|
تؤكد وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس أن حرباً باردة جديدة لن تكون لها قيامة جديدة بعد ما انتهت مطلع التسعينات من القرن الماضي، ولكن هذا لا يعني أن الأجواء التي شهدها العالم اليوم والمتغيرات التي سبقتها ومهدت لها ليست أجواء شبيهة بأيام الحرب الباردة، ولا يعني أيضاً أن الحرب الباردة ليست على الأبواب ولكن ضمن شروط ومعطيات جديدة فرضتها الصورة الجديدة للعالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في العام 1991 .
صورة العالم اليوم، تبدو أكثر قلقاً وفوضى وأشد توتراً وتشنجاً من أيام الحرب الباردة التي كانت تمنح السياسة الدولية والتحالفات نسيجاً هادئاً نسبياً بفضل الثبات في التوازن الدولي الذي كان يستمد ثباته هذا من مركزي استقطاب عالميين متمثلين بموسكو وواشنطن.. أما الصورة اليوم فتظهر بشكل قاتم وضبابي ومثير للقلق نتيجة اختلال تلك الموازين ورجحان الكفة نحو الولايات المتحدة الأمريكية التي أرست ما اصطلح على تسميته بالنظام العالمي الجديد بقيادة واشنطن.
ولا شك في أن تجربة هذا النظام على مدى سبعة عشر عاماً بشكل عام، والأعوام الثمانية الأخيرة بشكل خاص أثبتت عدم قدرة القطب الواحد على التلاؤم مع صورة العالم بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، بل إنه وأكثر من ذلك أظهر مستويات من الفشل والارتباك والغوص في مستنقعات أوجدها بنفسه وغرق فيها مع بعض من كانوا يتوسمون خيراً في النظام العالمي الجدي ما حدث في أفغانستان وهجمات الحادي عشر من أيلول واحتلال العراق وتأزم الأوضاع في دارفور السودان وانهيار الصومال وهذا الصعود العالمي المتنامي للحركات الأصولية والسلفية والتكفيرية والحرب على "الإرهاب"، يضاف إليها الحرب الإسرائيلية على لبنان في تموز 2006 وصولاً إلى الصراع الناشئ في القوقاز بتحريض وتغلغل أمريكي أصبح سافراً ومعلناً.. هذا كله ومع ما حمل من تداعيات يوصل إلى نتيجة وخلاصة واحدة مفادها أن تواجد إصبع القطب الواحد ـ الأمريكي في هذه الأماكن ساهم في خلق الفوضى ونشر أجواء التوتر على نحو استفرادي وصلف، وبعيداً عن أجواء ترتيب الحسابات السياسية والإستراتيجية التي كانت سائدة أيام الحرب الباردة والتي كانت تتحكم وتضبط التوازن الدولي بفعل وجود قطبين رئيسيين في العالم.
قد لا نكون اليوم في مواجهة حرب باردة على النحو الذي كانت عليه سابقاً ووفق النمطية التي سارت عليها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، إنما يمكن أن نكون في مواجهة محاولة لرسم صورة جديدة للعالم وتوازناته، فرضتها التجربة الأمريكية وما رافقها من إخفاق في الإمساك بدفة قيادة العالم من جهة أولى، بالتزامن مع المتغيرات التي شهدتها أوروبا على وجه الخصوص في السنوات القليلة الماضية من جهة ثانية.. هي صورة ليست بعيدة عن التحقق مستقبلاً فيما لو استندت إلى معطيين واقعيين اثنين:
الأول: أوروبا التي تبدو اليوم كالزوج المخدوع، لأنها قد استفاقت من سكرة "المقلب" الذي شربته بالملعقة والكأس الأمريكيين عندما انتهجت وعلى مدى السنوات الماضية سياسة اصطفافية خلف الإدارة الأمريكية، ما أدى إلى غياب دور أوروبي مستقل وفاعل على الساحة الدولية ويملك من التمايز والاختلاف عن الموقف الأمريكي ما يمكنه من إعادة شيء من التوازن إلى عالم مختل وفق كل المعايير السياسية.
الثاني: روسيا التي حملت وزر وأعباء معظم المشاكل السياسية والاقتصادية الناجمة عن انهيار الاتحاد السوفييتي وظلت على مدى السنوات الأخيرة من القرن الماضي ومطالع هذا القرن ترتب بيتها الداخلي بهدوء وروية وهذا ما أرغمها على تشكيل غياب قسري لم تكن راضية عنه بوصفها قوة عظمى، وها هي اليوم تعود إلى الساحة الدولية لاستعادة دور ومجد افتقدتهما منذ سنوات، وهو دور تحتاجه روسيا كما يحتاجه العالم أيضاً.
بهذا المعنى يمكن رسم صورة لحرب باردة جديدة مغايرة للتي سبقتها، تقودها أقطاب ثلاثة ـ الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وروسيا ـ وتستطيع ربما وضع ملامح جديدة لعالم فقد توازنه وهو أحوج ما يكون إلى استعادته، هذا مع الأخذ بعين الاعتبار وجود مارد في أقصى الشرق ينمو ويكبر بهدوء وبعيداً عن الشوشرة والتشويش، وهو بطبيعة الحال وبما يملك من إمكانات بشرية واقتصادية ومادية وعسكرية مؤهل لأن يكون قطباً رابعاً فاعلاً على الساحة الدولية وبامتياز، هذا القطب اسمه.. الصين!.
المصدر: سوريا الغد.
|