سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)


الأخلاق الاجتماعية

بمقدور المتتبِّع أن يتّخذ من وصف ضِرار بن ضمرة لأمير المؤمنين (ع) منطلقاً للدخول في عالمه الرحيب ، حيث إنّ الرجل المذكور كان من أصحاب الامام (ع) والمطلعين على شؤونه .
فقد دخل ضِرارٌ على معاوية ـ أيّام استكان الناس وأسلموا لمعاوية القياد ـ فألحّ على الرّجل أن يصف له عليّاً (ع)، فتردّد ضِرار كثيراً ، فلمّا مضى معاوية في إصراره ، قال ضِرار :
« أمّا إذا لا بُدّ : فكانَ والله بعيدَ المدى ، شديدَ القُوى ، يقولُ فَصْلاً ، ويحكُمُ عَدْلاً ، يتفجّرُ العلمُ مِن جوانبهِ ، وتنطقُ الحِكْمَةُ مِن نواحيهِ ، يستوحِشُ مِنَ الدُّنيا وزَهْرَتِها ، ويستأنِسُ باللّيلِ وَظُلْمَتِهِ . كانَ والله غزيرَ الدّمعةِ ، كثيرَ الفِكْرَةِ ، يُقلِّبُ كفّهُ ويُخاطِبُ نفسَهُ ، يُعجِبُهُ مِنَ اللِّباسِ ما خَشُنَ ، ومِنَ الطّعامِ ما جَشُبَ . كانَ والله كأحدِنا ، يُجيبنا إذا سألناهُ ، ويَبتدِئُنا إذا أتيناهُ ، ويأتينا إذا دَعَوْناه . ونحنُ والله معَ قُربهِ مِنّا ، ودُنوِّهِ إلينا ، لا نُكلِّمُهُ هَيْبَةً لَه ، ولا نَبْتَديهِ لِعَظَمَتِهِ ، فإنْ تَبسَّمَ فَعنْ مِثلِ اللّؤلؤ المنظومِ . يُعظِّمُ أهلَ الدِّين ، ويُحِبُّ المساكينَ ، لا يَطمعُ القويُّ في باطِلِهِ ، ولا يَيْأسُ الضّعيفُ مِن عدلِه . فأشهدُ باللهِ لقد رأيتُهُ في بعضِ مواقفهِ ليلةً ، وقد أرخى اللّيلُ سُدولَهُ ، وغارَت نجومُهُ ، وقد مَثُلَ قائِماً في محرابه ، قابضاً على لحيتهِ ، يتململُ تملمُلَ السَّليم ، ويبكي بُكاءَ الحزين ، وكأنِّي أسمعُهُ وهو يقول : (يا دُنيا ! غُرِّي غيري ، أبيَّ تعرّضتِ ؟ أم إليَّ تشوّقتِ؟ هَيْهات، هَيْهات!! قد أبنتُكِ ثلاثاً، لا رجعةَ لي فيكِ، فَعُمُرُكِ قصيرٌ وعَيشُكِ حَقيرٌ وخَطرُكِ كبير ، آه مِن قِلّةِ الزّادِ ، وبُعْدِ السّفرِ ووحشةِ الطّريق) » (327) .
وهذا الوصف للامام (ع) على وجازته يكشف بعمق عن الاطار العام لشخصية الامام (ع) في شتى ملامحها : في الحقل الروحي والاجتماعي ، في علاقته بربّه ، وعلاقته مع نفسه ، وكيفية تعامله مع الناس من حوله .
وحيث قد عقدنا هذا الفصل للحديث عن الأخلاق الاجتماعية الّتي التزم بها (ع) في حياته العملية ، فإنّ حديث ضِرار يضع في أيدينا رأس الخيط الّذي يوصلنا إلى طبيعة العلاقات الاجتماعية الّتي سلكها أمير المؤمنين في حياته « كانَ والله كأحدنا ، يُجيبنا إذا سألناه ، ويَبتدِئُنا إذا أتيناه ، ويأتينا إذا دَعَوْناه . ونحنُ والله معَ قُربهِ مِنّا ودُنوِّهِ إلينا لا نكلِّمه هَيبةً له ، ولا نَبْتَديهِ لِعَظَمَتِهِ ، يُعظِّم أهلَ الدِّين ، ويُحبُّ المساكين ، لا يَطمعُ القَويُّ في باطلِهِ ، ولا ييأسُ الضّعيفُ مِن عَدْلِه » .
ويبدو أنّ هذا اللّون من علاقة أمير المؤمنين مع قومه إنّما كان في أيّام حكمه،ممّا يطرح بين أيدينا تصوراً ناضجاً عن عظمة أمير المؤمنين(ع)وبلوغه القمة في مدارج الكمال والفضيلة،فمع أنّ الامام(ع)كان يحتل موقع القيادة في دنيا الناس،وبيده أزمّة حياتهم الفكرية والاجتماعية،نراه كواحد من عامّة الناس،وكأنّ موقعه ليس في أعلى مركز قيادي،فهو يُلغي الحواجز والألقاب،ويعامل الاُمّة كما لو كان واحداً من عامّتها،بقلب حان،ونفس مُتواضِعَة، وحُبٍّ صادِق عميق.وهي روح لم يألفها التأريخ الانساني،منذ الآماد الموغلة في القدم حتّى اليوم،في قيادة غير قيادة رسول الله(ص)ووصيّه عليّ(ع).وقد وفّق الامام(ع)توفيقاً عظيماً في قيادة الواعين لأهميّة قيادته في دنيا المسلمين على الأقل.
كانت قيادته مبنية على الحبّ والإجلال معاً ، فبقدر ما كان يبذل من دفء ودّه للاُمّة ، كان أتباعه يمنحونه الكثير من الودّ والتعظيم ، الأمر الّذي يذكِّرنا بسياسة رسول الله (ص) ويطرحها واقعاً حيّاً في دنيا الناس ، فالتجربة واحدة في هذا المضمار وسواه ، وإنْ تغيّر الموقعُ التأريخي ، ورحمَ الله صعصعةَ بنَ صَوْحان حيث يقول في وصفه للامام (ع) : « كانَ فينا كأحَدِنا ، لين جانب ، وشِدّةُ تواضُع ، وسهولةَ قِياد ، وكنّا نهابُهُ ، مهابَةَ الاسيرِ المربوطِ للسيّاف الواقف على رأسه».
وتتجلّى عظمة الامام (ع) في أخلاقه الاجتماعية من خلال المبادئ الآتية :

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com