فقه و تشريع

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

الحب في التشريع الاسلامي/ الجزء الثاني

أما الانسان في حياته الزوجية.. فلما كان من الواضح: ان الاسرة هي اللبنة الاولى في الهيكل الاجتماعي العام, واللبنة الاولى في الاسرة هذه هي الزوجان.. فمن الطبيعي ان يهتم الاسلام فيها اهتماماً خاصاً, ويوليها عناية خاصة.
وما ذلك الا لادراكه: ان الاسس التي تقوم عليها بناء الاسرة, والعلاقات فيها: اذا كانت تجارية مصلحية شخصية, او تمليها ظروف سياسية, او اجتماعية معينة, فان تلك العلاقات سوف تنتهي بانتهاء تلك المصلحة الشخصية, والبناء سوف ينهار بانهيار ذلك الظرف المعين, وتحقيق تلك الاهداف السياسية او التجارية, او غيرها.. ويكون مصير الحياة الزوجية – من ثم – هو الدمار, والتلاشي والانهيار.
ومن هنا كان نهي الرسول الاكرم (ص) عن زواج كهذا, الزواج الذي ينطلق من هذه النظرة الضيقة, وينتهي الى هذا الواقع المؤلم, حيث نهى (ص) عن نكاح يراد به غير وجه الله والعفة, نهى عن النكاح للرياء والسمعة..
وعن جعفر بن محمد انه قال: "اذا تزوج الرجل المرأة لحسنها او لمالها وكل الى ذلك, وان تزوجها لدينها وفضلها رزقه الله الجمال والمال, قال الله عز وجل: "وانكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وامائكم, ان يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله, والله واسع عليم".
وعنه : "انه نهى ان ينكح الرجل المرأة لمالها او جمالها, وقال: مالها يطغيها, وجمالها يرديها, فعليك بذات الدين".
وعن النبي (ص) انه قال: "من نكح امرأة حلال بمال حلال, غير انه اراد به فخراً ورياءً وسمعة لم يزده الله بذلك الا ذلاً وهواناً.. الى اخر الحديث".
وبعد هذا.. فاننا نرى الاسلام في مقابل ذلك قد ارسى قواعد بناء الاسرة على اسس من المحبة والمودة والرحمة. ويكفي ان نذكر هنا قوله تعالى:
"ومن اياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجاً لتسكنوا اليها, وجعل بينكم مودة ورحمة, ان في ذلك لايات لقوم يتفكرون".
فقوله "من انفسكم" هو بمثابة العلة لقوله "لتسكنوا اليها". وذلك لان المراد – وان كان هو ان المراة قد خلقت من جنس الرجل, وليس لها ماهية وحقيقة عنه فيصعب التفاهم والانسجام بينهما – الا ان اختيار كلمة "من انفسكم" للتعبير عن هذا التوافق في الماهية, انما هو ليزيد من اظهار هذا الترابط, وليؤكد ذلك الانسجام.. ففيه اشارة الى ان كلاً من الرجل والمراة جزء مكمل لسعادة الاخر ومتمم لراحته. واذا كان الشيء جزءاً ومكملاً للانسان فلا بد وان لا يرتاح بدونه وان يحبه, ويحافظ عليه بكل ما لديه.. اما لو كان غريباً منفصلاً عنه, فقد يشعر ان بالامكان الاستغناء عنه.
وملخص القول في قوله: "من انفسكم" انه اشارة الى ان كلاً من الزوجين متمم للاخر, ناقص بدونه, فاذا التأم مع جزئه المكمل له اطمأن وسكن.. ولعل هذا ما يفسر لنا ايضاً ميل كل من الزوجين الى الاخر, على اعتبار ان كل فقير ومحتاج يميل الى ما يزيل فقره, وترتفع به حاجته..
ثم انه تعالى قد عقب ذلك بقوله: "وجعل بينكم مودة ورحمة".
والمودة – على ما قيل – هي : الحب الظاهر اثره في مقام العمل. اما الرجمة, فهي: العطف الناشئ عن مشاهدة حرمان الغير ونقصه. الامر الذي يدفع ذلك الرحم الى الاقدام على رفع ذلك النقص عنه, وانجائه من ذلك الحرمان.
واوضح ان في حياة الزوجين لا بد وان يشعر كل منهما بما يفقده الاخر, ويحس بحاجته الى العون والمساعدة, فيرحم كل منهما الاخر, ويوجد الدافع لدى كل منهما ليرفع نواقص الطرف الاخر, ويعملان في سبيل ذلك كل في مجال اختصاصه, وفي حدود قدراته..
واذا لاحظنا من الناحية الاخرى: ان الحقوق والواجبات, التي منحها الشارع لكل من الزوجين تجاه شريكه هي مما لا يمكن معه لاي منهما الاستقلال والاكتفاء عن مساعدة شريكه له.. بحيث لو اراد كل منهما ان يلتزم تجاه الاخر – فقط – بما يجب عليه شرعاً, لم تقم للحياة الزوجية قائمة..
وانما اكتفى فقط بالحث على التعاون والتكافل, بالمقدار الذي لا يجعل ذلك واجباً شرعياً.. ولا يزيد على ان يجعله وظيفة خلقية..
اننا اذا لاحظنا ذلك فاننا سوف ندرك: ان الاسلام اراد ان يجعل التعامل بين الزوجين قائماً على اساس التضحية المتبادلة, التي عي من اهم اسباب توثيق عرى المحبة والالفة, وقد اشار (عليه السلام) الى هذا المعنى عندما قال: "تهادوا تحابوا"..
وقد اشتهرت وشاعت قضية معبرة عن هذا المعنى ايضاً, وهي قضية الربيع – على ما أظن – عندما طلب من الخليفة: ان يحب ولده المفضل, فانكر الخليفة ذلك الطلب منه, على اساس ان الحب ليس امراً اختيارياً له, يستطيع ان يمنحه لمن يشاء, ويمنعه عمن يشاء, فطلب منه الربيع ان يعطي الفضل زيهبه اموالاً وضياعاً, فانه اذا فعل ذلك فلسوف يحبه حينئذ.
وقال ابو الحسن المدائني: قلم رجل الى اسد بن عبد الله فسأله, فأعرض عنه, فقال: أما والله, ان لأسألك من غير حاجة. قال: فما يدعوك الى مسألتني اذن؟! قال: "رأيتك تحب من اعطيته, فأحببت ان تحبني, فأعطاه عشرة الاف درهم" ويروون عن صفوان بن امية, قال: "اعطاني رسول الله (ص) يوم حنين وانه لابغض الناس الي فما زال يعطيني حتى صار وانه لاحب الناس الي".
واخيراً.. فان من المناسب ان نذكر هنا: انه قد جاء رجل الى النبي (ص) فقال: يا نبي الله, لقد عجبت من امر, وانه لعجب!! ان الرجل ليتزوج المرأة, وما راها, وما رأته قط.. حتى اذا ابتنى بها, اصبحا وما شيء احب الى احدهما من الاخر. فقال (ص): وجعل بينكم مودة ورحمة..
واما عن علاقة الانسان بذوي رحمه.. فكونها قائمة على اساس المحبة والمودة مما لا يحتاج الى بيان.. ويكفي ان نذكر هنا: ان الاسلام قد جعل صلة الرحم من الواجبات التي يعاقب الانسان على تركها وتجاهلها..
واما عن علاقة الانسان بجيرانه.. فيكفي ان نذكر ان جبرائيل ما زال يوصي النبي (ص) بالجار حتى ظن انه سيورثه..
ثم تأتي بعد ذلك علاقة الانسان بوطنه, التي عبر عنها الاسلام حسبما ورد عن اهل البيت بأن: "حب الوطن من الايمان".
واما عن علاقة المؤمنين بعضهم ببعض في كل مكان.. فاننا نلاحظ: ان الاسلام قد اعتبر الامة المؤمنة المسلمة بمثابة اسرة واحدة, يكون النبي هو المربي لها, ثم وصيه من بعده.. يلاحظ ذلك كل من راجع ايات القران, وأحاديث النبي (ص) وأهل بيته.. فنلاحظ: ان القران بعد ان قرر الاخوة بين المؤمنين, بقوله "انما المؤمنون اخوة", قد رتب على ذلك ان هذه الاخوة لا بد وأن تكون مسؤولة ولا بد وان تنتج وتثمر, وتؤثر اثارها على الصعيد العملي, حيث جعل مقتضى هذه الاخوة هو المبادر للاصلاح بين الاخوة, فقال تعالى: "فاصلحوا بين اخويكم".
كما ان النبي (ص) قد نقل عنه انه قال "مثل المؤمنين في توادهم زتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
وعن الصادق, انه قال: "انما المؤمنون اخوة, بنو اب وام, واذا ضرب على رجل منهم عرق, سهر له الاخرون".
وعنه : "المؤمن اخو المؤمن كالجسد الواحد, اذا اشتكى شيئاً منه وجد الم ذلك في سائر جسده.. الى اخر الرواية".
كما انه تعالى جعل المؤمنين بعضهم من بعض, فقال: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم من بعض, يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر".
وفي معناها غيرها.. كما انه تعالى يعتبر غير المؤمنين ايضاً كذلك ولكنهم في مقام العمل والنشاط على العكس منهم حيث قال تعالى "المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض, يأمرون بالمنكر, وينهون عن المعروف". كما انه تعالى وصف المؤمنون بأنهم: "أشداء على الكفار, رحماء بينهم" الى غير ذلك مما يضيق عنه المقام.
واذا كان الاسلام يعتبر الامة المسلمة المؤمنة بمنزلة الاسرة الواحدة, يكون الكل فيها اخوة متحابين متألفين.. فانه ايضاً يعتبر النبي, والوصي من بعده بمنزلة الاب, والمربي لهذه الاسرة الكبيرة, فقد ورد عنه قوله: "أنا وعلي ابوا هذه الامة".
ثم انه تعالى وصف النبي (ص) بالاوصاف التي يجب ان تتوفر في المسؤول عن الاسرة.. فقال عنه: "لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه عليه ما عنتم, حلايص عليكم, بالمؤمنين رؤوف رحيم".
ويلاحظ هنا مدى التوافق والانسجام بين هذه الاية وبين الاية المتقدمة من سورة الروم -21, والتي وضعت الاساس لبناء الاسرة الصغيرة, التي هي لبنة في الهيكل الاجتماعي الكبير..
ثم ان ما يلفت نظرنا هنا هو ان هذه الاخوة التي قررها الاسلام, قررها اخوة مثمرة, ومنتجة تتحمل مسؤولياتها كاملة كما تقدم بيانه في الاية المتقدمة, وقد ورد عن النبي (ص) قوله. "من اصبح لا يهتم بامور المسلمين فليس بمسلم" وفي معنها روايات مستفيضة.
وسئل الرسول (ص): "من احب الناس الى الله؟ قال: انفع الناس للناس".
وعن ابي عبد الله : المؤمن اخو المؤمن عينه, ودليله, لا يخونه, ولا يظلمه, ولا يغشه, ولا يعده فيخلفه" وفي معناه عدة روايات.
وأخيراً.. فقد جعل المقياس في معرفة الخير في الانسان, هو محبة اهل طاعة الله وعدم محبتهم.. فعن ابي جعفر: "اذا اردت ان تعلم ان فيك خيراً, فانظر الى قلبك, فان كان يحب اهل طاعة الله عز وجل, ويبغض اهل معصيته, ففيك خير, والله يحبك. واذا كان يبغض اهل طاعة الله, ويحب اهل معصيته ليس فيك خير, والله يبغضك, والمرء مع من احب".
كانت تلك بعض الامثلة, التي تظهر بوضوح كيف جعل الحب اساساً للعلاقات في الاسلام..
فعن ابي جعفر في حديث له, قال: "يا زياد, ويحك, وهل الدين الا الحب, الا ترى قول الله "ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله, ويغفر لكم ذنوبكم" او لا ترى قول الله لمحمد (ص): "حبب اليكم الايمان, وزينه في قلوبكم". وقال: "يحبون من هاجر اليهم" فقال: "الدين هو الحب, والحب هو الدين".
وعن ابي عبد الله: "وهل الايمان الا الحب والبغض؟ ثم تلا هذه الاية: "حبب اليكم الايمان, وزينه في قلبوكم, وكره اليكم الكفر, والفسوق, والعصيان اولئك هم الراشدون".
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com