قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
صور من الفكر السياسي ـ الاجتماعي
على الرّغم من قصر المدّة الّتي قضاها أمير المؤمنين (ع) في قيادة الاُمّة اجتماعياً وسياسياً، فانّ الفكر السياسي الّذي عرضه الامام (ع) كفيل بتغطية حاجات الانسان عبر امتداده التاريخي على هذه الأرض ، فقد جاءت خطب الامام (ع) ورسائله وأوامره وإرشاداته زاخرة بهذا اللّون من الفكر ، مجسداً أروع أطروحة وأنضـجها لادارة شؤون الحياة الانسانية . ففي الحقل الاقتصادي عرض الامام (ع) نظاماً متكاملاً لعلاج المشكلة الاقتصاديّة، وظاهرة الانحراف عن خطّ العدالة الاسلامية في التوزيع، وحدّد برامج واضحة لتجاوز الأخطاء المتراكمة في مسألة توزيع المال بين الناس من خلال منهاج التسـوية في العطاء . ولم يلتمس الامام (ع) المواقف الوعظية في علاج المشكلة الاقتصادية ، وإقرار العدالة في المجتمع فحسب، وإنّما سلك إلى جانب مخاطبة الضمائر والاستفادة من رصيد الايمان بالله فيها ، سلك سبيل استخدام الضوابط القانونية في تحقيق التوازن والعيش الرغيد ، وإنهاء دور الظّلم في المجتمع؛ ومِن أجل ذلك استردّ الاموال الّتي تدفّقت على جيوب فئة من الناس من غير حق ، وسلك سبيل مراقبة طرق جباية الاموال ، وكيفية توزيعها على قطاعات الاُمّة، كما شدّد على مراقبة ولاته في الامصار، واستحدث نظام المراقبة والتفتيش ليحيط علماً بتصرّفاتهم وممارساتهم . ومن هنا تجد الكثير من النصوص الّتي يوجِّه فيها الامام (ع) والياً أو جابياً للمال باتّجاه الطريقة المثلى في عمله المناط به، كما نجد نصوصاً يوبِّخ فيها الامام (ع) ذلك الوالي أو يستدعيه للحساب أو يعزله عن منصبه لخيانة الأمانة الّتي اُنيطَت به . وكما وضّح الامام (ع) مناهجه القويمة المجسِّدة لشرع الله تعالى في المال ، كذلك فعل بالنسبة للادارة وشؤون القيادة الاُخرى في المجتمع، فعلى الرغم من كثرة النصوص الّتي حفظها لنا نهج البلاغة وكتب السـيرة الاُخرى الّتي يحدِّد (ع) فيها مسؤولية الولاة والعمّال على البلدان ، وما ينبغي أن يلتزموا به في حياتهم العملية ، يضع الامام (ع) المواصفات الواجب توافرها في شخصية الحاكم المسلم سواء أكان حاكماً عامّاً للاُمّة أو حاكماً محلِّيّاً ، ونكتفي هنا بذكر نماذج من هديه وتوجيهاته بهذا الصّدد : « وقد عَلِمْتُهم أنّه لا ينبغي أنْ يكونَ الوالي على الفروجِ والدماءِ والمغانمِ والاحكامِ وإمامةِ المسلمين : البخيلَ ، فتكونَ في أموالِهِم نَهْمَتُهُ ، ولا الجاهِلَ فَيُضِلُّهُم بِجهْلِهِ ، ولا الجافيَ فَيَقْطَعَهُم بِجَفائِهِ ، ولا الحائِفَ للدُّوَلِ فَيَتَّخِذَ قوماً دونَ قَوْم ، ولا المُرْتَشيَ في الحُكْمِ فَيَذهَبَ بالحُقوقِ، ويَقِفَ بها دونَ المقاطِعَ ، ولا المُعطِّلَ للسنّةِ فَيُهْلِكَ الاُمّة »(415). « مَنْ نَصَبَ نفسَهُ للناسِ إماماً، فَلْيَبْدَأْ بتعليمِ نفسِهِ قَبْلَ تَعليمِ غيرِهِ ، ولْيَكُن تأديبُهُ بسيرَتِهِ قَبْلَ تأديبِهِ بلِسانِهِ ; ومُعلِّمُ نفسِهِ ومُؤَدِّبُها أحقُّ بالاجلالِ مِن مُعلِّمِ الناسِ ومُؤَدِّبِهِم » (416) . « لا يُقيمُ أمرَ الله سبحانه إلاّ مَنْ لا يُصانِعُ ولا يُضارِعُ ، ولا يَتَّبِعُ المطامِع » . وإذا شـئنا الرّجـوع إلى أوسع نصّ لتحديد مواصفات الحاكم المسلم ، ففي عهد الامام (ع) إلى مالك الاشتر حين ولاّه على مصر غنىً عن طرح أي دليل آخر ، حيث اشتمل العهد المذكور على كلِّ مُستلزمات القيادة الصّالحة ، وما ينبغي أن تنهض به من مسؤوليات في حياة الاُمّة على الصعـيد الاجتماعي ، والسياسي ، والاقتصادي ، وسوى ذلك من شؤون . كما حدّد العهدُ بِعُمق ووضوح كلَّ ما يتطلّبه المجتمع وما ينبغي للحاكم المسلم النهوض به عبرَ مسؤولياته القيادية ، كي يستجيب لطموحات الاُمّة الّتي يدير دفّة حياتها . ومن المناسب أن نشير هنا إلى أنّ عهد الامام (ع) إلى واليه الأشتر قد انطوى على أفكار اجتماعية غاية في الأهميّة ، فقد تناول الامام (ع) تركيبة المجتمع ، والقوى المؤثرة ، والقطاعات الضرورية فيه ; تناول خبير مُلِمٍّ بها ، فقد درسَ الامام (ع) أهميّة القطاع الزراعي وأثر التجار والقضاة والولاة والجنود في مسيرة المجتمع وبناء الحضارة ، وحدّد كيفية التعامل مع تلك القُوى المهمّة في المجتمع ، وحدّد مسؤوليات السّلطة العُلْيا تجاه كلّ واحـدة مِن تلك القُوى الفاعلة في الحـياة العامّة؛ كما ذكر القطاعات الضعيفة من أهل اليتم والشيخوخة وسواهم ، ممّا يعتبر وجودهم طبيعياً في المجتمعات ، فدرس حالهم وحدّد العلاج لما يُعانون (417) . هذا وقد سبق الامام (ع) علم الاجتماع الحديث في دراسـته للمجتمع وتحديد المؤثرات فيه بزمن طويل ، ممّا يستحق أنْ يحمل بجدارة لقب مؤسِّس علم الاجتماع والواضِع لِلُبْناتِهِ الاُولى ، رغم الاختلاف في الرؤية والمنهج الّذي يعتمده الامام (ع) .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|