سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)


رابعاً ـ التورّع عن البغي :

والتورّع عن البغي أصل من اُصول نفسيّة الامام (ع) ، وخُلُقٌ مِن أخلاقه الكريمة ، وهو مظهر من مظاهر التقوى الّتي يمـتاز بها ، فهو يتحاشَى البغي حتّى على أشدّ الناس خصومة له وللحقِّ الّذي هو عليه ، وحتّى إذا بُغِيَ عليه يبقى مصراً على التزام خطّه في النأي عمّا له صلة بأيِّ لون من ألوانِ البَغي .
ومِن أجل ذلك كان الامام (ع) داعية السلم الأكبر ، مع كثرة الشغب والفتن الّتي أثارها النفعيون والوصوليون في طريق مسيرته الاصلاحية :
بذل كُلَّ ما في وسعه أنْ يجنّب الاُمّة المسلمة سفك الدماء وتمزِّق الصف ، حين ألحّ على الزُّبير وطلحة أنْ يعدلا عن موقفهما ، سواء من خلال المراسلة ، أم الوفود أم اللقاءات الشخصية المباشرة معهما (372) .
ولقد بلغ الامر بالامام (ع) حين التقى الجيشان في البصرة أنْ يدعوَ الزُّبيرَ فيخرج الامام (ع) بغير سلاح ، ويعانقه طويلاً ! وربّما بكى عليّ (ع) في ذلك الموقف ، ثمّ عاتبَ الزُّبير على خروجه لقتاله ، وذكّره بعلائق المودّة القديمة بينهما كما ذكّره بقول رسول الله (ص) فيهما :
« اُنشِدُكَ اللهَ يا زبيرُ أما تذكرُ ، قال لك رسول الله (ص) : (يا زبير أتُحِبّ عليّاً) ، فقلتَ : وما يمنعني مِن حُبِّه ، وهو ابن خالي ؟ فقال (ص) : (أما إنّكَ ستخرج عليه وأنتَ ظالِمٌ له)؟ فقال الزُّبير . اللّهمّ ! بلى ، قد كان ذلك » (373) .
وحين أفلتَ الزمام وأصرّ الناكثون على إشعال نار الحرب ، بقي الامام (ع) عند موقفه الرّافض للبغي والعدوان ، فلنصغِ إليهِ وهو يخاطبُ جنودَه :
« أيُّها الناسُ! اُنشِدُكُمُ اللهَ أنْ لا تقتلوا مُدْبِراً، ولا تُجْهِزوا على جريح، ولا تَسْتَحِلّوا سَبِيّاً ، ولا تأخذوا سلاحاً ولا متاعاً » (374) .
وحتّى بعد انتهاء المعركة بقي الامام (ع) عند موقفه النائي عن العدوان ، فأعلن العفوَ العامَ عن جميع المشتركين في حربه ، القيادات وأتباعهم على حدّ سواء .
وذلك الخُلُقُ العَلَوي تَجلّى في حوادث صفين من بدايتها إلى نهايتها : يقطع البغاةُ عنه طريق الوصول إلى الماء ـ وهو في حيويته لجيش مقاتل كبير مثل جيشه ـ فلا يبادر لاستعمال العنف ، بل يرسل الوفود ، ويبذل المحاولات لتغيير الموقف بالّتي هي أحسن ، لكي لا تُراق للمسلمين دماء ، ولكن البغي الاموي الحاقد الّذي يجسده قولهم : (ولا قطرة حتّى تموتَ ظمأ) (375) ، حمله على إصدار أوامره لقوّاته بالتحرّك لكسر الحصار وهكذا كان، وحين امتلك الماء أباحه لجيش عدوّه منذ الساعة الاُولى من سيطرة قوّاته عليه .
ومع أصحاب النهروان بذل الامام (ع) كلّ مسعى لاجل إبعاد الناس عن القتال ، ولكن إصرارهم على قتال الامام (ع) حال دون بلوغهم الصراط المستقيم ، فعاثوا في الارض فساداً وقتلوا نفوساً بريئة ، وأثاروا البلبلة في البلاد ، ممّا اضطرّ عليّاً (ع) إلى قتالهم ، ولكن بعد محاولات عديدة منه أيضاً لجمع الصف ، ودعوات مستمرة لاقرار السلم وإلقاء السيف .
وفي وصايا الامام (ع) لجيوشه وجباة المال والولاة ، مؤشرات أُخرى على التزام عليّ (ع) لمنهاج عدم البغي وعدم العدوان على أحد كائِناً مَن كان ، ممّا ذكرنا منه طرفاً في الصفحات الماضية من هذا البحث .
وما أعظمَ عليّاً أمير المؤمنين (ع) وهو ينص في عهده لمالك الأشتر على وجوب التزام الرِّفق بالناس ، وعدم التعامل بأي لون من ألوان البغي والتعالي على الناس ، وغمط حقوقهم المفروضة في شرع الله العظيم :
« وأَشْعِرْ قَلبَكَ الرّحمةَ للرّعيّةِ ، والمحبّةَ لهم ، واللُّطفَ بهم ، ولا تكوننَّ عَليهِم سَبُعاً ضارِياً تغتنمُ أَكلَهُم، فإنّهم صنفانِ: إمّا أخٌ لكَ في الدِّينِ أو نظيرٌ لكَ في الخَلْقِ، فَأَعْطِهِم مِن عَفْوِكَ وصَفْحِكَ مثلَ الّذي تحبُّ وتَرضى أنْ يُعطيكَ اللهُ مِنْ عفوِهِ وصَفْحِه .
أنصفِ الله ، وأنصفِ الناسَ مِن نفسِكَ ومنْ خاصّة أهلك ، ومَن لك فيه هوىً مِن رعيّتك ، فإنّك الاّ تفعلْ تُظْلَمْ ، ومَن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده ، ومَن خاصمهُ الله أدحض حجّتَهُ ، وكانَ لله حَرْباً حتّى يَنزِعَ ، أو يَتوب » (376) .
ولم يكن منهاج عليّ (ع) هذا خاصّاً بأهل مصر ، وإنّما هو منهاجُهُ الشامل لكلِّ البلاد الّتي رفرفت راية دولته الكريمة عليها .
ولقد كان الامام (ع) يعهد إلى وُلاتِهِ في الامصار مثل الّذي عهده إلى مالك (رض) في وجوب إشاعة العدل ، والرفق بالناس ، وعدم البغي عليهم بحال من الاحوال أو معاملتهم بأي لون من ألوان الظلم .
ولقد ذكرنا بعضاً من وصاياه للولاة فيما مضى من حديث .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com