سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)


في حقل المعرفة

إنّ محاولة الحديث عن دنيا المعرفة عند عليّ (ع) مهما اُعطيت من التوفيق ، يستحيل عليها أن تحدّ الفكر العلوي العظيم ، وتحيط بأبعاد معرفته الّتي تميّز بها (ع) وطرحها في ساحة الفكر الانساني .
وحسبك أنّ كل مدرسة فكرية ظهرت في دنيا المسلمين ، كل منها تُعلِن انتماءها فكرياً للامام (ع) حتّى وإن كانت مخالفة للواقع والحق ، وكأنّ قولها بالاستمداد من عليّ (ع) يعطيها صفةَ الشرعية وحقَّ الحياة ، فالأشاعرة نسبوا أنفسهم له ، والمعتزلة ادّعوا الانتماء إليه ، وزعمت مدرسة الرأي في الفقه انتماءها إليه ، وذهب المتصوّفة إلى أنّ إمامهم أمير المؤمنين فيما ذهبوا ، وسوى هؤلاء كثير (383) .
هذا فضلاً عن حَمَلَةِ مبادئه من الّذين التزموا مذهب أهل البيت (ع) ، الثقل الثاني بعد القرآن الكريم ، اللَّذَيْن ألزمت الشريعة التمسّك بهما وسلوك دربهما ، على لسـان رسول الله (ص) مبلِّغاً عن الله عزّ وجلّ :
« إنِّي مخلِّفٌ فيكُمُ الثّقلينِ ، كتابَ الله وعترتي أهل بيتي ، ما إنْ تمسّكتم بهما لَن تضلّوا أبداً ، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض » (384) .
فادّعاء جميع المدارس الفكـرية والفقهـية انتماءها للامام عليّ (ع) ، وانتهـالها من فيض علمه ، مؤشِّر كبير على عظمته (ع) وعلوِّ شأنه في دنيا الفكر الاسلامي؛ الأمر الّذي لم يكن لأحد من المسلمين بعد رسول الله (ص) طوال التاريخ الاسلامي .
فعليّ (ع) قد تنازعته كلّ الحركات الفكرية والفقهية الّتي ولدت في تأريخ المسلمين، بل قال بالانتساب إليه أصحاب النشاطات الفكرية والثقافية والعلمية من نحويين وأهل القراءات وعلماء التفسير وأهل الحديث والفقه وسواهم ، على أنّ الانتساب لعليّ (ع) في الحقل المعرفي أو ادعاء الانتساب إليه ، لم يأتِ عفواً أبداً ، وإنّما هو شاهد قوي على أنّ عليّاً (ع) لم يترك حقلاً من حقول المعرفة الصحيحة إلاّ وضع اُسسه وحدّد معالمه ، وترك الباب مفتوحاً لروّاد المعرفة أنْ ينهلوا منه .
ولم يكن العطاء الفكري العظيم الّذي أسداه الامام (ع) للانسان إلاّ حصيلة طبيعية للاعداد الخاص الّذي توفّر له من لدن رسول الله (ص) منذ طفولته (ع) حتّى آخر ساعة من حياة الرّسول (ص) .
ولقد أشار الامام (ع) نفسُهُ إلى ذلك الاعداد الّذي وفّره له رسول الله (ص) وكشف عن أهميتّة وأبعاده في حياته (ع) بقوله :
« وقد علمتُمْ موضعي من رسول الله (ص) بالقرابة القريبة ، والمنزلةِ الخصيصة . وضعني في حِجْره، وأنا ولدٌ ، يضمُّني إلى صدره ، ويَكنُفُني في فراشِه ، ويُمِسُّني جَسدَهُ ، ويُشِمُّني عَرْفَهُ ، وكانَ يَمضغُ الشيءَ ثمّ يُلْقِمُنيه ، وما وجدَ لي كَذْبَةً في قول ، ولا خطلة في فعل . ولقد كنتُ أتّبعهُ اتِّباع الفصيل أثر اُمِّه ، يرفعُ لي في كلِّ يوم مِن أخلاقهِ عَلَماً ، ويأمُرُني بالاقتداءِ به . ولقد كان يجاور في كلِّ سنة بِحِراء ، فأراهُ ، ولا يراهُ غَيري ، ولم يجمعْ بيتٌ واحدٌ يومئذ في الاسلامِ غيرَ رسول الله (ص) وخديجةَ ، وأنا ثالثهما . أرى نورَ الوحيِ والرِّسالةِ ، وأشُمُّ ريحَ النبوّة » (385) .
ولاستمراريّة ذلك الأعداد الخاص لعليّ (ع) يشير أبو سعيد الخدري (رض) بقوله: « كانت لعليّ من رسولِ الله (ص) دخلة لم تكن لأحد مِنَ الناس » (386) .
وعن ابن عباس (رض) عن عليّ (ع) قال :
« كان لي من النبيّ (ص) مَدْخلانِ : مَدخلٌ باللّيلِ ، ومَدخلٌ بالنّهار » (387) .
ولقد كان ذلك الاعداد الرسولي منصبّاً على جميع جوانب شخصية الامام (ع) من أجل تأهيله فكرياً ونفسياً لاحتلال موقع المرجعية الفكرية والسياسية للاُمّة الاسلامية بعد غياب رسول الله (ص) عن مسرح الحياة .
وحيث إنّ حديثنا هذا يهدف إلى دراسة العطاء الفكري الثر الّذي وهبه الامام (ع) للانسانية ، فلا بدّ من الاشارة إلى أنّ رسول الله (ص) حين أكمل بناء الجانب الفكري من شخصية الامام (ع) وأهّله لخلافته في هذا المضمار ، أخذ (ص) يبلِّغ الاُمّة بحقيقة ما وصل إليه الامام (ع) من مستوى عظيم في ميدان المعرفة :
قال (ص) :
« أنا مدينةُ العِلْمِ وعليٌّ بابُها ، فمن أرادَ العلمَ فَلْيَأْتِهِ مِن بابه » (388) .
« عليٌّ بابُ علمي ومبيِّن لاُمّتي ما اُرسلتُ به » (389) .
وعن ابن مسعود قال : « كنتُ عند النبيّ (ص) فسُئِل عن علم عليّ (ع) ؟ فقال : (قُسِّمتِ الحكمةُ عشرةَ أجزاء ، فاُعْطِيَ عليّ تسعةَ أجزاء والناس جزءاً واحداً ، وهو أعْلَم بالعُشر الباقي ) » (390) .
وهناك أحاديث شريفة بهذا الشأن لا تكادُ تُحصى كثرة ، وهي تهدف جميعاً إلى بيان المكانة الّتي يحتلّها الامام (ع) في الجانب المعرفي ، وتدعو الاُمّة صراحة إلى وجوب أخذ معارف التشريع الالهي عن طريقـه(391) ، فمنه تسـتمدُّ الهَدْيَ ، وهو الصراط المستقيم الموصل إلى الله تعالى بعد رسول الله (ص) .
ولقد أدرك الكثير من معاصري الامام (ع) ما يحظى به الامام (ع) من عُلُوٍّ شاهق في مجالات المعرفة بشتّى حقولها وجوانبها ، وما يَتَبَوَّؤُهُ من مقام رفيع في مسيرة الاسلام الخالدة :
فها هو ابن عباس (رض) يقول: اُعْطِيَ عليّ بن أبي طالب (ع) تسعة أعشار العلم ، وإنّه لاعلمهم بالعُشْر الباقي (392) .
وعطاء بن أبي رباح حين سُئِلَ : هل تعلم أحداً بعد رسول الله (ص) أعلم مِن عليّ ؟ يقول لا والله ما أعلمه .
وعمر بن الخطاب يقول :
العلم ستّة أسداس ، لعلي من ذلك خمسةُ أسداس ، وللناس سدس ، ولقد شاركنا في السدس حتّى لَهُوَ أعلمُ منّا به .
ولكم كان الخلفاء الّذين سبقوه تأريخيّاً يَرجِعون إليه في مسائل القضاء والحكم والادارة ، حتّى أن عمر بن الخطّاب كان يردِّد : «لا أبقاني اللهُ لِمُعْضِلَة ليسَ لها أبو الحسن» أو يقول : «أعوذ باللهِ مِن مُعضِلَة لا عليَّ لها» (393) .
وعائشة تقول : «عليّ أعلمُ النّاسِ بالسنّة» (394) .
وغير هؤلاء كثير .
على أنّ أمير المؤمنين (ع) قد أفصح مراراً وفي مناسبات شتّى عمّا يحمل من علم شامل غزير .
فتراه يُخاطبُ أصحابَهُ بأنّ صدرَهُ يحمل عِلْماً عظيماً تلقّاه من رسول الله (ص) ، ولو وجد له حملة أمناء يتصدّونَ لحملهِ وتبليغهِ لأودعَ بعضَ علمه لديهم :
« إنّ في صدري هذا لَعِلْماً جمّاً ، علّمنيه رسول الله (ص) ولو أجدُ له حَفَظَة يرعونه حق رعايته ، ويروونه عنِّي كما يسمعونه منِّي ، إذن لأودعتهم بعضه » (395) .
ثمّ يكشف في مناسبة اُخرى عن حجم ذلك العلم الّذي يحمل ، ويبيِّن أبعاده ومساحته :
فعن ابن نباتة قال :
« لمّا بُويعَ أميرُ المؤمنين (ع) بالخلافة خرج إلى المسجد مُعتمّاً بعمامة رسول الله (ص) لابساً بُرْدَتَهُ ، فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ووعظ ، وأنذر ، ثمّ جلس مُتمكِّناً، وشبكَ بين أصابعه، ووضعها أسفلَ سُرَّتِهِ، ثمّ قال : (يا معشرَ الناس ! سلوني قبل أنْ تفقدوني ، سلوني فإنّ عندي عِلْمَ الأوّلين والآخرين ، أما والله لو ثُنيت لي الوسادةُ لحكمتُ بين أهلِ التوراةِ بتوراتهم ، وبين أهلِ الأنجيل بإنجيلهم ، وبينَ أهلِ الزّبورِ ، بِزَبورِهِم ، وبينَ أهلِ الفرقانِ بفُرْقانِهِم، حتّى ينهي كلّ كتاب من هذه الكتب ويقول: يا ربّ ! إنّ عليّاً قضى بقضائك، والله إنِّي لاَعْلَمُ بالقرآنِ وتأويله مِن كلِّ مدّع علمه). ثمّ قال: (سلوني قبل أن تفقدوني، فوَالّذي فلقَ الحبّةَ وبرأ النسمةَ لو سألتموني عن آية آية لاخبرتكم بوقت نزولها ، وفيم نزلت ، وأنبأتُكُم بناسخها من منسوخها ، وخاصِّها مِن عامِّها ، ومُحْكَمِها مِن مُتشابَهِها ، ومَكِّيِّها مِن مَدَنِيِّها ، والله ما مِن فئة تُضِلُّ أو تَهدي إلاّ وأنا أعرفُ قائِدَها وسائِقَها وناعِقَها) » (396) .
« سَلوني فوَالله لا تسألوني عن شيء إلاّ أخبرتُكُم ، وسَلوني عن كتاب الله ، فوَالله ما مِن آية إلاّ وأنا أعلمُ أبِلَيْل نَزَلَت أم بِنهار أم في سَهل أم في جَبَل » (397) .
ولو قُدِّرَ أنّ عليّاً (ع) لم يتسنَّ له أن يساهمَ بما ساهَمَ به من علم جمٍّ ـ الامر الّذي سنتناول خطوطَهُ العريضةَ في هذا الفصل ـ في المجالات الفكرية ، فإنّ نداءاتِهِ الملحّة في مناسبة واُخرى : (سَلوني قبل أن تفقدوني) آيةٌ جليّةٌ على قدراته الفائقة في حقول المعرفة بشتّى ضروبها وامتداداتها . ولو قُدِّر كذلك أنّ الرّسول (ص) لم يكشف عمّا لعليّ (ع) مِن سابقة في العلم وعلوٍّ شاهق في المعرفة ، لكان إصرار عليّ (ع) على دعوة الناس لتلقي العلوم منه ، شاهداً قوياً لا يرد على ما له (ع) من علم غزير ، فإنّ ثقته العالية بنفسه في مضمار العلم هي الّتي تدفعه دفعاً لتكرار ذلك النداء الفريد ، الّذي ما حدّثنا التاريخ أنّ رجلاً أقدم عليه قبل عليّ (ع) خوف الفضيحة والنكوص عن الاجابة !
ولقد تنبّه الكثير من أصحاب العقول إلى ما ينطوي عليه ذلك النداء العلوي : (سلوني) من أهميّة بالغة ، فقد قال سعيد بن المسيب :
« ما كان أحدٌ مِنَ الناس يقول : سَلوني ، غير عليّ بن أبي طالب » (398) .
وعن ابن شبرمة يقول : « ليس لأحد من الناس أن يقول على المنبر : سلوني ، إلاّ عليّ بن أبي طالب » (399) .
فالنداء المذكور بكثرة إلحاحه وحرارته ، يحمل بين ثناياه دليلاً على ما حواه الامام (ع) من علم شمولي يمدُّ الانسان بالغِنى والخير والهُدى والسَّداد .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com