|
وللمولى قطب الدين أبي الحسن سعيد بن هبة الله الراوندي (توفي سنة 573) بحث مستوفى عن إعجاز القرآن، أتى على جوانبه ببيان كاف شاف على أسلوب الكلام القديم، أورده في الباب الثامن عشر من كتابه (الخرائج) الذي خصصه بذكر المعجزات، وخص هذا الباب بأم المعجزات القرآن العظيم. وقد أورده العلامة المجلسي بطوله في موسوعته الكبرى (بحار الأنوار ـ كتاب القرآن) حيث الوفاء والاستيفاء. وفيما يلي قبسات منه:
قال: اعلم أن كتاب الله المجيد ليس مصدقاً لنبي الرحمة خاتم النبيين فقط، بل هو مصدق بسائر الأنبياء والأوصياء قبله، وسائر الأوصياء بعده، جملة وتفصيلاً. وليس جملة الكتاب معجزة واحدة، بل هي معجزات لا تحصى، لأن أقصر سورة فيه إنما هي الكوثر، وفيها إعجاز من جهتين: أحدهما: أنه قد تضمن خبراً عن الغيب قطعاً قبل وقوعه، فوقع كما أخبر عنه من غير خلف فيه، وهو قوله: (إن شانئك هو الأبتر) لما قال قائلهم: أن محمداً رجل صنبور فإذا مات انقطع ذكره، ولا خلف له يبقى به ذكره، فعكس ذلك على قائله، وكان كذلك.
والثاني من طريق نظمه، لأنه على قلة عدد حروفه، وقصر آيه، يجمع نظماً بديعاً، وأمراً عجيباً، وبشارة للرسول، وتعبداً للعبادات، لأقرب لفظ وأوجز بيان.
ثم أن السور الطوال متضمنة للإعجاز من وجوه كثيرة نظماً وجزالة وخبراً عن الغيوب، فلذلك لا يجوز أن يقال: ان القرآن معجز واحد ولا ألف معجز، ولا إضعافه، فلذلك خطأنا قول من قال: أن للمصطفى (ص) ألف معجز أو ألفي معجز، بل يزيد ذلك عند الإحصاء على الألوف.
ثم الاستدلال في أن القرآن معجز، لا يتم إلا بعد بيان خمسة أشياء:
أحدها: ظهور محمد (ص) وادعاؤه أنه مبعوث إلى الخلق ورسول إليهم.
وثانيها: تحديه العرب بهذا القرآن الذي ظهر على يديه، وادعاؤه أن الله أنزله عليه وخصه به.
وثالثها: أن العرب مع طول المدة لم يعارضوه.
ورابعها: أنه لم يعارضوه للتعذر والعجز.
وخامسها: أن هذا التعذر خارق للعادة.
فإذا ثبت ذلك، فإما أن يكون القرآن نفسه معجزاً خارقاً للعادة بفصاحته، ولذلك لم يعارضوه، أو لأن الله صرفهم عن معارضته ولولا الصرف لعارضوه، وأي الأمرين ثبت صحت نبوته (ع) لأن الله تعالى لا يصدق كاذباً، ولا يخرق العادة لمبطل.
وأما ظهوره (ص) بمكة ودعاؤه إلى نفسه، فلا شبهة فيه، بل هو معلوم ضرورة لا ينكره عاقل وظهور هذا القرآن على يده أيضاً معلوم ضرورة، والشك في أحدهما كالشك في الآخر.
وأما الذي يدل عنه أنه (ص) تحدى بالقرآن، فهو أن معنى قولنا أنه تحدى، أنه كان يدعي أن الله تعالى خصه بهذا القرآن وأنبأنه به، وأن جبرئيل (ع) أتاه به، وذلك معلوم ضرورة، لا يمكن لأحد دفعه. وهذا غاية التحدي، في المعنى.
وأما الكلام في أنه لم يعارض، فلأنه لو عورض لوجب أن ينقل، ولو نقل لعلم، كما علم نفس القرآن. فلما لم يعلم، دل على أنه لم يكن.
وإنما قلنا: أن المعارضة لو كانت لوجب نقلها، لأن الدواعي متوفرة على نقلها، ولأنها ـ حينذاك ـ تكون الحجة والقرآن شبهة، لو كانت، ونقل الحجة أولى من نقل الشبهة.
وأما الذي نعلم به أن جهة انتفاء المعارضة التعذر لا غير، فهو أن كل فعل ارتفع عن فاعله مع توفر دواعيه إليه، علم أنه ارتفع للتعذر. ولهذا قلنا أن هذه الجواهر والأكوان ليست بمقدورنا. وخاصة إذا علمنا أن الموانع المعقولة مرتفعة كلها. فيجب أن نقطع على أن ذلك من جهة التعذر لا غيره.
وإذا علمنا أن العرب تحدوا بالقرآن فلم يعارضوه مع شدة حاجتهم إلى المعارضة، علمنا أنهم لم يعارضوه للتعذر لا غير. وإذا ثبت كون القرآن معجزاً وأن معارضته تعذرت لكونه خارقاً للعادة، ثبت بذلك نبوته المطلوبة.
ثم إن | القرآن معجز، لأنه (ص) تحدى العرب بمثله، وهم النهاية في البلاغة، وتوفرت دواعيهم إلى الإتيان بما تحداهم به، ولم يكن لهم صارف عنه ولا مانع منه، ولم يأتوا به |. فعلمنا أنهم عجزوا عن الإتيان بمثله.
وإنما قلنا: أنه (ص) تحداهم به لأن القرآن نفسه يتضمن التحدي كقوله تعالى: (فأتوا بسورة من مثله)، معلوم أن العرب في زمانه وبعده كانوا يتبارون بالبلاغة ويفخرون بالفصاحة، وكانت لهم مجامع يعرضون فيها شعرهم، وحضر زمانه من يعدّ في الطبقة الأولى كالأعشى ولبيد وطرفة، وزمانه أوسط الأزمنة في استعمال المستأنس من كلام العرب دون الغريب الوحشي الثقيل على اللسان، فصح أنهم كانوا الغاية في الفصاحة.
وإنما قلنا: اشتدت دواعيهم إلى الإتيان بمثله، فإنه تحداهم ثم قرعهم بالعجز عنه بقوله تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) وقوله تعالى: (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا).
فإن قيل: لعل صارفهم هو قلة احتفالهم به أو بالقرآن، لانحطاطه في البلاغة! قلنا لا شبهة أنه (ص) كان من أوسطهم في النسب، وفي الخصال المحمودة حتى سموه الأمين الصدوق، وكيف لا يحتفلون به وهم كانوا يستعظمون القرآن حتى شهروه بالسحر ومنعوا الناس من استماعه، لئلا يأخذ بمجامع قلوب السامعين، فكيف يرغبون عن معارضته!
وأما وجه إعجاز القرآن فقد اختلف المتكلمون في جهة إعجازه على سبعة أوجه فأول ما ذكر من تلك الوجوه: ما اختاره المرتضى، وهو أن وجه الإعجاز في القرآن أن الله صرف العرب عن معارضته، وسلبهم العلم بكيفية نظمه وفصاحته، وقد كانوا لولا هذا الصرف قادرين على المعارضة متمكنين منها.
والثاني: ما ذهب إليه الشيخ المفيد وهو أنه إنما كان معجزاً من حيث اختص برتبة في الفصاحة خارقة للعادة. قال: لأن مراتب الفصاحة إنما تتفاوت بحسب العلوم التي يفعلها الله في العباد، فلا يمتنع أن يجري الله العادة بقدر من العلوم التي يفعلها الله في العباد، فلا يمتنع أن يجري الله العادة بقدر من العلوم فيقع التمكين بها من مراتب في الفصاحة محصورة متناهية، ويكون ما زاد على ذلك زيادة غير معتادة، معجزاً خارقاً للعادة.
والثالث: وهو ما قال قوم: إن إعجازه من حيث كانت معانيه صحيحة مستمرة على النظر وموافقة للعقل.
والرابع: أن جماعة جعلوه معجزاً من حيث زال عنه الإختلال والتناقض على وجه لم تجر العادة بمثله.
والخامس: أنه يتضمن الإخبار عن الغيوب.
والسادس: إختصاصه بنظم مخصوص مخالف للمعهود.
والسابع: ما ذكره أكثر المعتزلة: أن تأليف القرآن ونظمه معجزان، لا لأنه تعالى أعجز عنهما بمنع خلقه في العباد، وقد كان يجوز أن يرتفع فيقدر عليه، لكن محال وقوعه منهم كاستحالة إحداث الأجسام والألوان، وإبراء الأكمه والأبرص من غير دواء.
قال: ولو قلنا: إن هذه الوجوه السبعة كلها وجوه إعجاز القرآن على وجه دون وجه، لكان حسناً.
ثم أخذ في بيان الاستدلال على هذه الأوجه، حسبما ذكره القائلون بها.
قال: واستدل المرتضى (ره) على أنه تعالى صرفهم عن المعارضة، وأن العدول عنها كان لهذا لا لأن فصاحة القرآن خرقت عادتهم، بأن الفضل بين الشيئين إذا كثر، لم تقف المعرفة بحالها على ذوي القرائح الذكية، بل يغني ظهور أمريهما عن الرؤية بينهما، وهذا كما لا يحتاج لى الفرق بين الخزّ والصوف إلى أحذق البزازين، وإنما يحتاج إلى التأمل، الشديد التقارب الذي يشكل مثله. ونحن نعلم إنا على مبلغ علمنا بالفصاحة، نفرق بين شعر امرئ القيس وشعر غيره من المحدثين، ولا نحتاج في هذا الفرق إلى الرجوع إلى من هو الغاية في علم الفصاحة، بل نستغني معه عن الفكرة، وليس بين الفاضل والمفضول من اشعار هؤلاء وكلام هؤلاء قدر ما بين الممكن والمعجز، والمعتاد والخارج عن العادة. وإذا استقر هذا، وكان الفرق بين سور المفصل وبين أفصح قصائد العرب غير ظاهر لنا الظهور الذي ذكرناه، ولعله إن كان ثم فرق فهو مما يقف عليه غيرنا ولا يبلغه علمنا، فقد دلّ على أن القوم صرفوا عن المعارضة وأخذوا عن طريقها.
قال: والأشبه بالحق والأقرب إلى الحجة ـ بعد ذلك القول ـ قول من جعل وجه إعجاز القرآن خروجه عن العادة في الفصاحة، فيكون ما زاد على المعتاد معجزاً، كما أنه لما أجرى الله العادة في القدرة التي يمكن بها من ضروب أفعال الجوارح، كالطفو بالبحر وحمل الجبل، فإنها إذا زادت على ما تأتي العادة، كانت لاحقة بالمعجزات، كذلك القول هاهنا.
ثم إن هؤلاء الذين قالوا: إن جهة إعجاز القرآن الفصاحة المفرطة التي خرقت العادة صاروا صنفين:
منهم من اقتصر على ذلك ولم يعتبر النظم، ومنهم من اعتبر مع الفصاحة النظم المخصوص، وقال الفريقان: إذا ثبت أنه خارق للعادة بفصاحته، دلّ على نبوته..
وأما القول الثالث والرابع فكلاهما مأخوذ من قوله تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) فحمل الأولون ذلك، على المعنى، والآخرون على اللفظ. والآية مشتملة عليهما عامة، ويجوز أن يكون كلا القولين معجزاً على بعض الوجوه، لارتفاع التناقض فيه، والاختلاف فيه، على وجه مخالف للعادة.
وأما من جعل جهة إعجازه ما تضمنه من الإخبار عن الغيوب، فذلك لا شك أنه معجز، لكن ليس هو الذي قصد به التحدي، لأن كثيراً من القرآن خال من الإخبار بالغيب، والتحدي وقع بسورة غير معينة.
وأما الذين قالوا: إنما كان معجزاً لاختصاصه بأسلوب مخصوص، ليس بمعهود، فإن النظم دون الفصاحة، لا يجوز أن يكون جهة إعجاز القرآن على الإطلاق، لأن ذلك لا يقع فيه التفاضل، وفي ذلك كفاية، لأن السابق إلى ذلك لا بد أن يقع فيه مشاركة لمجرى العادة كما تبين.
وأما من قال: إن القرآن نظمه وتأليفه مستحيلان من العباد، كخلق الجواهر والألوان فقولهم به على الإطلاق باطل، لأن الحروف كلها من مقدورنا، والكلام كله يتركب من الحروف التي يقدر عليها كل متكلم، وأما التأليف فإطلاقه مجاز في القرآن، لأن حقيقته في الأجسام، وإنما يراد من القرآن حدوث بعضه في أثر بعض، فإن أريد ذلك فهو إنما يتعذر لفقد العلم بالفصاحة وكيفية إيقاع الحروف، لا أن ذلك مستحيل كما أن الشعر يتعذر على العجم لعدم علمه بذلك، لا أنه مستحيل منه من حيث القدرة، ومتى أريد استحالة ذلك بما يرجع إلى فقد العلم فذلك خطأ في العبارة دون المعنى.
وأما القائلون بأن إعجازه الفصاحة، قالوا: إن الله جعل معجزة كل نبي من جنس ما يتعاطاه قومه، فقد كان الغالب على قوم موسى (ع) السحر، فكانت معجزته العصا واليد البيضاء، فعرفوا، أنه فوق متعاطاهم فآمنوا. وكذلك كان الغالب في زمن عيسى (ع) الطب، فأظهر الله على يده إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، مما لا يناله الطب فآمنوا به. فهكذا لما كان زمن محمد (ص) الغالب على قومه الفصاحة والبلاغة حتى كانوا لا يتفاخرون بشيء كتفاخرهم بها، جعل الله معجزته من ذلك القبيل، فأظهر على يديه هذا القرآن، وعلم الفصحاء منهم أن ذلك ليس من كلام البشر، فآمنوا به. ولهذا جاء المخصوصون فآمنوا برسول الله (ص) كالأعشى مدح رسول الله (ص) بقصيدة وأراد أن يؤمن، فدافعه قريش وجعلوا يحدثونه بأسوأ ما يقدرون عليه، فلم يزالوا بالسعي حتى صدوه. وجاء لبيد وآمن برسول الله (ص) وترك قيل الشعر تعظيماً لأمر القرآن..
قالوا: ومن خالفنا في هذا الباب يقول: إن المعجز قد يلتبس بالحيلة لكنه إذا لم يكن طريق إلى الفصل بينهما، وهاهنا وجوه من الفصل، منها:
إن المعجز إنما يظهر عند من يكون من أهل هذا الباب ويروج عليهم، والحيلة إنما تظهر عند العوام وتروج على الجهال.
فإن قيل: (النبي (ص) مبعوث إلى العرب والعجم، فإذا كان إعجاز القرآن من حيث الفصاحة، فإن العجم لا يمكنهم ذلك.
قلنا: الفصاحة ليست بمقصورة على لغة دن أخرى. على أنه يمكنهم أن يعرفوا ذلك على سبيل الجملة، إذا علموا أنه تحدى فصحاء العرب فأعجزهم، وفي ذلك كفاية.
وأما القائلون بأن إعجازه بالفصاحة والنظم معاً، قالوا: إنا رأينا النبي (ص) أرسل التحدي إرسالاً وأطلقه إطلاقاً، والمتفاهم من الإطلاق هو التحدي بهما معاً، لأن العادة عند العرب جارية في التحدي باعتبار طريقة النظم مع الفصاحة، كما في تحدي شعراء العرب وخطبائهم في الشعر والخطابة، ليس في الفصاحة فقط وإنما هي مع نظمه العروضي وأسلوبه الإيقاعي أيضاً. هذا هو المتبادر إلى الذهن حينذاك من التحدي.
على أن التحدي لو كان بمجرد الفصاحة لوقعت المعارضة ببعض فصيح شعرهم أو بليغ كلامهم، غذ قد يخفى الفرق بين قصار السور وفصيح كلام العرب. فكان يجب أن يعارضوه، فإذ لم يفعلوا، فلأنهم فهموا من التحدي مجموع الفصاحة وطريقة النظم معاً، إذ لم يجتمعا لهم، واختصاص القرآن بنظم يخالف سائر ضروب الكلام المعروفة عند العرب.
وقد قال المرتضى: إن التحدي وقع بالإتيان بمثله في فصاحته وطريقته في النظم، ولم يكن بأحد الأمرين، فلو وقعت المعارضة بشعر منظوم أو برجز منظوم أو بمنثور من الكلام ليس له طريقة القرآن في النظم، لم تكن واقعة موقعها، والصرفة على هذا إنما كانت بأن يسلب الله كل من رام المعارضة، للعلوم التي يتأتى معها مثل فصاحة القرآن وطريقته في النظم. ولهذا لا يصاب في كلام العرب ما يقارب القرآن في فصاحته ونظمه.
وأما القائلون بأن إعجاز القرآن بالنظم المخصوص، قالوا: وجدنا الكلام منظوماً ومنثوراً والمنظوم هو الشعر، وأكثر الناس لا يقدرون عليه، فجعل الله معجز نبيه النمط الذي يقدر عليه كل أحد ولا يتعذر نوعه في كلهم، وهو الذي ليس بمنظوم، فيلزم حجته الجميع.
قال: والذي يجب أن يعلم ـ في العلم بإعجاز القرآن ـ هو أن يعلم مباني الكلام وأسباب الفصاحة في ألفاظها، وكيفية ترتيبها، وتباين ألفاظها، وكيفية الفرق بين الفصيح والأفصح، والبليغ والأبلغ، وتعرف مقادير النظم والأوزان، وما به يبين المنظوم من المنثور وفواصل الكلام، ومقاطعه، ومبادئه، وأنواع مؤلفه ومنظومه.
ثم ينظر فيما أتى به حتى يعلم أنه من أيّ نوع هو، وكيف فضّل على ما فضّل عليه من أنواع الكلام، حتى يعلم أه من نظم مباين لسائر المنظوم، ونمط خارج من جملة ما كانوا اعتادوه فيما بينهم من أنواع الخطب والرسائل والشعر والمنظوم والمنثور والرجز والمخمس والمزدوج والعريض والقصير.
فإذا تأملت ذلك وتدبرت مقاطعه ومفاتحه، وسهولة ألفاظه، واستجماع معانيه، وأن كل واحد منها لو غيرت لم يمكن أن يؤتى بدلها بلفظة هي أوفق من تلك اللفظة، وأدل على المعنى منها، وأجمع للفوائد والزوائد منها.
وإذا كان كذلك، فعند تأمل جميع ذلك، يتحقق ما فيه من النظم اللائق، والمعاني الصحيحة التي لا يكاد يوجد مثلها على نظم تلك العبارة، وإن اجتهد البليغ والخطيب.
قال: وفي خواص نظم القرآن وجوه:
أولها: خروج نظمه عن صورة جميع أسباب المنظومات، ولولا نزول القرآن لم يقع في خلد فصيح سواها، وكذلك قال عتبة بن ربيعة لما اختاره قريش للمصير إلى النبي (ص)، قرأ عليه حم السجدة، فلما انصرف قال: سمعت أنواع الكلام من العرب، فما شبهته بشيء منها، إنه ورد عليّ ما راعني. ونحوه ما حكى الله عن الجن. فلما عدم وجود شبيه القرآن من أنواع المنظوم، انقطعت أطماعهم عن معارضته.
والخاصة الثانية: في الروعة التي له في قلوب السامعين، فمن كان مؤمناً يجد شوقاً إليه وانجذاباً نحوه، وحكي أن نصرانياً مرّ برجل يقرأ القرآن فبكى، فقيل له: ما أبكاك؟ قال: النظم.
والثالثة: أنه لم يزل غضاً طرياً لا يخلق ولا يمل تاليه. والكتب المتقدمة عارية عن رتبة النظم، وأهل الكتاب لا يدعون ذلك إليها.
والرابعة: أنه في صورة كلام هو خطاب لرسوله تارة ولخلقه أخرى.
والخامسة: ما يوجد من جمعه بين الأضداد، فإن له صفتي الجزالة والعذوبة وهما كالمتضادين.
والسادسة: ما وقع في أجزائه من امتزاج بعض أنواع الكلام ببعض، وعادة ناطقي البشر تقسيم معاني الكلام.
والسابعة: أن كل فضيلة من تأسيس اللغة في اللسان العربي هي موجودة في القرآن.
والثامنة: عدم وجود التفاضل بين بعض أجزائه من السور، كما في التوراة كلمات ع شر تشتمل على الوصايا، يستحلفون بها لجلالة قدرها. وكذا في الإنجيل أربع صحف، ومحاميد ومسابيح يقرأونها في صلواتهم.
والتاسعة: وجود ما يحتاج العباد إلى علمه من أصول دينهم وفروعه، من التنبيه على طرق العقليات، وإقامة الحجج على الملاحدة والبراهمة والثنوية، والمنكرة للبعث القائلين بالطبائع بأوجز كلام وأبلغه. ففيه من أنواع الإعراب والعربية، والمحكم والمتشابه، والحقيقة والمجاز، والناسخ والمنسوخ. وهو مهيمن على جميع الكتب المتقدمة.
والعاشرة: وجود قوام النظم في أجزائه كلها، حتى لا يظهر في شيء من ذلك تناقض ولا اختلاف، وله خواص سواها كثيرة.
قال: واعلم إنه قد تضمن القرآن ـ والأحاديث الصحيحة ـ الإخبار عن الغيوب الماضية والمستقبلة، فأما الماضية فكالإخبار عن أقاصيص الأولين والآخرين. من غير تعلم من الكتب المتقدمة، على ما ذكرنا.
وأما المستقبلة فكالإخبار عما يكون من الكائنات، وكان كما أخبر عنها على الوجه الذي أخبر عنها على التفصيل، من غير تعلق بما يستعان به على ذلك، من تلقين ملقن وإرشاد مرشد، أو حكم بتقويم أو رجوع إلى حساب كالكسوف والخسوف، ومن غير اعتماد على اصطرلاب وطالع، وذلك قوله تعالى: (ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون).
وكقوله: (من بعد غلبهم سيغلبون . في بعض سنين).
وكقوله: (سيهزم الجمع ويولون الدبر).
وكقوله: (لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً).
وكقوله: (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا).
وكقوله: (وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها ـ إلى قوله ـ قد أحاط الله بها).
ونحو ذلك من الآيات، وكان كلها كما قال.
ووجه آخر، وهو ما في القرآن ـ والأحاديث ـ من الإخبار عن الضمائر:
كقوله: (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا)، من غير أن ظهر منهم قول أو فعل بخلاف ذلك.
وكقوله: (وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في نفسهم).
وكقوله: (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم) يخبرهم بما يريدون في أنفسهم وما يهمون به.
وكعرضه تمني الموت على اليهود في قوله: (فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ـ إلى قوله ـ ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم) فعرفوا صدقهن فلم يجسر أحدهم أن يتمنى الموت، لأنه (ص) قال لهم: إن تمنيتم الموت متم. فدل جميع ذلك على صدقه بإخباره عن الضمائر.
------------------------------------------------------
المصدر: التمهيد في علوم القرآن / محمد هادي معرفة
|