتَ وترجّلتَ ، وصلِّ الصّلاة لوقتها » . أيّة وصيّة مباركة ؟ أن لا يحتقرَ الناس من مسلمين وغير مسلمين ، وأن لا يَغصِبَ الأمـوالَ والذريّة ، حتّى لو بلغ به الأمر أنْ يمشي حافياً بلا نعـلين ، وأنْ يكون بلا حصان يقاتِل عليه ، وأخيراً أمرهُ بالصّلاة لوقتها . قارنوا هذا مع أوامر معاوية لقادة جيشه الّذين بعث بهم وصنعوا ما قرأناه آنفاً، لكي تدركوا سرّ الخلاف بين عليّ ومعاوية ، بين مبدئية عليّ (ع) الالهيّة الّتي جعلت كلّ حركة من حركاته أو سَكَنَة مِنْ سَكَناتِهِ في طلبِ رضا الله تعالى ، وبين ما قامَ بهِ أعداؤه مِن أعمال كانت في فظاعتها أبشعَ حتّى ممّا كانَ يقع في الجاهلية الاُولى .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|