|
إنّ صورة الإسلام وضعها الله تعالى جميلة، فلا تحتاج إلى تزيين أحد، ولا إلى تزويق أحد. لأنّ هذه الصورة البهيّة، ما هي إلا ّ مجموعة كبيرة من الصورالمنسجمة المتناسقة فيما بينها، وفي مجموعها تتشكل صورة الإسلام الكليّة. هكذا أراد الله سبحانه وتعالى، أنْ يكون الاسلام. أنْ يكون منظومة تستوعب الكون باسره، حتى تؤثر فيه ارادة الله سبحانه، لا العكس فيكون الإسلام تابعاً للكون، بمعنى ان يكون الاسلام متلقياً من الحياة.
إنّ كلّ تعاملات الحياة تتلقى قوانينها من الإسلام (حسب التصور الاسلامي للموضوع). لذا أصبح الإسلام خارج حركة التاريخ، فالتاريخ لا يؤثر بالاحكام الثابتة على الاطلاق، فما اقرت الشريعة من حلال أوحرام مثلا، باقِ على مرّ الزمن حتى نهاية التاريخ.
هذه المركزية الثابتة للاسلام، الفاعلة بالتأثيرعلى سيرورة الحياة، يقابلها شيء من اللامركزية في مفاصل أخرى، أراد الله تعالى أنْ يترك أمر تدبيرها للانسان، حتى تحصل حالة المرونة والتطور في الاسلام، فالاجتهادات التي تغطي احتياجات الانسان، الحاصلة جرّاء التقدم العلمي، وتطور العقلية البشرية، وصعود الحياة في سلم الارتقاء، هذا الهامش ترك فيه العمل، لنشاط العقل الانساني، لتغطية احكامه الشرعية، ولكن اعتماداً على قواعد فقهيّة أصوليّة، وضوابط علميّة محددة، يصل إلى مطالبها أهل الاختصاص من الفقهاء، لإشغال منطقة الفراغ الحاصل، في المنطقة المسكوت عنها من الاحكام، إزاء مستجدات الحياة، وهي في حركة مستمرة، من النمو والابداع، والتطور المتواصل. فتملأ هذه المناطق بالاحكام الشرعية، ليكون موقف الإسلام واضحاً قبال كلّ متطلبات الإنسان في حياته.
هذه هي باختصار خارطة الموقف الاسلامي، بموجب الرؤية الكليّة الشاملة، لهذا الدين المتكامل. لكن الملاحظ بشكل جلي، محاولة البعض تجزيئ هذه الصورة الكلية المتكاملة، لأسباب كثيرة منها ؛ الفهم الناقص للإسلام، وفي بعض الأحيان تعارض الإسلام مع التصورات الشخصية، لهذا الانسان او ذاك، فيلجأ البعض إلى حالة الإجتزاء من الإسلام المجيد. فمثلاً عندما يريد شخص ما أنْ يضفي المشروعية،على قضية ترضي مزاجه، أو تشبع هواه من جهة، ومن جهة ثانية يريد هذا الانسان، أنّ لا تتصادم رغبته مع الشريعة الغراء، فهو يرغب بالاحتفاظ برضا هواه ومزاجه، لكن تحت غطاء شرعي. فمثلاً ان شخصاً يريد ان يطبق احكام الاسلام في الحياة لكن الاغراء المادي يلح عليه، بأن يعمل في مصنع لإنتاج المشروبات الكحوليّة، لوجود امتيازات مادية لا تتوفر في عمل آخر. وبدلا من أنْ يلجأ هذا الشخص، إلى ذوي الاختصاص الفقهي، ليستوضح منهم موقف الإسلام من موضوع ابتلائه، ويعمل على ضوء حكم شرعي محدد. نراه يبني لنفسه موقفاً شرعياً، يستنتج منه حليّة عمله، بحجة انّه يعمل في بلاد أجنبية، وأهل هذه البلاد، يعاقرون الخمرة سواءاً عمل، أو لم يعمل في انتاج هذه المسكرات، فالامر سيّان.
وبناءاً على هذا الاستنتاج، فإنّ هذا الشخص يكسر قاعدة شرعية، ويؤسسس لموضوعه قاعدة مستوحاة من رغباته موهماً نفسه أنّه يسير في المسلك الآمن من القضية. وكذلك الامر عينه يتكرر ولكن بصورة اخرى، عندما يحاول البعض الآخر أنْ يصنع إسلاماً يرضي العقليّة الغربيّة، فيبدا بتطويع أحكام الإسلام، بناءاً على المنظور الغربي لقضيّة معيّنة. بمعنى تكييف الإسلام لإرادة غير الإسلامي. واذا كان هذا مسلك بعض المثقفين، الذين يحرصون كلّ الحرص، التمظهر بصورة الانفتاح والتقدميّة، أمام الآخر الغربي، الذي ينظر إلى الإسلام بنظرة التخلف. وأساس هذا الموقف الذي يتبناه بعضنا، نابع من حالة تناقضيّة ولدت في عالم المسلمين، والصقت بالاسلام خطأ وعنوة أيضاً.
فالتطرف الذي يعاني منه العالم، خصوصا بعد احداث 11 سبتمبر 2001، وضع المسلمين في جميع انحاء العالم بموقف حرج جداً. هذه حقيقة لا يمكن تجاوزها على الإطلاق. والتطرف أساساً له حيثياته، التي ساهم في انتاجها الغرب نفسه، بمساعدة بترول المسلمين، الممسوك بيد حكام العرب المسلمين، إضافة الى الغطاء الشرعي لمنهج تطرف المسلمين (أُأكد تطرف المسلمين، وليس تطرف الإسلام)، وهذا الموضوع أصبح بحكم الحقيقة، نتيجة لاشباعه بمعطيات البحث والتوثيق والدراسة.
|