اسم الكتاب: الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
وحدانية الله عزّ وجلّ
« الحمدُ لله الّذي لا يبلغُ مِدْحتَهُ القائلون ، ولا يُحصي نعماءهُ العادُّون ، ولا يُؤدِّي حقّهُ المجتهدون ، الّذي لا يُدرِكُهُ بُعْدُ الهِمَمِ ، ولا ينالُهُ غوصُ الفِطَنِ ، الّذي ليسَ لصفته حدٌّ محـدود ، ولا نَعْتٌ موجود ، ولا وَقْتٌ معدود ، ولا أَجَلٌ ممدودٌ ، فَطَرَ الخلائِقَ بقدرتِهِ ونَشَرَ الرِّياحَ بِرَحمتِهِ ، وَوَتَّدَ بالصُّخورِ مَيدانَ أرضِه . أوّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وكمالُ معرفتِهِ التصديقُ بهِ، وكمالُ التصديقُ بهِ توحيدُهُ ، وكمالُ توحيدُهُ الاخلاصُ لهُ ، وكمالُ الاخلاصُ لهُ نفي الصِّفات عنهُ ، لشهادةِ كلِّ صفة أنّها غيرُ الموصوف ، وشهادةُ كلّ موصوف أنّهُ غيرُ الصِّفةِ ، فَمَنْ وصفَ اللهَ سبحانهُ فَقَد قَرَنَهُ ، ومَنْ قَرَنَهُ فَقَد ثَنّاهُ ، ومَنْ ثَنّاهُ فَقَد جَزَّأهُ ، ومَن جزّأه فقد جهله ، ومن جهله فَقَد أشارَ إليه ، ومَنْ أشارَ إليهِ فَقَد حَدَّهُ ، ومَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ ، ومَنْ قالَ (فيم ؟) فَقَدْ ضَمَّنَهُ ، ومَنْ قالَ (عَلام ؟) فَقَد أَخْلى مِنه . كائنٌ لا عَن حَدَث ، موجودٌ لا عَن عَدَم . مَعَ كُلِّ شِيء لا بِمُقارَنَة، وغيرُ كُلِّ شَيء لا بِمُزايَلَة ، فاعلٌ لا بمعنى الحركاتِ والآلةِ، بصيرٌ إذ لا منظورَ إليهِ مِن خلقِهِ ، متوحِّدٌ إذ لا سَكَنَ يَسْتأنِسُ بهِ ، ولا يَسْتَوْحِشُ لفقده . أنشأَ الخَلْقَ إنشاءً ، وابتدأهُ ابتداءً ، بِلا روية أجالَها ، ولا تجربة استفادها ، ولا حركَة أَحْدَثَها ، ولا هَمامَةِ نفس اضطربَ فيها ، أحالَ الاشْياءَ لاَِوْقاتِها ، ولاََمَ بينَ مُختلفاتِها ، وغَرَّزَ غرائِزَها ، وألزَمَها أشباحَها ، عالِماً بها قبل ابتدائها ، مُحيطاً بحدودِها وانتهائِها ، عارِفاً بِقَرائِنها وأحْنائِها » (403) . « الاوّلُ لا شيءَ قَلْبَهُ ، والآخرُ لا غايَةَ لَهُ ، لا تقعُ الأوهامُ لهُ على صفة ، ولا تقعدُ القلوبُ منه على كيفيّة، ولا تنالُهُ التجزِئةُ والتبعيضُ، ولا تُحيطُ بهِ الابصارُ والقلوب »(404). « لم يولَدْ سبحانَهُ فيكونَ في العِزِّ مُشارَكاً ، ولَمْ يَلِدْ فَيكونَ موروثاً هالِكاً ، ولَم يتقدّمْهُ وقتٌ ولا زمانٌ ، ولَمْ يتعاوَرْهُ زيادةٌ ولا نقصانٌ ، بَلْ ظهر للعقولِ بما أرانا مِن علاماتِ التدبيرِ المُتقَنِ ، والقضاءِ المُبْرَم » (405) . « الحمدُ للهِِ الكائنِ قبلَ أنْ يكونَ كرسيٌّ أو عرشٌ أو سماءٌ أو أرضٌ أو جانٌّ أو إنسٌ ، لا يُدرَك بِوَهْم ، ولا يُقدّرُ بِفَهْم ، ولا يَشْغَلُهُ سائِلٌ ، ولا يَنقصُهُ نائلٌ ، ولا يُنْظَر بِعَين ، ولا يُحَدُّ بِأيْن ، ولا يُوصَفُ بالاَزْواجِ ، ولا يُخْلَقُ بِعلاج ، ولا يُدْرَكُ بالحواسِ ، ولا يُقاسُ بالناس » (406) . هكذا حدّد أمير المؤمنين (ع) مفهومَ وحدانيّةَ الله سبحانه وتعالى ، وهكذا عرف عليّ (ع) الله ربّ العالمين ، ووصفه كما أراد الله تعالى أنْ يوصف به ، فقد نَزّهَهُ عن التشبيه والتجسيم والمكان والتجزئة والتبعيض ، وكلّ نقص ، وأخرجه بوصفه عن كلِّ صفة مِن صفاتِ مخلوقاتهِ ، كما شاءَ الله تعالى أنْ يوصفَ ، وكما علّم أولياءه أنْ يَنعتوه .
|
|