قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
مصاديق من زهد الامام (عليه السلام)
ولقد كان الزُّهد مَعْلَماً بارزاً من معالم شخصية الامام عليّ (ع) ، وسمة مميزة زيَّنه الله تعالى به ، فعن عمار بن ياسر (رض) قال : قال رسول الله (ص) لعلي : « إنّ الله قد زيَّنك بزينة لم يُزيِّنِ العـبادَ بزينة أحبَّ منها ، هي زينة الأبرار عند الله : الزُّهد في الدُّنيا ، فجعلك لا ترزأ ـ تعيب ـ من الدُّنيا ولا ترزأ الدُّنيا منك شيئاً ، وَوَهَبَكَ حُبَّ المساكين ، فَجعلكَ ترضى بهم أتباعاً ، ويَرْضَوْنَ بِكَ إماماً » (308) . وقد كان من شواهد تلك الصفة الّتي حباه الله تعالى بها : أنْ زَهِدَ الامامُ (ع) عن كلِّ لذاذات الحياة وزينتها وتوجّهَ بكلِّ وجوده نحو الآخرة ، وعاش عيشة المساكين وأهل المتربة من رعيّته . لقد زهد الامام (ع) بالدّنيا وزخرفها زهداً تامّاً وصادقاً : زهد في المال والسّلطان ، وكلّ ما يطمع به الطامعون . عاش في بيت متواضع لا يختلف عمّا يسكنه الفقراء من الاُمّة ، وكان يأكل خبز الشعير ، تطحنه امرأته أو يطحنه بنفسـه ، قبل خلافته وبعـدها ، حيث كانت تُجبى الأموال إلى خزانة الدولة الّتي يضطلّع بقيادتها من شرق الأرض وغربها . وكان يلبس أبسط أنواع الثياب ، وثمن قميصه ثلاثة دراهم . وبقي ملتزماً بخطه في الزُّهد طوال حياته ، فقد رفض أن يسكن القصر الّذي كان مُعدّاً له في الكوفة ، حِرْصاً منهُ على التأسِّي بالمساكين (309) . وهذه بعض المصاديق كما ترويها سيرته العطرة : فعن الامام الصّادق (ع) يقول : (« كان أمير المؤمنين أشبهَ الناس طُعمةً برسول الله (ص) ، يأكل الخبز والخلّ والزيت ، ويُطعِم الناس الخبز واللّحم ») (310) . وعن الباقر (ع) قال : (« ولقد ولي خمس سنين وما وضع آجرة على آجرة ولا لبنة على لبنة ، ولا أقطع قطيعاً ولا أورث بيضاً ولا حُمراً ») (311) . وعن عمر بن عبدالعزيز قال : « ما علمنا أنّ أحداً كان في هذه الاُمّة بعد رسول الله (ص) أزهَد مِن عليّ بن أبي طالب، ما وضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة»(312) . وعن الأحنف بن قيس قال: « دخلتُ على معاوية، فقدَّم إليَّ من الحلو والحامض، ما كَثُرَ تعجُّبي منه ، ثمّ قال : قدِّموا ذاك اللّون ، فقدَّموا لوناً ما أدري ما هو ! فقلتُ ما هذا ؟ فقال : مصارينُ البَطِّ محشوةٌ بالمُخِّ ودهنِ الفُستقِ قد ذُرَّ عليه السكّر !! . قال الاحنف : فبكيتُ . فقال معاوية : ما يُبكيك ؟ فقلتُ : لله دَرُّ ابن أبي طالب ، لقد جادَ مِنْ نفسِهِ بما لَمْ تَسمح به أنتَ ولا غيرُك ! قال معاوية : وكيف ؟ قلتُ : دخلتُ عليهِ ليلة عند إفطاره ، فقال لي: (قُمْ فَتَعَشَّ معَ الحسن والحسين) ، ثمّ قام إلى الصّلاة ، فلمّا فرغ دعا بجراب مختوم بخاتمه ، فأخرج منه شعيراً مطحوناً ثمّ خَتَمَه . فقلت : يا أمير المؤمنين ! لم أعهدك بخيلاً ، فكيفَ خَتَمْتَ على هذا الشعير . فقال: (لم أختمْهُ بُخْلاً ، ولكن خِفْتُ أنْ يبسَّهُ الحسنُ والحسينُ بِسَمن أو إهالة) ! فقلتُ أحرام هو ؟ قال : (لا ، ولكن على أئمّة الحقِّ أن يتأسّوا بأضعف رعيّتهم حالاً في الأكل واللِّباس ، ولا يتميّزوا عليهم بشيء لا يقدرون عليه ، ليراهم الفقير ، فيرضى عن الله تعالى بما هو فيه ، ويراهم الغنيّ فيزداد شكراً وتواضعاً ) » (313) . وعن سويد بن غفلة قال : « دخلتُ على عليّ (ع) بالكوفة ، وبين يديه رغيف من شعير ، وقدح من لبن ، والرغيف يابس ، فشقَّ عَلَيَّ ذلك ، فقلتُ لجـارية له يُقال لها فضّة : ألا ترحمينَ هذا الشيخ ، وتنخلينَ لهُ هذا الشعير . فقالت إنّه عهد إلينا ألاّ ننخلَ لهُ طعاماً قطّ . فالتفتَ الامام إليّ وقال : (ما تقول لها يا ابن غفلة ؟ ) ، فأخْبَرْتهُ وقلت : يا أمير المؤمنين ! إرفقْ بنفسِك . فقال لي : (وَيْحَكَ يا سويدُ ؟ ما شَبِعَ رسولُ الله (ص) وأهلُهُ مِن خبز بُرٍّ ثلاثاً حتّى لقي الله ، ولا نُخِلَ لهُ طعام قطّ) » (314) . وعن سفيان الثوري عن عمرو بن قيس قال : « رُئِيَ على عليّ (ع) إزارٌ مرقوع ، فعوتِبَ في ذلك ، فقال : (يخشع له القلب ، ويقتدي به المؤمن) » (315) . وعن الغزالي يقول : « كان عليّ بن أبي طالب يمتنع من بيتِ المالِ حتّى يبيعَ سَيفَهُ ، ولا يكون له إلاّ قميص واحد في وقت الغسل ولا يجد غيره » (316) . هذا هو عليّ في شدّة زهده ورغبته عن الدنيا وزخارفها ، وفي عظيم اقتدائه برسول الله (ص) وفي مواساته لاهل المتربة من اُمّته (ص) ، فهل حدّثك التأريخ عن زعيم كعليّ (ع) ؟ تُجبى إليه الأموال من الشرق والغرب ، وعاصمته الكوفة تقع في أخصب أرض الله وأكثرها غِنىً يومذاك ، بيدَ أنّه يعيش مواسِياً لأقلّ الناس حظّاً في العيش في هذه الحياة ، يأكل خبز الشعير دون أن يُخرِجَ نخالته ، ويكتفي بقميص واحد لا يجد غيره عند الغسل، ويُحرِّم على نفسه الأكل من بيت المال، ويرقع مِدْرَعَتَهُ حتّى يستحي من راقعها (317) مجسداً بذلك أرفع شعار للزاهدين : [« فوَالله ما كنزتُ من دنياكم تِبْراً، ولا ادّخَرتُ مِنْ غنائمِها وفراً، ولا أعْدَدْتُ لبالي ثَوبي طمْراً ، ولا حُزْتُ مِن أرضِها شِبْراً ، ولا أخذتُ منه إلاّ كقوتِ أتان دَبِرَة ، ولهي في عيني أوهى وأوهنُ مِن عفصة مَقِرَة »] (318) .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|