|
الاتفاقية الامنية بين سندان قرار السياسيين ومطرقة التاريخ
من الصحيح القول ان العراق ما زال يحتاج الى الكثير من الوقت لبناء قواته العسكرية الغير مؤهلة بان تقوم بالمهمات العسكرية للبلد من حيث المحافظة على الحدود ومن حيث المجابهة العسكرية للارهاب والتي هي من اصعب المجابهات التي تواجهها اكبر الجيوش العالمية ، فكيف بجيش بسيط حديث النشأة .
وهذا الامر يتطلب اجراء اخر لاسيما وان تفويض الامم المتحدة لقوات الاحتلال للقيام بعملياتها العسكرية داخل العراق قارب على الانتهاء ، وهذا الاجراء يتعلق بالاتفاقية الامنية طويلة الامد مع الولايات المتحدة المزمع التوقيع عليها بين البلدين والتي هي في طور المفاوضات.
ومن المعروف ان العراق الان هو تحت طائلة البند السابع من ميثاق الامم المتحدة التي اعتبرت العراق وفقا لهذا البند بلد يشكل خطرا على دول الجوار والمنطقة ، وبهذا ان التوقيع على هذه الاتفاقية سيخرج العراق من هذا البند وسيدرجه في مصاف الدول الديمقراطية التي تسعى للسلام ، وهذا الامر لو تم سيكون خطوة في غاية الاهمية وسيضع العراق في دائرة الدعم اللامحدود من قبل الدول الكبرى فضلا عن باقي دول العالم الساعية لدمقطرة العالم.
ولكن ... قبل التوقيع على هذه الاتفاقية لابد من دراستها من جميع الجوانب لكي يكون العراق مسؤولا عن التوقيع على هذه الاتفاقية التي هي من اخطر الخطوات التي يخطوها العراق على مر تاريخه السياسي الحديث.
الاتفاقية اثارت حفيظة عددا من السياسيين والمثقفين ، بسبب ما يشوبها من غموض وسرية تامة.
وقبل البت بهذه الاتفاقية لابد للقائمين عليها الالتفات الى جميع الملاحظات لكي يخرج العراق من حالة الاحتلال الى حالة التحرر والسيادة ، ومن جملة الملاحظات التي سجلتها على هذه الاتفاقية:
1- ان امريكا استخدمت سياسية لي الذراع مع العراق في هذه المسألة بدليل تقصيرها المتعمد بعدم اعداد وبناء وتسليح الجيش العراق الذي ما زال لحد هذه اللحظة لا يملك اسلحة يمكن ان يقال عنها بانها اسلحة بيد جيش يحمي حدود بلده. فبعد خمس سنوات من الاجتياح الامريكي للعراق ، اوصلت امريكا الامور بان تضع العراق تحت مطرقتها ، بانه اما ان يتم التوقيع على الاتفاقية معها، واما ان تترك الساحة فارغة وتخرج امام كل التحديات التي يواجهها العراق ومؤسسته العسكرية الناشئة.
2- ان هواجس السياسيين العراقيين كشف عن شعورهم بهذا الضغط بدليل ان الحكومة العراقية لم تكشف عن الوفد العراقي المفاوض قبل اعلان مستشار الخارجية الامريكي في مؤتمره الصحفي الذي عقده في بغداد بان من يرأس الوفد العراقي هو نائب رئيس الوزراء برهم صالح ، وهذا ما اكده رئيس المؤتمر العراقي احمد الجلبي الذي قال بالحرف الواحد " انه لم يعلن ما هو المطلوب من العراق توقيعه ، فالعراق الان يفاوض امريكا ، والشعب لا يعلم ما هي الامور التي يتفاوض عليها حتى نحن نتقصى المعلومات من الصحف الامريكية وليست العراقية ".
3- ورد في ديباجة المسودة بالفقرة (أ): ((اذ يدركان ان الولايات المتحدة والعراق ملتزمات بتطوير علاقة تعاون وصداقة طويلة الامد بينهما بصفتهما بلدين كاملي السيادة متساويين ومستقلين لهما مصالح مشتركة واذ يدركان ان تطوير مثل هذه العلاقة سوف يكون لصالح البلدين والمنطقة كذلك)).
وهذا الامر لا ينطبق على ارض الواقع ، على اعتبار ان أي اتفاقية بالعالم تبرم وتوقع بين طرفيين متساويين في السيادة والقوة والارادة ، وهذا الامر غير مستحصل على مستوى العلاقة بين العراق والقوات الامريكية التي هي اساسا محتلة للعراق ومالكة لسيادته ، وبهذا ليس هناك أي مصداق يتفق مع مفهوم (التفاوض) الذي هو غير مستحصل اساسا، وسيكون عبارة عن أملاءات من قوة عسكرية مهيمنة على دولة ضعيفة ناشئة، وهي بهذا تشبه الى حد كبير بما يسمى بـ(عقود القاصر) كما يعرفه اصحاب الاختصاص من القانونيين، الذي لا يسمح له ان يوقع على أي اتفاق او عقد كونه قاصرا وتحت وصاية الغير.
ثم حتى من الناحية العقلية ، هذا الامر مرفوض جملة وتفصيلا ، والا هل من المعقول ان يفاوض طرف مسيطر على بقعة معينة مع طرف مسيطر عليه من اجل البقاء او عدمه ؟.
وقد يقال ان الولايات المتحدة الامريكية عندما عقدت اتفاقياتها السابقة مع اليابان وألمانيا وعدد من الدول كانت فيها هي الطرف الاقوى والمسيطر .
ويجاب عليه ، انه في ذلك الحين كانت هذه الدول تتصارع على مصالحها في حرب متكافئة الى حد ما ، قبل ان تنتصر امريكا وتخسر هذه الدول ، اما العراق فانه لم يدخل حربا انما امريكا هي التي جائت واحتلته بحجة امتلاكه لاسلحة الدمار الشامل ، وتخليص الشعب العراقي من دكتاتورية النظام السابق. وما دامها جائت لتخليص الشعب العراقي فلماذا تلزمه بهذه الاتفاقية ؟ ولماذا يقدم العراق تنازلات ويعطي لامريكا صلاحيات وحصانة منقطعة النظير؟
4- البنود المتعلقة باعتقال العراقيين من قبل القوات الامريكية لم تتغير عما يقوم به الامريكان في الوقت الحالي ، فالاتفاقية اعطت للقوات الامريكية الحق باعتقال أي عراقي وزجه بسجونها حتى لو كان بريئا وهذا الشيء هو نفسه الذي تقوم فيه هذه القوات اليوم باعتقال العراقيين بطريقة لا تراعي ابسط مبادئ حقوق الانسان ، واذا كانت هذه الطريقة تبقى كما هي ، فاي سيادة يريدها العراق اذا كان ابناءه تحت رحمة الدولة المحتلة ، ثم كيف يسمح لهذه القوات التي سارت فضائحها في طريق مدة احتلالها للعراق ، والتي بينت واوضحت امام العالم طريقتها البربرية في التعامل مع السجناء والمعتقلين العراقيين.
5- البنود المتعلقة بادخال جنود بدون عدد من امريكا ومن دول متحالفة معها ومنح الحصانة للشركات الامنية صاحبة العلاقة الغير جيدة مع العراقيين الذي لاقوا ما لاقوا من ممارسات لهذه الشركات البربرية والتي كان اخرها مجزرة ساحة النسور والكرادة.
5- الطلب الامريكي بالاعفاء الضريبي لكل عقودها ، وهذا الامر وحده هو نزعا للسيادة العراقية. وطلبها السيطرة على الفضاء الجوي العراقي وحق العبور من الخارج ، وتقرير التهديد لامن العراق وتقرير الرد.
6- الضغط الامريكي على السياسيين العراقيين لاسيما البرلمانيين ، واخرها هي القائمة الامريكية التي صدرت في واشنطن للنواب والسياسيين الرافضين للاتفاقية ومنهم رئيس كتلة التضامن قاسم داود التي عبر عنها بالقائمة التي تناقض ابرز مقومات السلوك الاخلاقي.
اقول: من المعيب حقا ان يدرج الرافضين لهذه الاتفاقية في قائمة المخالفين والمتقاطعين من التوجه الحكومي ، فالدولة نفسها تقول مرارا وتكرارا ان الاتفاقية لا تمرر اذا لم تمر من البرلمان العراقي ، اذن فما الضير ان يرفضها الرافضين ؟ وما الضير ان يبدي العراقيين بمختلف مستوياتهم الثقافية والسياسية ارائهم بهذه الاتفاقية.
ثم ان المسألة مسألة وطنية بحتة تخص كل من حمل الجنسية العراقية بحكم المشتركات المتساوية بين العراقيين من رئيس الوزراء الى اصغر مواطن ، وعليه فان المصلحة العراقية لا يراها من هم مناصرين لهذه الاتفاقية فقط ، انما الرافضين هم اساسا ينطلقون من هذا المنطلق .
واخيرا ... المسألة في غاية الحساسية وفي غاية المسؤولية ، وعلى الذين يريدون التوقيع على هذه الاتفافية عليهم اولا ان يبرؤوا ذمتهم امام الله اولا وامام التاريخ ثانيا وامام الشعب ثالثا قبل التوقيع عليها ، لان في نهاية الامر ان الاجيال القادمة ، اما ان تترحم عليهم وتكتب اسمائهم باحرف من ذهب في التاريخ ، واما ان تلعنهم . والله من وراء القصد
* كاتب واعلامي عراقي
|