مشاركاتكم
 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

الثقافة الجنسية في عصر الإعلام الفضائي/ رهف المهنا

يعتبر الإعلام ووسائله المكوّن الرئيسي للرأي العام كما أنه يساعد في ترسيخ ثقافة معينة في المجتمع ويحض على إتباع طريقة في التصرف والحياة ويرسخ مفاهيم معنية في أذهان المتلقين ، ويمكن أن نذهب أبعد من ذلك في اعتبار الإعلام يساعد بشكل كبير في صنع أحلام الناس فهو يدخل إلى بيوتهم أينما كانوا ومن أي طبقات اجتماعية ليدغدغ أحلامهم وأمانيهم صغيرة كانت أم كبيرة من غير أن يشعروا بذلك بواسطة مواده ومخرجاته المختلفة والمتنوعة.
وقد خطت في هذا المجال وسائل الإعلام طريقا طويلة حتى وصلت لتبلغ البيوت وتعيش في الأذهان وتحرض على الأفعال، وتساوم على تأثيرها الكبير على ما ترغب في نشره لدى جمهور المتلقين.
ولعل الإعلام فيما مضى كان يحمل أفكارا ثورية وثقافية ساعدت في ترسيخ مفاهيم ثابتة وتقدمية لدى الجميع ساهمت فيها حاجة المرحلة وإقبال الجمهور على كل ما كان يتبناه الإعلام ويحمل رايته من مبدأ الثقة فيه.
ولكن اليوم قد بات الإعلام الغربي أو العربي متنوع وواسع المجالات بحيث بات للمتلقي خيارات واسعة ومفاهيم مختلفة، في الوقت الذي لم يعد الهدف من أي وسيلة إعلامية فقط نشر رسالة اجتماعية أو مضمون ثقافي معين، في الوقت الذي دخلت فيه المصالح المالية والرأسمالية والاحتكارات في ملكيته لهذه الوسائل إن كان لدى الغرب أو في منطقتنا العربية، بحيث أدخلت المفاهيم الخاطئة وكرست لثقافة مغلوطة وسطحية لا تمس جوهر ورسالة الإعلام أينما كان.
وذلك بات واضحا وجليا في منطقتنا العربية، فقد تنامى استثمار الرأسمال العربي في الخارج، وفقا لآخر الدراسات والأبحاث ، وعزز سيطرته واحتكاره لفصيل خاص من الإرسال الفضائي ، المتمثل أساسا في قنوات الجنس والإباحية، فهناك أكثر من 320 قناة فضائية على القنوات الفضائية الأوروبية على الأقمار hot bird و fulel sat و astra و kopernikus مملوكة لرجال أعمال عرب باستثمارات تفوق 460 مليون يورو، كما أن رجال الأعمال العرب الذين أقاموا قنوات جنسية على الأقمار الصناعية الأوروبية جنوا مكاسب تخطت المليار يورو خلال سبع سنوات فقط،” . كما أن الشركات الأوروبية التي تعمل في مجال الأقمار الصناعية بالشرق الأوسط يزيد الطلب عليها البطاقات المشفرة الخاصة لفتح القنوات الجنسية ذات الاشتراكات الشهرية أو السنوية.
فهل يحتاج المواطن العربي، الأمي، الفقير،الجاهل ، العاطل ، المريض، العاري ، إلى كل هذا الكم الهائل من قنوات الترفيه والتسطيح والأفلام والإباحية ؟ وهل ضاق بالرأسمال العربي المجال للاستثمار في الإنتاج الهادف للصورة ، والتكوين الجاد للمشاهد العربي ؟؟؟؟
نبتة الخس
نتيجة لكل ذلك فقد بات الإعلام العربي كما شبهه أحدهم كنبتة "الخس" ثلث أرباعها للرمي في القمامة.
فقد بات ينشر مفاهيم خاطئة لأمور حساسة جدا كمفهوم الجنس بحيث بات مرتبطا فقط بما يراه المتلقي على الشاشات والقنوات الإباحية والأغاني الهابطة والصور السطحية التي كرست لهذا المفهوم لدى جيل وعى على اعتبار الجنس مرتبط بهذا الأمر فقط و ترسخت لديه مفاهيم جنسية مفرغة من مضمونها الرئيسي وبعيدة كل البعد عن ثقافة الجنس الحقيقة التي على الجيل أن يحملها بداخله والتي تقع مسؤولية تشويهه الرئيسية على الإعلام.
وحول هذا الموضوع التقت سورية الغد الدكتور عربي مصري المحاضرفي قسم الإعلام بجامعة دمشق الذي أكد في البداية أن التطرق لموضوع حساس كالثقافة الجنسية يجب مراعاة خصوصية الموضوع أي أن على الإعلام أن يتعامل معه بطريقة مختلفة عن أي موضوع آخر ، فهو له خصوصيته وهناك فئات من المجتمع تتحسس وحتى عندما يتم إدراجه ضمن مناهج في التعليم يتم التعامل معه بحساسية عالية.
فليس صحيح ما يشاع أن هناك فساد أخلاقي كبير في الغرب و ليس له ضوابط أو قوانين فقد يكون هناك خلاف عادات ولكن دائما الصحيح والخطأ واحد في كل العالم ، لذلك حين التعامل مع الموضوع يجب مراعاة حساسيته .
كما أن الحديث في هذا الموضوع يجب أن تكون من مصلحة عامة وليس من مصلحة نشر ثقافة لأننا لسنا بحاجة لنشر ثقافة عن الذريات مثلا والمجتمع ليس بحاجة لها ، ومن المعروف أن العرب كان الأوائل ممن قدموا تنظيرات في علم الجنس ، فيجب التعامل معه من منطلق كيف سيفيد الشباب ويحسن حياتهم ، فحين تكون البنت على دراية محددة بمستوى ثقافة جنسية جيدة فممكن أن يحميها هذا من الاغتصاب أو من التعرض لمواقف محرجة أو أن يحميها من استخدام ألفاظ ومفردات هي لا تعلم معناها الدقيق ، فيجب أن يكون من منطلق مصلحة خاصة.
والمشكلة الكبيرة التي لدينا أن الإعلام وخاصة الفضائي قدم ثقافة جنسية رخيصة وسطحية وعكس المعنى الحقيقي لكلمة ثقافة التي هي عادات وتقاليد وتربية وأخلاقيات وآداب ،فقدم لها الشكل الخاطئ سواء من ناحية الملبس والظهور والألفاظ وطريقة الكلام فكلها أصبحت تقدم خطوات خاطئة ، والخطورة الأكبر أن هذا الإعلام في الباطن هو إعلام عربي أي عندما أختار قناة غنائية فأنا أشاهد قناة عربية والمفروض أن لا يشكل مشاهدتي لها خطورة على أهل المنزل.
غياب الحذر
كما أن المشكلة تتمثل بعدم الحذر لأن القنوات تقدم هذا المضمون الهابط وتحت مسمى عربي ، فليس هناك حذر من الجمهور تجاه هذا الإعلام لأنه يعتبره إعلام يدخل بيته من مجتمعه ومنافذه، والمشكلة الكبيرة التي تحدث أنه عندما لا يكون هناك حذر فالرسالة تكون سهلة الوصول بينما عندما يكون لدي قنوات إباحية علنا ولكن لدي حذر في التعامل مع هذه القنوات فمكن أن أحذفها أو أشفرها أو أضع لها كلمة سر ، ولكن المعضلة هي في القنوات التي من المفروض أن لا يكون فيها شيء خارج عن القيم والأخلاق نجد عدم الحذر تجاهها ، بحيث تتعامل مع الكليبات والعروض الفنية والبرامج الواقع بهذه السخرية كبرنامج ستار أكاديمي مثلا.
فمشكلتنا في العالم العربي أنه ليس هناك حذر في قنواتنا وهي تحتاج إلى تشفير أكثر من القنوات الغربية.
ففي أوروبا هناك مجموعة قنوات متعددة المضامين ففرض على القائمين وضع إشارة حمراء أو صفراء ليأخذ المشاهد حذروه مما يشاهد ، وحتى أكثر من ذلك، فيمكن للمشاهد أن يلقم التلفزيون فعندما تظهر الإشارة الحمراء مثلا لا يشعل ، واليوم فرضوا عليهم بميثاق الشرف الأوروبي تعقيدات أكبر فلا يكفي الإشارات فقد يكون هناك جمهور ليس لديه علم بالإشارات ففرضوا عليهم وضع العمر الذي يناسب لمشاهدة فيلم معين أو برنامج محدد .
العيب والحرام
كل مجتمع له محاذيره وتقاليده فأميركا ليس لديهم كلمة العيب ولكن بالمقابل لديهم كلمة خطأ التي يحاسب عليها القانون، في حين السويد ليس لديهم خطأ والقانون ليس بهذه الصرامة وليس لديهم عيب أو حرام ولكن الأخلاق هو الذي يحكم في التصرفات.
أما في الوطن العربي، الأكبر من العيب هو الحرام فالدين والمعتقد هو الذي يحكم ، والمعتقد لا يتنافى أبدا مع المعتقد والثقافة والمعرفة الخلاقة والمفيدة التي تساعد الشاب والشابة في تحصيل أنفسهم وبلوغ حياة آمنة أسرية غير قابلة للانهيار تحت أي ظرف كان .
إذا كان العلم يوصل بأداة صح وبأسلوب صحيح فلا عيب في الدين ولكن نحن لدينا مشكلة إما في أداة التوصيل أو مشكلة في المضمون، فتحت عنوان الثقافة الجنسية أسطح وأسخف الموضوع.
وأحيانا يكون طريقة عرض الموضوع تتخطى الطريقة التعليمة والتوعية فأبدا ليست العادات والتقاليد ولا الدين يقول أن انتشار المعرفة المفيدة النافعة لحياة الإنسان هي غلط أو عيب.
محاولات جريئة
الإعلام السوري الخاص بدأ بمحاولة الخروج من القوالب الجامدة ومن أطر الصحافة الرسمية الحكومية والتقليدية وهناك هجوم كبير على هذه الموضوعات ولكنها ليست مدروسة بالطريقة السليمة ، فأكثر القنوات اليوم تقدم معظم برامجها عن المثلين وعن الجنس ولا يوجد صحيفة لا تكتب عن بنات الليل والشواذ ، فهناك هجوم كبير تحت شعار أننا نريد أن نكون متحررين نناقش بمواضيع حساسة فيكون الطابع هجوم والمضمون ليس على مستوى ، فقيمة الموضوع لا تتناسب مع طرح الإعلام الخاص ولكن المشكلة ليست في الكم بل في النوع .
وما ينقص الإعلام العربي في الخوض في هذه المواضيع هي طريقة الطرح المناسبة وأن يكون هناك غائية واضحة ومعروفة للموضوع.
أما فيما يخص المجتمع واحتمال تقبله فإنه يتوقف على فئات ومستويات كل مجتمع، فهناك بعض الفئات التي لا تتقبل وهناك أخرى أقل وعيا بمناطق نائية بيئتها أكثر تشدد ،ولكن بشكل عام عندما نجد الطريقة الصحيحة والتي تقنع الناس بإفادتها لن يكون هناك من يقف ضدها ولكن المهم أن نناقش الإنسان بلغته وبطبيعته ولا نترفع عليه.
في النهاية
يبقى أمر التوعية بموضوع الثقافة الجنسية أمراً لا يقع على عاتق الإعلام وحده بل هو مفهوم واسع على جميع الجهات أن تساهم في ترسيخه، بحيث نجعل طفلنا يدرك ويفهم جسده بالشكل المناسب ويكبروهو يحمل في داخله هذا الوعي الجنسي والثقافي ، ولكن يعود للإعلام مهمة أن يعي الرسالة التي يطلقها بحيث لا تتشوه المفاهيم على إثرها.
المصدر : سورية الغد

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2008 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R