سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)


صلاة وضراعة

فلكثرة تعاهده لأمر الصّلاة والتضرّع إلى الله تعالى ، يشير عروة بن الزُّبير في حديث له عن أبي الدرداء :
قال : «شَهِدتُ عليّ بن أبي طالب بشويحطات النجار (291) ، وقد اعتزل عن مواليه ، واختفى ممّن يليه ، واسْتَتَرَ بمغيلات (292) النخل ، فافتقدته ، وبَعُدَ عليَّ مكانُهُ ، فقلت : لحق بمـنزله ، فإذا أنا بصوت حزين ونغم شجيّ ، وهو يقول : (إلهي كَمْ مِنْ مَوْبقة حَلُمْتَ عن مُقابَلَتِها بِنقمَتِكَ ، وكَمْ مِنْ جَريرة تَكَرّمْتَ عَن كَشْفِها بِكَرَمِك .
إلهي ! إنْ طالَ في عصيانِكَ عُمُري ، وعَظُمَ في الصُّحُفِ ذَنْبي ، فما أنا مُؤَمِّلٌ غيرَ غُفرانك ، ولا أنا براج غيرَ رِضوانك) .
فشغلني الصّوت ، واقتفيت الأثر، فإذا هو عليّ بن أبي طالب (ع) بعينه ، فاسْتَتَرْتُ لهُ وأخمَلْتُ الحركةَ ، فركعَ ركعات في جوف اللّيل الغابر ، ثمّ فرغ إلى الدُّعاء والبكاء والبثِّ والشّكوى ، فكان ممّا ناجى به الله تعالى أن قال :
(إلهي ! اُفَكِّرُ في عَفْوِكَ ، فتهونُ عَلَيَّ خَطيئتي ، ثمّ أذكرُ العظيمَ مِنْ أخْذِكَ ، فتعظُمُ عَلَيَّ بَليّتي) .
ثمّ قال : (آه إنْ أنا قرأتُ في الصّحفِ سَيِّئةً أنا ناسيها ، وأنتَ مُحصيها ، فتقولُ : خُذوهُ ، فيا لهُ مِنْ مأخوذ لا تُنجيهِ عشيرتُهُ ، ولا تنفعُهُ قَبيلتُهُ ولا يرحمُهُ الملأ إذا اُذِنَ فيهِ بالنِّداء) .
ثمّ قال : (آه مِنْ نار تُنْضِجُ الاكبادَ والكُلى ، آه مِنْ نار نزّاعة للشّوى ، آه مِنْ لَهباتِ لَظى) .
قال أبو الدرداء ، ثمّ أمعن في البكاء ، فلم أسمع له حساً ، ولا حركة .
فقلتُ غَلَبَ عليهِ النّومُ لطولِ السّهر، أوقظُهُ لصلاةِ الفجرِ، فأتيتُهُ، فإذا هو كالخشبةِ المُلْقاةِ ، فحرّكتُهُ ، فَلَم يتحرَّكْ ، وزويتُهُ فَلَم يَنزَو .
فقلتُ : إنّا لله وإنّا إليه راجعـون ، ماتَ والله عليّ بن أبي طالب ، فأتيتُ منزله مبادراً أنعاهُ إليهم .
فقالت فاطمة (ع) : (يا أبا الدرداء ما كانَ مِنْ شأنِهِ وما قصّتُهُ ؟ ) .
فأخبرتها الخبر .
فقالت : (هيَ واللهِ ـ يا أبا الدرداء ـ الغشيةُ الّتي تأخذُهُ مِنْ خشيةِ الله) .
ثمّ أتوهُ بماء فنضحوهُ على وجهِهِ ، فأفاقَ ، ونظرَ إليَّ وأنا أبكي فقال : (ممّا بكاؤك يا أبا الدرداء ؟ ) .
فقلتُ ممّا أراهُ تنزلُهُ بنفسِك .
فقال : (يا أبا الدرداء ! فكيفَ لو رأيتَني ، ودُعِيَ بي إلى الحسابِ ، وأيقَنَ أهلُ الجرائمِ بالعذابِ ، واحْتَوَشَتْني ملائكةٌ غِلاظٌ وزبانيةٌ فِظاظٌ ، فوقفتُ بينَ يدي الملكِ الجبّارِ ، قد أسْلَمَني الاحبّاءُ ورفضني أهلُ الدُّنيا ، لكُنتَ أشدَّ رحمة لي بين يدي مَنْ لا تَخفى عليه خافية) .
فقال أبو الدرداء : فوَالله ما رأيتُ ذلك لاحد مِنْ أصحابِ رسول الله (ص) » (293) .
هذا شاهد من شواهد تعلّق الامام (ع) بالله تعالى وشدّة انشداده إليه ورهبته منه .
ويبدو أن هذا ديدن عليّ (ع) كما يتجلّى مِنْ قول الزّهراء (ع) لأبي الدرداء : (هي والله الغشية الّتي تأخذه من خشية الله) .
وهذه مزيته عند التوجّه إلى الله تعالى في صلاته وضراعته ، الأمر الّذي ألفه أهل البيت في عليّ (ع) .
ومن أجل ذلك لم يفزعوا حين أنبـأهم أبو الدرداء بموته ـ كما ظنّ هو ـ بل استفسروا عمّا رأى ، فأعلمته الصِّدِّيقة (ع) أنّ ما رآه هو المألوف من عليّ (ع) كلّ آن حين تأخذه الغشية لله تبارك وتعالى أثناء قيام اللّيل .
ولكثرة قيامه للعبادة ليلاً يحدِّثنا عبدالأعلى عن نوف البكالي قال : « بتّ ليلة عند أمير المؤمنين (ع) فكان يصلِّي اللّيل كلّه ، ويخرج ساعة بعد ساعة ، فينظر إلى السماء، ويتلو القرآن، فمرّ بي بعد هدوء من اللّيل فقال: (يا نوفُ أراقدٌ أنتَ أم رامق؟).
قلت : بل رامقٌ أرمقُكَ بِبَصري يا أمير المؤمنين .
قال: ( يا نوفُ ! طوبى للزّاهدين في الدُّنيا ، الرّاغبين في الآخرة ، اُولئك قوم اتّخذوا الارضَ بِساطاً ، وترابَها فراشاً ، وماءها طيباً ، والقرآنَ شِعاراً ، والدُّعاءَ دِثاراً ، ثمّ قرضوا الدُّنيا قرضاً على منهاج المسيح) » (294) .
وهكذا كان عليّ (ع) في شدّة تعلّقه بالله ، وعظيم تمسّكه بمنهج الانبياء (ع) ، إنّه ترجمة صادقة لعبادة محمّد رسول الله (ص) وزهد المسيح (ع) .
أرأيتَ كيفَ يندكُّ وجودُهُ على عتبةِ الخضوعِ للهِِ والاستكانةِ له وطلبِ رضوانه ؟
وحول التزامه بقيام صلاة اللّيل طول عمره الشريف ، يروي لنا أبو يعلى ـ في المسند ـ عنه (ع) قال : « (ما تركتُ صلاةَ اللّيلِ منذ سمعتُ قول النبيّ (ص) : صلاةُ اللّيلِ نور ) .
فقال ابن الكواء : ولا ليلة الهرير (295) ! ؟ قال (ع) : (ولا ليلة الهرير) » (296) .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com