قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
صَدَقَة الامام (عليه السلام)
ولا نريد أن نذهب بعيداً في ذكر الشواهد على تعـاهد الامام عليّ (ع) لأمر الصّدقة ، قبل أن نستقي من القرآن الكريم نماذج من صدقة الامام (ع) عطّرتها آيات الله تعالى بالثناء الجميل ، ورسمت أبعاد الثواب الالهي العظيم ، الّذي لا يعلم مداه غير الله الّذي أعدّه تبارك وتعالى لامير المؤمنين (ع) : ففي حادثة إطعام عليّ (ع) وأهل بيته (ع) للمسكين واليتيم والأسير على مدى ثلاثة أيّام ، وإيثارهم لهم على أنفسهم ، واكتفائهم بالماء وهم في أيّام صوم متتالية ، تنزلت آيات الله تعالى مُسجِّلةً أعظمَ مآثر عليّ (ع) في ضمير الوجود ، حيث سَتَبقى تردِّدُها الآفاقُ والألسنةُ وصفحاتُ المجدِ ما شاء الله تعالى : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِن رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقَاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ) . (الانسان/8ـ12) وليس المهم في الأمر حجم ما قدّمه الامام (ع) لاُولئك المحتاجين ، فإنّ الكثير من الناس يبذلون أضعاف ذلك . ولكن شتّان بين مَنْ يُنْفِقُ لوجه الله خالصاً دون شائبة ، وبين مَنْ يُنْفِقُ مِنْ أجل غرض دنيوي أو جاه أو ذكر يشاع بين الناس . كما أنّه شتّان بين مَنْ ينفق كلّ ما لديه وهو أحوج ما يكون إليه ، وبين مَنْ ينفق بعض ما لديه . وهكذا يختلف التقويم عند الله تعالى بين ذا وذاك ! وفي حادثة تصدّق عليّ (ع) بخاتمه على مسكين استبدّت به الحاجة ، فطافَ على الناس فلم يجد مَنْ يسدُّ خلّتَهُ ، فأشار إليه عليّ (ع) وهو يصلِّي في مسجد رسول الله (ص) ووهبَهُ خاتماً في يده . فنزلَ القرآن الكريم على رسول الله (ص) مبيِّناً فضل ما أقدم عليه الامام (ع) ، واستعملَ القرآن المناسـبة لارشاد الاُمّة إلى أنّ عليّاً (ع) مَرجِعُها الفكري والعملي بعد رسول الله (ص) : (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَا لَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ* وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ). (المائدة / 55 ، 56) وهذه الآية الكريمة من أكثر النصوص دلالة على أنّ العمل الصالح في منظور الله تبارك وتعالى إنّما هو بدوافعه لا بحجم منافعه . فليسَ المهمّ أن تُعطيَ كثيراً ، ولكن الأساس في الأمر نيّةُ العَطاء، فالتقييم الربّاني إنّما يدور مدار النيّة حيث تدور ، فكلّما اقتربتَ مِنَ الله تعالى وابتغيتَ رضوانه كان ثوابُكَ أعظَم وأجَلّ . ومِنَ المناسب أن نطرحَ إضافةً إلى ذلك ، مصاديق من سيرة الامام (ع) في هذا المضمار ، ممّا روته كتب التاريخ : فعن أبي عبدالله الصّادق (ع) قال : « كان أمير المؤمنين يضرب بالمَرِّ ـ المسحاة ـ ويستخرج الارضين، وأنّه أعتق ألف مملوك من كدِّ يده » (319) . وعن أيّوب بن عطية الحـذاء قال : سمعت أبا عبدالله (ع) يقول : « قَسَّمَ نبيُّ الله الفيء ، فأصاب عليّاً أرضاً فاحتفر فيها عيناً ، فخرجَ ماء ينبع كهيئة عنق البعير ، فسمّـاها ينبع ، فجاء البشير يبشِّر . فقال (ع) : (بُشِّرَ الوارثُ هِيَ صَدَقةٌ بَتَّةٌ بَتْلاءُ في حَجيجِ بيتِ الله وعابري سبيلِ الله ، لا تُباعُ ، ولا تُوهَبُ ، ولا تورثُ ، فمَنْ باعَها أو وَهَبَها فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يَقبل الله منهُ صَرْفاً ولا عدلاً) »(320). وعن أحمد بن حنبل في الفضائل ، أنّه : « كانت غلة عليّ أربعين ألف دينار فجعلها صدقة » (321) . والحديث عن حرص الامام (ع) على تعاهد أمر الصدقة في سبيل الله تعالى يذكِّرنا بالنفس السخيّة الّتي يمتاز بها أمير المؤمنين (ع) . فكثرة أدائه للصّدقة وشدّة بذله لها، وإن كان يعكس صورة صادقة عن جود الامام (ع) وسخائه ، إلاّ أنّ سيرته العطرة تكشف إلى جانب ذلك وجهاً آخر من شخصيّة الامام العظيم . فقد كان (ع) أسخى مِنَ الغيث على الاُمّة الّتي عايشها ، لا نقصد بهذا جودَهُ بنفسه من أجل حفظ الرسالة ومسيرة الاسلام التاريخية ، ذاك الّذي يتجلّى عبرَ البطولات الّتي أبداها (ع) في حروب الاسلام كلّها ، فحديث كهذا يتطلّب بمفرده سِفْراً كاملاً ، وإنّما نقصد ما يتعلّق بالسّخاء بالمال . وقد اعترف بجود الامام (ع) وسخائه أشدّ الناس عداوة له : معاوية بن أبي سفيان ، الّذي ما برح ينسجُ الاكاذيب والافتراءات لتشويه سمعة الامام (ع) ، غير أنّه لم يستطع أن ينكر فضيلة الجود عند عليّ (ع) ، فقد قال له يوماً مِحْفَنُ ابن أبي مِحْفَن الضبي : « جئتكَ مِن عندِ أبخل الناس ، فقال ابن أبي سفيان : ويحك كيف تقول إنّه أبخل الناس ، لو ملك بيتاً مِن تِبْر ـ ذهب ـ وبيتاً مِن تِبْن ، لأنفدَ تِبْرَهُ قبلَ تِبْنه » (322) . ويقول الشعبي يصف الامام (ع) : « كان أسخى الناس ، كان على الخُلُقِ الّذي يُحِبُّهُ اللهُ : السّخاء والجود ، ما قالَ «لا» لسائل قَطّ » (323) . الجهاد في سبيل الله وحياة عليّ أمير المؤمنين (ع) كلّها جهاد في سبيل الله تعالى في مرحلة الدعوة ، وبعد قيام الدولة الاسلامية ، وإذا كان قد وقى الرسول (ص) بنفسه وفداه بوجوده وتعرّض لأخطر تآمر جاهلي على حياة رسول الله (ص) عند مبيته على فراشه في ليلة الهجرة المباركة ، من أجل أن يَصْرِفَ عنه شَرَّ عُتاةِ الجاهلية ؛ فإنّ عليّاً قد تحوّلت حياته بعد الهجرة إلى المدينة المنوّرة إلى حلقات متسلسلة مِن ذلك النوع الجهادي العظيم ، فقد كان حاملَ لواء الزّحف الاسلامي في كلِّ غزوات أخيه رسول الله (ص) ، وطليعة المجاهدين في ساحات الجهاد، وكلّما حزبت الاُمور وحمي الوطيس انتدبه رسول الله (ص) لكشف زحف العدو عن حياض المسلمين . وكانت كلُّ مواقفه الجهـادية من النوع المصيري الّذي يحمي الرِّسالة ويكشفُ عنها خطرَ التصفية المحقّق والاجهاز الخطير على وجودها ، تجلّى ذلك في بدر الكبرى حين صفّى الكثير من رؤوس الوثنيين وملأ بهم ساحة المعركة . وفي «اُحُد» حين أطبق جيش الضلال على معسكر الايمان وكانت الغلبة للعدوّ ، نهضَ الامام (ع) بدور عَرْقَلَةِ تَقدُّمِهِم عندما بادرَ إلى تصفيةِ حملةِ الالْوِيَة من بني عبدالدّار واحداً تلوَ الآخر . وفي غزوة الأحزاب حين بلغت القلوبُ الحناجِرَ وبلغَ الضِّيقُ والهلعُ بالمسـلمين كلّ مبلغ ، نهضَ الامام (ع) بالأمر وأرهب العدوّ وأعاد للمسلمين الثِّقة بالنفس حين قتل أبرز قوّادهم عمرَو بنَ عبدِ وَدٍّ العـامري ، الّذي كان قتـله حدّاً فاصلاً بين المعسكرين ، إذ تلاه انهزام جيش الاحزاب مع ما امتاز به من ضخامة في العدد والعدّة . وعليّ (ع) هو الّذي اقتحمَ حُصونَ خيبر ودخلَ عليهم عُنوةً ، ففتحَ الله على يديه حصون اليهود الرّهيبة . ودونك تأريخ الاسلام في عصره الاوّل : في عهد رسول الله (ص) ، فأمعن النظر في صفحاته ، كي تحدِّثك بدور عليّ (ع) في خدمة هذه الرسالة ، وفضله على الاُمّة وتأريخها . ولم يكنِ الجانبُ المعنوي في جهادِ عليّ (ع) مُجَسَّـداً في حَجمِ البطولاتِ وعددِ المعـارِكِ الّتي خاضَ غِمارَها فحسب ، وإنّما في صِدْقِ النِّيَّةِ وحَجْمِ الاخلاص الّذي امتلأ به قلب عليّ (ع) وهو يخوضُ تلكَ الحـروبَ ببسـالة فائقة وشـجاعة نادرة وثبات لا يُرَدّ . ومن أجلِ ذلك كان القرآن الكريم يُثني على تلك الروح الّتي كان يحملها أمير المؤمنين عبر كفاحه من أجل إعلاء كلمة الله في الارض . فها هوَ القرآن الكريم يُثني على عليّ (ع) يوم فدى بنفسه رسول الله (ص) : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي (324) نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ ) . ( البقرة / 207 ) ويكشف بعمق عن صِدْقِ نيّةِ الامام (ع) (325) . وها هوَ كتاب الله العزيز يقطع بأن جهاد عليّ (ع) وبطولاته وتضحياته كانت من أجل الله وإعلاء كلمته في دنيا الناس ، ولا يمكن أنْ تقرن بأي لون من ألوان العمل الآخر ، فبسبب الثمن الباهظ الّذي يتطلّبه الجهاد ، وبسبب الدافع الايماني المخلص الّذي لا تشوبه شائبة ، راحت آياتُ اللهِ تعالى تحدِّد الموقعَ الرّفيعَ الّذي يحتلّهُ عليّ (ع) في دنيا المتقين : (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ ) . ( التّوبة / 19 ) فعلى أثر حوار تفاخري بين طلحة بن شيبة والعباس بن عبدالمطلب قال فيه طلحـة : « أنا أولَى الناسِ بالبيتِ لأنّ المفتـاحَ بِيَدي . فقال العـباس : أنا أولى ، أنا صاحبُ السّقايةِ والقائِمُ عليها ! » . وفيما كانا يتفاخران مرّ الامام (ع) فافتخر عليهما بقوله : « لقد صلّيتُ قبل الناس ، وأنا صاحب الجهاد » ، فنزلَ قول الله تعالى في ذلك كاشفاً عن المسـتوى العظيم الّذي يتبـوّأه عليّ (ع) من ناحيـة عمله الاسلامي : ضخامةً وإخلاصاً (326) ، بُعْداً وجوهراً .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|