|
إن سوء التقدير وعدم الثقة هو الذي دفع ويدفع البنوك العربية ، خاصة الخليجية ، في التوظيفات والمساهمة في المشاريع الغربية بشكل غير مدروس أو محدد الأهداف ، كما في التوظيفات العقارية الأمريكية ، التي كانت مسيرتها في موضع الشك والخوف والحذر لدى المراقبين الإقتصاديين في الصحافة الأمريكية منذ نهاية العام الماضي نظراً للعشوائية التي سادتها وجعلت العديد ينسحب منها في الوقت المناسب لأنها فاقت حاجة السوق في احتياجاتها. ولو كان أصحاب التوظيفات من العرب في البنوك الأجنبية والمشاريع الغربية من أسهم وعقارات ومشاريع مختلفة ، من خلال مؤسسات مالية ، يتابعون مصير أموالهم لشعروا بهذا الخطر قبل استفحاله وما آل إليه من مصير.
والواقع أن سوء تدبير الولايات المتحدة ، ونظام الرئيس جورج بوش الأبن ، في التشجيع على رفع أسعار البترول إلى هذا الحد الجنوني لأهداف غير مفهومة - لأنه أصلاً ينكر صلته بهذا الأمر - فإنه أدى إلى تقليص المقدرة الشرائية للمواطن الأمريكي وبالتالي فقدانه القدرة على تسديد أقساط العقارات التي اشتراها على مدى ثلاثون عاماً بقسط شهري بسيط بمعدل وسطي ، خمسمائة إلى سبعمائة دولار شهرياً ، ذهب كفارق لارتفاع أسعار البترول لسيارته وتنقلات عائلته ، وخلق ذعراً لديه مع عدم توفر السيولة بين يديه لمواجهة هذا الأمر، وامتناعه عن تسديد ماعليه ثمناً لعقاره المشترى .
وعولج الخطأ بالخطاً فطبقت كل القوانين على المتخلفين ، مما زاد من الذعر ، بدلاً من تمديد فترة تسديد الأقساط وإعطاء فترات سماح بفوائد بسيطة بدعم من البنك الفدرالي . وعندها كان بالإمكان تجاوز الأزمة التي ستكلف الخزينة الأمريكية ، مع إنفجارها، جهداً كبيراً ونفقات كبيرة وتداعيات سلبية خطيرة على الإقتصاد الأمريكي ستمتد لفترة طويلة ، والتي كان بالإمكان تجاوزها لو لم تسيًس حكومة بوش مادة النفط وتضعها في سياق خططها الإستراتيجية السياسية الفاشلة. إن الفوضى والتخبيص في ش ركات الوساطة المالية أو السمسرة أو الإستشارة ، سَمٍها كما شئت ، هي أصل البلاء بما أضحت وآلت إليه من تقارير ودراسات كمؤسسة ميريلانش المليئة ، لفترة طويلة ماضية ، بأوهام ومغالطات ساهمت في الإستكانة وضياع الأموال العربية مع تسلل الرأسمال العربي إليها بما يحمل من مفهوم ،فعكست آرائه ومبالغاته ، إلى حد رفض أي نقد أو توعية لتقاريرها رغم ماكانت تحمل من أخطاء قاتلة ، لأن مديروها غربيون . وذلك لفقدان الثقة بانفسنا وعقدة النقص لدينا ،مع كل البلاء الذي نزل بالإقتصاد الأمريكي لغباء مديريه الماليون رغم كل الشهادات العالية التي يحملونها من أكسفورد وغيرها في المالية والإقتصاد التي انهارت كلها في الإمتحان الحالي ، امام الخبرات العملية لأشخاص أمثال عبدالرحمن الجريسي ورفيق الحريري والوليد بن طلال وأمثالهم .
إن المكابرة في عدم تقبل النصيحة والحل ، هي التي تؤدي إلى هذه الخسائر الجسيمة المتوالية التي تنزل بالأسواق المالية الخليجية التي يعجز مسؤوليها عن تقديم الحلول للخروج من المأزق وللأسف . وإن تغيير المديرين ، لن يؤدي إلى أي نتيجة مع التقيد بالنهج العقيم المتبع . فلازلنا نستهلم المناهج الغربية التي تعلمناها في جامعاتهم للخروج من المأزق دون جدوى بل ومستحيل . لأن التطور الإقتصادي ليس نصاً جامداً تضمه صفحات كتب ، بل هو واقع متطور مملؤ بالمفاجاءات اليومية مع تطور الحاجات وبناء المجتمعات وتقدمها أو تراجعها، يقتضي أفكاراً وخبرات ملائمة ، يمتلك قسماً منها من الكتب لاختصار الوقت ، إما خبرة الحياة العملية فهي أعظم شأناً، خاصة لمن حاز ملكة الفهم الإقتصادي وسرى في دمه .
عندها تصبح معالجة أمر الأسواق المالية العربية ، التي هي اشبه بالجرح النازف في كل قلب عربي غيور ، أمراً ممكناً بل وسهلاً بإعادة تنظيمه ليصبح إيجاباً في تفعيل الوضع المالي وإلإقتصادي للمجتمع العربي وازدهار تجارته وصناعاته . أما وضعه الحالي فأمر محزن للجهالة والمكابرة التي ترعاه وللأسف . يجب علينا أن نتعلم بضرورة أخذ المبادرات العملية الملائمة بما يجري من معالجات مفاجأة في السوق الأمريكية بحيث أن الحكومة هناك قد وضعت يدها ، بما يشبه التأميم الذي كان يرفضه العقل الإقتصادي الأمريكي ، على مصرفين رئيسيين . ولكن الواقع والحاجة والضرورة والمصلحة الوطنية هي التي تقتضي هذه التدابير ولو بصورة مؤقته إلى حين إعادة صياغة الإقتصاد الأمريكي بما فرضته التطورات والمتغيرات بديلاً عن المدرسة القديمة المتبعة منذ أزمة الكساد الإقتصادي السلعي في ثلاثينيات القرن الماضي .
ولاشك أن الجميع يتابعون الأزمة المالية التي أصابت امريكا بفعل سياساتها الخرقاء وما تلاها منذ أحداث ايلول . ومعجبين بتلك التدابير المالية الحالية الغير عادية أو المتوقعة التي تتخذها الحكومة . ولكن واقع الأمر أن كل تلك المعالجات لن تحل المشاكل المالية الأمريكية الداخلية بشكل جذري إلا بعدة حلول وهي ، اما إعادة اسعار البترول كما كانت عليه قبل هذا الإرتفاع الجنوني وهي ثمانية وعشرون دولاراً للبرميل أو أن تعمد الحكومة إلى زيادة الأجور بنسبة عالية معادلة لارتفاع أثمان البترول، وزيادة التأمينات الصحية والإجتماعية للشعب الأمريكي وأن لايقل تعويضات المودعين لأموالهم في البنوك المفلسة عن مليون دولار على الأقل من مدخراتهم وليس مائة الف في بعض الحالات ومائتي الف في حالات أخرى كما اعتمد حالياً.ولكن الأسلم لمستقبل الإقتصاد الأمريكي الداخلي و العالمي هو خفض اسعار البترول إلى ماكانت عليه ، كما تخفيض اسعار المواد الغذائية التي تضاعفت أسعارها دون مبرر ، وإلا فإن معالجة الأزمة ومعافاتها ستطول جداً. كما وأن من إيجابيات هذا التخفيض ،قطع الطريق على بعض الدول المشجعة للفوضى والإرهاب في العالم . وتلك مسؤولية الولايات المتحدة التي دعمت تلك الدول والمنظات الإرهابية في الظهور بتحالفات سابقة معها وإمدادها بالمال والسلاح لمحاربة أنظمة معادية لها ، كمن يوكل الذئب بالحمل أو العصفور بالزرزور، فكانت الكلفة باهظة على الأمن والسلم في العالم.ولا شك أن لجؤ أمريكا لرفع أسعار البترول والمواد الغذائية كان من أحد أسبابه الرئيسية إمتصاص التضخم النقدي الذي تجاوبت فيه بعض الدول الغربية بصورة غير مدروسة إنعكس بالأذى على مجتمعاتها وأسواقها .
علماً أنه كان هناك طرقاً وحلولاً ع دة للجم هذا التضخم بل والقضاء عليه فيما لو اتبعت الطرق السليمة المتعددة في هذا الشأن.ولكن لاأعتقد أن أحداً يود أن يتبرع بخبرته النادرة في هذا الحقل مجاناً على العلن ، قياساً بما نراه في الصحف والإعلام من آراء وتطبيقات عقيمة أو فاشلة أكثر الأحيان .
إن الإجراءت والتدابير التي اتخذها مصرف الإمارات المركزي بتأمين تسهيلات بحوالي 14 مليار دولار هي عمل حكيم وحسن تقتضي مراقبة شديدة لعمل البنوك لإنجاح الأمر. إلا أن هذه المبادرة جاء ت تقليداً لخطوات الحكومة الأمريكية خوفاً من التداعيات السلبية ، ولولا ذلك لرفض أي اقتراح بهذا الشأن ، بل ولعد نوعاً من التخريف والجنون والهبل ،وفقاً للتدابير العشوائية اللامسؤولة في معالجة الأسواق المالية في الخليج التي تدمي القلب وتبعث الأسى للسوء والجهل التي يعتريها والمكابرة برفض أي حل لايأتي من الغرب العاجز عن حل مشكلاته.
|