قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
ثالثاً ـ حلم الامام :
ولقد كان الامام (ع) قمة في حلمه وعفوه عمّن يسيء الأدب معه ، فهو لا يعرف الغضبَ إلاّ حينَ تُنْتَهَكُ للحقِّ حرمتُهُ ، أو تُتَعَدّى حدودُ الله تعالى ، أو يُعتدّى على حقوق الاُمّة وتُضَرُّ مصلحتها . وخلق الامام (ع) في الحلم والصفح عن المسيء ظل هو هو لم يتغيّر ، فعلي (ع) في صفحه وحلمه قبل خلافته ، كعليّ في صفحه وعفوه أيّام قيادته المباشرة للاُمّة ، على أنّ عظمة الامام (ع) تزداد قوّة وجلاء حين يظل يصفح ويمعن في عفوه حتّى عن أشدّ خصومه ، في وقت يمتلك القدرة على العقاب والارهاب والقتل . فهو في أيّام خلافته في مركز يؤهله أن يقتص من خصومه ، لأنّه رئيس الدولة ، والمُطاع الاوّل بين أتباعه ، غير أنّه مع هذا وذاك ظل يحمل نفس الروح من العفو والتجاوز ، كما كان رسول الله (ص) قبله سواء بسواء . وهذه نماذج من عفوه : أَسرَ مالكُ الاشتر (رض) مروانَ بن الحكم يوم الجمل ، فلمّا مَثُلَ مروان بين يدي الامام (ع) لم يستقبله بسوء قطّ ، وإنّما عاتبه على موقفه الخياني اللّئيم فحسب(363) ، ثمّ أطلقَ سراحَهُ ، ومروان هو هو في حقـده على الاسلام والامـام (ع) ، وهو هو في دسائسه ومكره؛ ودورُهُ الخبيث في تأجيج الفتن في وجه الامام (ع) أشهرُ مِن أنْ تُذكر ، فهو الّذي عارض البيعة للامام (ع) ، وهربَ من المدينة المنوّرة بعد البيعة مباشرة ، وهو الّذي ساهم في فتنةِ البصرة ، وألهبَ الناكثين وأغراهم بالتعجيل بها ، إلى غير ذلك من مواقفه الخسيسة . ولقد عفا الامـام (ع) كذلك عن عبدالله بن الزُّبيـر(364) ، بعد أَسْرِهِ يوم الجمـل ، وعبدالله ابن الزُّبير هو الّذي كان يقود الفتنة في حرب الجمل . وجيء بموسى بن طلحة بن عبيدالله ، وكان طرفاً في فتنة الجمل ، فلمّا وقف بين يدي الامام (ع) خلّى سبيلَهُ ، ولم يعنّفه عن دوره في الفتنة ، وإنّما طلب منه أنْ يستغفرَ الله ويتوبَ إليه ثمّ قال : « إذهبْ حيث شئتَ ، وما وجدتَ لك في عسـكرنا مِنْ سلاح أو كِراع فَخُذْهُ ، واتّقِ الله فيما تستقبله مِن أمرك واجلس في بيتك » (365) . ومِن عظيم عفوه ما رواه الامام الباقر (ع) قال : « كان عليّ (ع) إذا أخذ أسيراً في حروب الشام أخذ سلاحه ودابته واستحلفه أن لا يعين عليه » (366) . أرأيت موقفاً إنسانيّاً كهذا الموقف ؟ لقد كان الامام (ع) مدركاً أنّ الّذين يقاتلونه من أهل الشام إنّما يقاتلونه وهم عن حقيقته غافلون ، فقد أغراهم معاوية بالمال ، وسدّ عليه منافذ التفكير والوعي على الحقائق ، بما اسـتخدمه من وُعّاظِ سوء ، وواضعي حديث ، ممّن باعوا ضمائرهم للانحراف صوب الجاهلية . وبناء على هذا الوعي العلوي لحقيقة مقاتليه ممّن أغراهم معاوية وغرّر بهم ، فقد سبق حلم الامام (ع) عدله في معاملتهم فلم يعاقب من اتخذ منهم أسيراً ، وإنّما يجرِّده مِن أداة الشَّرِّ ، ويضعه أمام الله والضمير ، كي لا يعودَ لقتـالِ معسكر الحقِّ الّذي يقوده الامام (ع) . ويُذكِّرنا هذا الموقف الكريم بموقف معاوية وعمرو بن العاص اللّذين كانا يُصرّان على قتلِ الاشراف من جيش الامام (ع) ، بيدَ أنّهما خشيا الفضيحة إذا أقدما على ذلك بعد أن خلّى الامام (ع) عن أسراهم ابتداء ، فعدل معاوية وصاحبه عن موقفهما، لا لطيبِ خُلُق منهما ، وإنّما خشية نقمة الرأي العام الاسلامي (367) . ولم نذهب بعيداً وتلك معركة صفين تحمل أحداثها الكثير الكثير من مواقف الصفح العلوي ، فحين سبق جيش معاوية إلى ماء الفرات أصرّ على منع الماء عن جيش عليّ (ع) ، فأوفد الامام (ع) لمعاوية وفداً كي يغيِّر موقفه ، ولكنّه مضى في إصراره وموقفه غير الأخلاقي . فاضطرّ الامام (ع) لتحريك قوّة من جيشه لِفَكِّ الحصار . وكانت النتيجة أنْ سيطر جيش الامام (ع) على الماء ، ولكنّه (ع) حَمَلَهُ حِلْمُهُ الرفيع وكرم نفسـه على بذل الماء لخصمه قائلاً لجنوده : « خُذوا مِنَ الماءِ حاجَتَكُم وارجعوا إلى عسكرِكم . وخَلّوا عنهم فإنّ الله عزّ وجلّ قد نصركُم عليهِم بظُلْمهِم وبَغْيِهم » (368) . ولقد كان مُقدّراً للامام (ع) أن يذيقهم الهزيمة الشاملة لو أنّه منعهم الماء ، وحال بينهم وبينه ، ولكنّها الاخلاق الالهيّة الّتي يتمسك بها ، ويجسدها حيّة في دنيا الناس ، تأبى عليه ذلك اللون من المواقف؛ لكي يقع التمييز بين منهج الهدى والصراط المستقيم في الفكر والعمل الّذي يمثله عليّ (ع) ، وبين سبيل الانحراف والالتواء وفَقْدِ الاخلاق الّتي يجسِّدها معاوية بن أبي سفيان . ولنا أنْ نَعْرِضَ شـواهد من حلم الامـام (ع) وعظيم صَفْحِهِ في حياته الخاصّة كذلك : « دعا الامام (ع) غلاماً له مراراً فلم يجبه ، فخرج فوجده على باب البيت فقال : (ما حملكَ على تركِ إجابتي ؟ ) قال : كسلتُ عن إجابتك ، وأمنتُ عقوبَتَك . فقال (ع) : (الحمدُ للهِِ الّذي جعلني ممّن تأمنُهُ خَلْقُهُ ، امضِ فأنتَ حرٌّ لِوَجهِ الله) » (369) . وقد خاطبه رجل من الخوارج بقوله: « قاتله الله كافراً ما أفقهه!. فوثب أصحاب الامام (ع) ليقتلوه، فقال الامام (ع): (رويداً انّما هو سبٌّ بِسَبٍّ أو عفوٌ عن ذنب) »(370). وهكذا شمل الرّجل بعفوه ، وحال بين القوم وبين معاقبته . وفي سيرة الامام (ع) الكثير من مثل هذه المواقف ، الّتي تعبِّر عن خُلُق إلهي كريم ، اُطِّرَتْ به شخصيةُ عليّ (ع) ، على أنّنا لو غَضَضْنا الطَّرْفَ عن مواقف الحلم كافّة الّتي اصطبغت بها حياة عليّ (ع) بالنسبة إلى المسيئين له أو أعدائه ، لكان في موقف الامام (ع) من قاتله ابن ملجم المرادي أعظم شاهد على تمتّع الامام (ع) بنمط مِنَ الاخلاق السامية ، لم يتمتّع بها سوى الانبياء والمقرّبين إلى الله ، فهل أنبأكَ التأريخ عن إنسان عامَلَ عدوّه بنفس الرّوح الّتي عامَلَ بها عليّ (ع) قاتِلَه ، لقد شدّد الامام (ع) على أهلِ بيتهِ أنْ يُطْعِموا قاتِلَهُ ويَسقوهُ ويُحْسِـنوا إليه ، فعن الامام الباقر (ع) وهو بصدد ذكر إحدى وصايا الامام أمير المؤمنين (ع) في آخر حياته يقول : « إنّ عليّ بن أبي طالب (ع) ، قال للحسن والحسين (ع) : (إحبِسوا هذا الاسير ـ يعني ابن ملجم المرادي ـ وأَطْعِموه واسـقوه ، وأحسِنوا أسـاره ، فإنْ عِشتُ فأنا أولى بما صنع فيَّ ، إنْ شئتُ استقدتُ وإنْ شئتُ صالحتُ ، وإنْ مُتُّ فذلكَ إليكم ، فإنْ بدا لكم أنْ تقتلوهُ فلا تُمثِّلوا به) » (371) .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|