|
محمد هادي معرفة
يرى أبو سليمان حمد بن محمد بن إبرهيم الخطابي البستي (توفي سنة 388) في رسالته الوجيزة التي وضعها في بيان إعجاز القرآن ـ وهو اسبق من بحث في هذا الباب ولقد أفاد وأجاد ـ : أن الإعجاز قائم بنظمه ذلك المتسق البديع ورصفه ذلك المؤتلف العجيب ، قد وضعت كلمة في موضعها اللائق بدقة فائقة، مما يستدعي إحاطة شاملة تعوزها البشرية على الإطلاق، الأمر الذي أبهر وأعجب، قال:
قد أكثر الناس الكلام في هذا الباب قديماً وحديثاً، وذهبوا فيه كل مذهب منا لقول وما وجدناهم بعد صدروا عن ري، وذلك لتعذر معرفة وجه الإعجاز في القرآن، ومعرفة الأمر في الوقوف على كيفيته. فأما أن يكون قد نقبت في النفوس نقبة بكونه معجزاً للخلق ممتنعاً عليهم الإتيان بمثله على حال، فلا موضع لها. والأمر في ذلك أبين من أن نحتاج إلى أن ندل عليه بأكثر من الوجود القائم المستمر على وجه الدهر، من لدن عصر نزوله إلى الزمان الراهن الذي نحن فيه. وذلك أنّ النبي (ص) قد تحدّى العرب قاطبة بأن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا عنه وانقطعوا دونه. وقد بقي (ص) يطالبهم به مدة عشرين سنة، مظهراً لهم النكير، زارياً على أديانهم، مسفهاً آراءهم وأحلامهم، حتى نابذوه وناصبوه الحرب فهلكت فيه النفوس، وأريقت المهج، وقطعت الأرحام، وذهبت الأموال..
.. ولو كان ذلك في وسعهم وتحت أقجارهم لم يتكلفوا هذه الأمور الخطيرة، ولم يركبوا تلك الفواقر المبيرة ولم يكونوا تركوا السهل الدمث من القول، إلى الحزن الوعر من الفعل.
هذا ما لا يفعله عاقل ولا يختاره ذو لب. وقد كان قومه قريش خاصة موصوفين برزانة الأحلام ووفارة العقول والألباب، وقد كان فيهم الخطباء المصاقع والشعراء المفلقون وقد وصفهم الله تعالى في كتابه بالجدل واللدد، فقال سبحانه: (ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون). وقال سبحانه: (وتنذر به قوماً لداً) فكيف كان يجوز ـ على ول العرب ومجرى العادة مع وقوع الحاجة ولزوم الضرورة ـ أن يغفلوه ولا يهتبلوا الفرصة فيه ون يضربوا عنه صفحاً، ولا يجوزوا الفلح والظفر فيه، لولا عدم القدرة عليه والعجز المانع منه.
قال: وهذا ـ من وجوه ما قيل فيه ـ أبينها دلالة وأيسرها مؤونة. وهو مقنع لمن تنازعه نفسه مطالعة كيفية وجه الإعجاز فيه.
ثم أخذ في بيان مذاهب أخر في بيان وجه الإعجاز، قال: وذهب قوم إلى أن العلة في إعجازه الصرفة، أي صرف الهمم عن المعارضة، وإن كانت مقدوراً عليها، غير معجوز عنها، إلا أن العائق من حيث كان أمراً خارجاً عن مجاري العادات، صار كسائر المعجزات... قال: وهذا أيضاً وجه قريب، إلا أن دلالة الآية تشهد بخلافه، قال سبحانه: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) فأشار في ذلك إلى أمر طريقه التكلف والاجتهاد، وسبيله التأهب والاحتشاد. والمعنى في الصرفة التي وصفوها لا يلائم هذه الصفة، فدل على أن المراد غيرها، والله أعلم.
قال: وزعمت طائفة أن إعجازه إنما هو فيما يتضمنه من الاخبار عن الكوائن في مستقبل الزمان، نحو قوله سبحانه: (وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين) وكقوله سبحانه: (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد) ونحوهما من الأخبار التي صدقت أقوالها مواقع أكوانها... قلت: ولا يشك في أن هذا وما أشبهه من أخباره نوع من أنواع أعجازه، ولكنه ليس بالأمر العام الموجود في كل سورة من سور القرآن، وقد جعل سبحانه في صفة كل سورة أن تكون معجزة بنفسها، لا يقدر أحد من الخلق أن يأتي بمثلها، فقال: (فأتوا بسورة من مثله). من غير تعيين، فدل على أن المعنى فيه غير ما ذهبوا إليه.
وزعم آخرون أن إعجازه من جهة البلاغة، وهم الأكثرون من علماء أهل النظر، وفي كيفيتها يعرض لهم الإشكال، ويصعب عليهم منه الانفصال. ووجدت عامة أهل هذه المقالة قد جروا في تسليم هذه الصفة القرآن على نوع من التقليد، وضرب من غلبة الظن دون التحقيق له وإحاطة العلم به. ولذلك صاروا إذا سئلوا عن تحديد هذه البلاغة التي اختص بها القرآن الفائقة في وصفها سائر البلاغات، وعن المعنى الذي يتميز به عن سائر أنواع الكلام الموصوف بالبلاغة، قالوا: إنه لا يمكننا تصويره ولا تحديده بأمر ظاهر نعلم به مباينة القرآن غيره من الكلام. قالوا: قد يخفى سببه (سبب التفاضل بين كلامين) عند البحث، ويظهر أثره في النفس، حتى لا يلتبس على ذوي العلم والمعرفة به.
قالوا: وقد توجد لبعض الكلام عذوبة في السمع وهشاشة في النفس لا توجد مثلها لغيره منه، والكلامان معاً فصيحان، ثم لا يوقف لشيء من ذلك على علة..
.. قلت: وهذا لا يقنع في مثل هذا العلم، ولا يشفي من داء الجهل به، وإنما هو إشكال أحيل به على إبهام.
وبذلك ينتهي إلى إبداء رأيه الأخير في وجه الإعجاز، قائلاً:
فأما من لم يرض من المعرفة بظاهر السمة دون البحث عن باطن العلة، ولم يقنع في الأمر بأوائل البرهان حتى يستشهد لها دلائل الامتحان، فإنه يقول: إن الذي يوجد لهذا الكلام من العذوبة في حس السامع، والهشاشة في نفسه، وما يتحلى به من الرونق والبهجة، التي يباين بها سائر الكلام حتى يكون له هذا الصنيع في القلوب، والتأثير في النفوس، فتصطلح من أجله الألسن على أنه كلام لا يشبه كلام، وتحصر الأقوال عن معارضته، وتنقطع به الاطماع عنها، أمر لا بد له من سبب، بوجوده يجب له هذا الحكم، وبحصوله يستحق هذا الوصف.
قال: وقد استقرأنا أوصافه الخارجة عنه، وأسبابه النابتة منه، فلم نجد شيئاً منها يثبت على النظر، أو يستقيم في القياس، ويطرد على المعايير. فوجب أ يكون ذلك المعنى مطلوباً من ذاته، ومستقصى من جهة نفسه، فدل النظر وشاهد العبر على أن السبب له والعلة فيه: ان أجناس الكلام مختلفة، ومراتبها في نسبة التبيان متفاوتة، ودرجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية فمنها البليغ الرصين الجزل، ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الجائز الطلق الرسل.
وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود، دون الهجين المذموم، الذي لا يوجد في ا لقرآن شيء منه البتة.
فالقسم الأول أعلى طبقات الكلام وأرفعه. والقسم الثاني أوسطه وأقصه. والقسم الثالث أدناه وأقربه، فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة، وأخذت من كل نوع من أنواعها شعبة، فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة وهما على الإنفراد في نعوتهما كالمتضادين، لأن العذوبة نتاج السهولة، والجزالة والمتانة في الكلام تعالجان نوعاً من الوعورة، فكان اجتماع الأمرين في نظمه، مع نبو كل واحد منهما على الآخر فضيلة خص بها القرآن.
قال: وإنما تعذر على البشر الإتيان بمثله لأمور، منها: أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وبألفاظها التي هي ظروف المعاني والحوامل لها، ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ ولا تكمل معرفتهم لاستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض، فيتوصلوا باختيار الأفضل عن الأحسن من وجوهها، إلى أن يأتو بكلام مثله.
.. وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة: لفظ حامل، ومعنى قائم به، ورباط لهما ناظم. وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة، حتى لا ترى شيئاً من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى نظماً أحسن تأليفاً وأشد تلاؤماً وتشاكلاً من نظمه.
.. وأما المعاني فلا خفاء على ذي عقل، أنها هي التي تشهد لها العقول بالتقدم في أبوابها، والترقي إلى أعلى درجات الفضل من نوعتها وصفاتها.
.. وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام، فأما أن توجد مجموعة في نوع منه، فلم توجد إلا في كلام العليم القدير، الذي أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً.
قال: فتفهم الآن وأعلم أن القرآن إنما صار معجزاً لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف، مضمناً أصح المعاني، من توحيد له عزت قدرته، وتنزيه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته، وبيان بمنهاج عبادته، من تحليل وتحريم وحظر وإباحة، ومن وعط وتقويم وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق، وزجر عن مساوئها، واضعاً كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه، ولا يرى في صورة العقل أمر أليق منه. مودعاً أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات الله بمن عصى وعاند منهم، منبئاً عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الباقية من الزمان، جامعاً في ذلك بين الحجة والمحتج له، والدليل والمدلول عليه، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه، وإنباء عن وجوب ما أمر به ونهى عنه.
.. ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور، والجمع بين شتاتها حتى تنتظم وتتسق، أمر تعجز عنه قوى البشر، ولا تبلغه قدرهم، فانقطع الخلق دونه، وعجزوا عن معارضته بمثله أو مناقضته في شكله. ثم صار المعاندون له يقولون مرة: أنه شعر، لما رأوه كلاماً منظوماً، ومرة سحر، إذ رأوه معجوزاً عنه غير مقدور عليه، وقد كانوا يجدون له وقعاً في القلوب وقرعاً في النفوس، يريبهم ويحيرهم فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعاً من الاعتراف.
.. وكيفما كانت الحال ودارت القصة، فقد حصل باعترافهم قولاً، وانقطاعهم عن معارضته فعلاً، أنه معجز. وفي ذلك قيام الحجة وثبوت المعجزة، والحمد لله.
وأضاف ـ قائلاً ـ اعلم أن عمود هذه البلاغة التي تجمع لها هذه الصفات، هو وضع كل نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص الأشكل به، الذي إذا أبدل مكانه غيره جاء منه إما تبدل المعنى الذي يكون منه فسد الكلام، وإما ذهاب الرونق الذي يكون معه سقوط البلاغة. ذلك أن في الكلام ألفاظاً متقاربة في المعاني، بحسب أكثر الناس أنها متساوية في إفادة بيان مراد الخطاب، غير أن الأمر فيها وفي ترتيبها عند علماء أهل اللغة بخلاف ذلك، لأن لكل لفظة منها خاصية تتميز بها عن صاحبتها في بعض معانيها، وإن كانا قد يشتركان في بعضها... ومن هنا تهيب كثير من السلف تفسير القرآن، وتركوا القول فيه، حذراً ن يزلوا فيذهبوا عن المراد، وإن كانوا علماء باللسان، فقهاء في الدين.
.. فإذ قد عرفت هذه الأصول، تبينت أن القوم إنما كاعوا وجبنوا عن معارضة القرآن لما قد كان يؤودهم ويتصعدهم منه، وقد كانوا بطباعهم يتبينون مواضع تلك الأمور ويعرفون ما يلزمهم من شروطها ومن العهدة فيها، ويعلمون أنهم لا يبلغون شأوها فتركوا المعارضة لعجزهم، وأقبلوا على المحاربة لجهلهم، فكان حظهم مما فروا إليه حظهم مما فزعوا منه، فغلبوا هناك وانقلبوا صاغرين، والحمد لله رب العالمين.
وقال ـ في خاتمة الرسالة ـ : في إعجاز القرآن وجه آخر ذهب عنه الناس، فلا يكاد يعرفه إلا الشاذ من آحادهم، وذلك صنيعه بالقلوب وتأثيره في النفوس، فإنك لا تسمع كلاماً غير القرآن منظوماً ولا منثوراً، إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في الحال ومن الروعة والمهابة في أخرى ما يخلص منه إليه، تستبشر به النفوس وتنشرح له الصدور، حتى إذا أخذت حظها منه عادت مرتاعة قد عراها الوجيب والقلق، وتغشاها الخوف والفرق. تقشعر منه الجلود، وتنزعج له القلوب، يحول بين النفس وبين مضمراتها وعقائدها الراسخة فيها، فكم من عدو للرسول (ص) من رجال العرب وفتاكها أقبلوا يريدون اغتياله وقتله فسمعوا آيات من القرآن، فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحولوا عن رأيهم الأول، وأن يركنوا إلى مسالمته ويدخلوا في دينه، وصارت عداوتهم موالاة، وكفرهم إيماناً.
بعث الملأ من قريش عتبة بن ربيعة إلى رسول الله (ص) ليوافقوه على أمور أرسلوه بها فقرأ عليه رسول الله (ص) آيات من حم السجدة، فلما أقبل عتبة وأبصره الملأ من قريش، قالوا: أقبل أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به.
ولما قرأ رسول الله (ص) القرآن في الموسم على النفر الذين حضروه من الأنصار آمنوا به وعادوا إلى المدينة فأظهروا الدين بها، فلم يبق بيت من بيوت الأنصار إلا وفيه قرآن وقد روي عن بعضهم أنه قال: فتحت الأمصار بالسيوف وفتحت المدينة بالقرآن.
ولما سمعته الجن لم تتمالك أن قالت: (إنا سمعنا قرآناً عجباً. يهدي إلى الرشد فآمنا به).
ومصداق ما وصفناه في أمر القرآن في قوله تعالى: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله).
وفي قوله: (الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله).
وقال سبحانه: (أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم).
وقال سبحانه: (وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً).
وقال سبحانه: (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق).
في آي ذوات عدد منه، وذلك لمن ألقى السمع وهو شهيد. وهو من عظيم آياته ودلائل معجزاته...
--------------------------------------------
|