قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
أوّلاً ـ إشاعة العدل الاجتماعي بين الناس :
جاءت الخلافة للامام (ع) في ظروف بالغة الخطورة والتعقيد ، فذوو النفوذ مِنَ الناس قد أَلِفوا الاستئثار واستراحوا إليه ، وليس يسيراً أبداً أن يُذْعِنوا لايّة محاولة إصلاحيّة تضرّ بمصالحهم الذاتية . ثمّ إنّ المطامع قد تنبّهت لدى الكثير من الرِّجال ، بعد أن تحوّلت الخلافة مَغْنماً لا مسؤولية لحماية الشريعة والاُمّة ، ولقد كان الامام (ع) مُدرِكاً لحقيقة الموقف بدقائقه وخفاياه ، بشكل جعله يعتذّر عن قبول الخلافة حين أجمعت الاُمّة على بيعـته بعد مقتل الخليفة عثمان قائلاً : « دعوني والتمسوا غيري ، فإنّا مُستقبلون أمراً لهُ وجوهٌ وألوانٌ ، لا تقومُ له القلوب ، ولا تثبت عليه العقول ، وإنّ الآفاق قد أغامَت ، والمحجّة قد تنكّرت ... »(328) . إلاّ أنّ جماهير المدينة المنوّرة ، وجماهير الثوّار من العراق ومصر أصرّوا على استخلافه عليهم ، فنزلَ الامام عند رغبتهم ، ولكن وفقاً لشروطه الخاصّة ، وهي : « واعلموا أنِّي إنْ أجبتكم ركبتُ بكم ما أعلمُ ، ولم أصْغِ إلى قول القائل وعَتَب العاتِب » (329) . ولقد كانت اُولى مهام الامام (ع) أن يجسد العدالة الاجتماعية في دنيا الناس ، ويمنح المنهج الاسلامي فرصة البناء والتغيير على شتّى الأصعدة ، فَدَشّنَ (ع) خططه الاصلاحية ، بإلغاء السياسة المالية والاجتماعية والادارية الّتي كان معمولاً بها ، ليوفِّر الجوَّ المناسب لتطبيق المخطط الاسلامي في العدالة الاجتماعية ، فمن بنود خططه الاصلاحية : أ ـ استرجاع الأموال الّتي تصرّف بها بنو اُميّة من بيت مال المسلمين . ب ـ إبعاد الولاة الّذين أساؤوا التصرّف وخالفوا أمر الله تعالى ، وتخطّوا منهجه الأقوم الّذي ارتضاه لعباده . ج ـ تبنِّي سياسة المساواة في توزيع المال والحقوق،وإلغاء دور الطبقية والتمييز والأثرة: « المالُ مالُ الله ، ألا وإنّ إعطاءَ المالِ في غَيرِ حَقِّهِ تبذيرٌ وإسراف» (330) . « ألا لا يقولنّ رجالٌ منكم غداً قد غمـرتهم الدُّنيـا فامتلكوا العقارَ ، وفجّروا الانهارَ ، وركبوا الخيلَ ، واتّخذوا الوصائفَ المرقّقةَ ، إذا مَنَعْتُهُم ما كانوا يخوضون فيه ، وأَصَرْتُهُم إلى حقوقهم الّتي يعلمون ، حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا » (331) . وقد تبنّى الامام سياسة العدل الشامل : ـ في معاملة أفراد الاُمّة . ـ وفي منهج الحقوق . ـ وفي توزيع المسؤوليات . وكان منهجه (ع) في العدل هو منهج الرسول (ص) ذاته . فهلمّ نُصْغِ إلى منهاجه المُتَبَنّى في سـياسة الاُمّة بالعدل من خلال حديثه (ع) : « والله لأنْ أبيتَ على حَسَكِ السَّعْدانِ مُسَهَّداً ، أو اُجَرَّ في الاغلال مُصَفَّداً ، أحبّ إلَيَّ مِنْ أنْ ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالِماً لبعضِ العِباد ، وغاصِباً لشيء مِنَ الحطام ، والله لو اُعطيتُ الأقاليمَ السّبعةَ بما تحتَ أفلاكِها على أنْ أعصيَ الله في نملة أسلُبُها جلبَ شعيرة ما فعلتُهُ ، وإنّ دنياكم عندي لأهونُ مِن وَرقَة في فَمِ جرادة تقضمها ، ما لِعَليّ ولِنَعيم يَفنى ولذّة لا تَبقى ، نعوذُ باللهِ مِن سُباتِ العقلِ وقبحِ الزَّلَلِ وبهِ نستعين»(332). « الذليلُ عندي عزيزٌ حتّى آخذَ الحقَّ لَه » (333) . « وايمُ اللهِ لأنصفنَّ المظلومَ مِنْ ظالِمِهِ ، ولاقودنَّ الظالِمَ بِخُزامَتِهِ حتّى أوردَهُ منهلَ الحقِّ وإنْ كانَ كارِهاً » (334) . ولم تكن هذه المبادئ الّتي يتحدّث عنها الامام (ع) اُمنيات وأفكاراً طرحها في دنيا المبادئ والافكار ، وإنّما جسّدها واقعاً حيّاً قبل أن يطرحها فكراً . وهي خصيصة من خصائص عليّ (ع)؛ فالقول عنده يعقب العمل أو يجري من طبيعته . ومن أجل ذلك ملأ الامـام (ع) دنيا المسـلمين قسطاً وعدلاً وحقّق انقلاباً في واقعهم على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ، وفقاً لمقتضيات العدل الالهي فأعاد بذلك أيّام رسول الله (ص) في صفائها وإشراقها وعدلها الشامل . فحسبك أنّ أمير المؤمنين (ع) كان يرتدي القميصَ المرقوعَ(335) ، ويُبالِغُ في رَقعِ مِدرَعَتِهِ كلّما تمزّقَ جانبٌ منها ، حتّى يبلغَ الامرُ بهِ (ع) أن يستحي مِن راقِعِها (336) . وكانَ يخرج إلى السوق ليبيع سيفه كي يشتري بثمنه إزاراً (337) وهو هو في علوّ شأنه ، وعظمة مركزه الّذي يحتلّه في دنيا المسلمين؛ حيث تُجبى إليهِ الأموال مِن أكثر أقاليم الدولة الاسلامية ، وثروات الدولة تحت تصرّفه . وكان يأكلُ خُبزَ الشعير بنخالتهِ وغالبُ إدامِهِ اللّبنُ أو الملحُ والماء . ولم يكن للامام (ع) غير قميص واحد لا يجد غيره عند غسله (338) . ومع شدّة زهد الامام (ع) في الدُّنيا، فقد كان حريصاً على توفير الرفاه الاقتصادي للاُمّة الّتي اضطلع بقيادتها ، فكان يقسم الذهب والفضّة بين الناس ، ويطعمهم اللّحم والخبز (339) ويعمل كل ما في وسعه لرفع غائلة الفقر عنهم . وكان بيتُ المالِ لا يكاد تَرِدُ إليهِ الاموالُ حتّى يبادر الامام (ع) إلى توزيعها على الناس ، لاعطاء كلّ ذي حقِّ حقّه . ومنهاجه في توزيع المال التزام أقصى درجات العدالة . فها هو يخاطبُ الزُّبير وطلحة حينما كبر عليهما منهاج المساواة في العطاء : « فوَالله ما أنا وأجيري هذا إلاّ بمنزلة واحدة » (340) . وها هو سهلُ بنُ حُنَيف ـ عامله على البصرة ـ يخاطبه : « يا أمير المؤمنين ! قد أعتقتُ هذا الغلام ، فأعطاه ثلاثة دنانير مثل ما أعطى سهل بن حنيف » (341) . ويأتيه عاصم بن ميثم ، وكان الامام (ع) يقسّم أموالاً فقال : « يا أمير المؤمنين ! إنّي شيخ مثقل . فقال الامام (ع) : (واللهِ ما هوَ بِكدِّ يدي ولا بِتُراثي عن والدي ، ولكنّها أمانة أوعيتها) » (342) . وجاءه عبدالله بن زمعة ـ وهو من شيعته ـ يطلب منه مالاً فقال له الامام (ع) : « إنّ هذا المالَ ليسَ لي ولا لك، وإنّما هو فيءٌ للمسلمين وجلبُ أسيافهم ، فإنْ شركتهم في حربهم كانَ لكَ مثلَ حظّهم ، وإلاّ فَجُناةُ أيديهم لا تكونُ لغيرِ أفواهِهِم » (343) . ويدخل عليه عمرو بن العاص ليلة وهو في بيت المال يتولّى بعض شؤون المسلمين، فأطفأ الامام (ع) السراج وجلس في ضوء القمر (344) ، فالسراج ملك الاُمّة ، فلا يصح أن يستضيء به ابن العاص ، وهو في زيارة خاصّة للامام (ع) ! حرصٌ فريدٌ على أموال الاُمّة ، وسهرٌ دائمٌ على مصلحتها ، وعملٌ دائبٌ مِن أجلِ إسعادها وهدايتها وإصلاح شأنها . على أنّ تعاهد أمر الاُمّة من لدن عليّ (ع) ليس محصوراً في إطار المال وتوزيعه ، وإنّما يمتد لكي يشعر الانسان بكرامته ، ويعيد وعيه بحقّه في الحياة الحرّة الكريمة ، ويعلِّمه أن يتمرّد على الظّلم والكبت وسلب الارادة : « لا تكنْ عبدَ غيرِكَ وقد جعلَكَ اللهُ حُرّاً » . « إنّه لا ينبغي أنْ يكونَ الوالي على الفروجِ والدماءِ والمغانمِ والاحكامِ وإمامةِ المسلمين ، البخيلَ ، فتكونَ في أموالهِم نهمتِهِ؛ ولا الجاهل فَيُضِلّهُم بِجَهلِهِ ; ولا الجافِيَ فيقطِعَهُم بجفائِهِ؛ ولا الحائِفَ للدول ، فيتّخِذَ قوماً دونَ قوم؛ ولا المرتشيَ في الحُكْمِ ، فيذهبَ بالحقوقِ ، ويقفَ بها دونَ المقاطع؛ ولا المُعطِّلَ للسنّةِ فَيُهْلِكَ الاُمّة » (345) . « فلا تكلِّموني بما تُكَلَّمُ به الجبابرة ، ولا تتحفّظوا منِّي بما يُتحفَّظُ به عند أهل البادِرَة ، ولا تخالطوني بالمُصانَعَة ، ولا تظنّوا بي استثقالاً في حقٍّ قيلَ لي؛ فإنّه مَنِ استثقلَ الحقَّ أن يُقالَ له ، أو العدلَ أن يُعرضَ عليه كانَ العملُ بهما أثقلَ عليه ! فلا تكفّوا عن مقالة بحقٍّ أو مَشورَة بِعَدل » (346) . وتمتدّ ظلال العدالة في عهد أمير المؤمنين (ع) فيرعى أسواقهم من ناحية المكاييل والمعروض مِنَ السلع وطبيعة المعاملات فيها، فيخرج كلّ يوم يتفقّد أسواق المسلمين بنفسه ، فيرشد الضال ، ويهدي المقصِّر إلى طريق الحقّ ، ويأمر بكلِّ معروف ، وينهى عن كلِّ منكر (347) . ولشدّة حرص الامام (ع) على تطبيق العدالة الاسلامية بأروع صورها أمام الناس ، وعلى شتى الاصعدة ، أنّه وجد درعه عند رجل نصراني ، فوقف معه أمام القاضي ليقاضيه في الأمر . فقال الامام (ع): « (إنّها درعي، ولم أبِعْ، ولم أَهَبْ) فسألَ القاضي الرّجلَ النصراني: ما تقولُ فيما يقول أمير المؤمنين ؟ قال الرّجل : ما الدرعُ إلاّ درعي ، وما أمير المؤمنين عندي بكاذب ، فالتفتَ القاضي للامام (ع) طالِباً بيِّنة تشهد أنّ له الدرع . فضحك الامام (ع) مُعلِنا أنّه لا يملكُ بيِّنة من ذلك النوع، فقضى القاضي بأنّ الدرع للنصراني، فأخذها ومضى ، والامام ينظر إليه . إلاّ أنّ الرّجل عادَ وهو يقول : أمّا أنا فأشهد أنّ هذه أحكام أنبياء ، أمير المؤمنين يدينني إلى قاض يقضي عليه . الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين ، وقد كنتُ كاذِباً فيما ادعيت » (348) . وحصيلة الامر أن يُعْلِنَ الرّجل إسلامَهُ ، ويخلص في الوقوف تحت راية الامام (ع) مؤمناً مجاهداً ذائداً عن رسالة الهدى . وبقدر ما كان الامام (ع) حريصاً على تجسيد روح العدالة الّتي صدع بها رسول الله (ص) ، لاخراج الانسان من ظلام الظلم والقهر والكبت ، كان حريصاً كذلك على إلزام ولاته وقضاته وقادة جيوشه ، وجباة الاموال ، بالتزام العدل في معاملة الناس ، وتحرِّي الحقّ في الحكم والقضاء وإعطاء الحقوق ، وفي جمع المال ، حتّى في حالات الحرب وسواها .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|