فقه و تشريع

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

رعاية الضرورات والأعذار في التشريع الاسلامي

* د. يوسف القرضاوي
من العوامل المهمة التي أدّت إلى سعة الشريعة ومرونتها؛ فيتجلى في أن الشريعة الإسلامية راعت الضرورات والحاجات والأعذار التي تنزل بالناس فقدّرتها حق قدرها، وشرعت لها أحكاماً استثنائية تناسبها، وفقاً لاتجاهها العام في التيسير على الخلق، ورفع الآصار والأغلال التي كانت عليهم في بعض الشرائع السابقة، كما قال تعالى في الأدعية التي ختمت بها سورة البقرة، وجاء في الصحيح أن الله استجاب لها: (ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا) البقرة/ 286.
كما أخبر تعالى عن وصف رسوله في كتب أهل الكتاب بأنه: (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم، والأغلال التي كانت عليهم) الأعراف/ 157. وفي ختام آية الصيام: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) البقرة/ 185، وبعد آيات المحرمات في النكاح وما يتعلق بها: (يريد الله أن يخفف عنكم، وخلق الإنسان ضعيفاً) النساء/ 28، وفي ختام آية الطهارة: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) المائدة/ 6.
- المشقة تجلب التيسير:
ومن هنا جاء القاعدة الأساسية الجليلة التي أجمعت عليها كل كتب القواعد الفقهية وهي: (المشقة تجلب التيسير).
وبناء على هذه القاعدة شرعت الرخص والتخفيفات الكثيرة في الفرائض الإسلامية، للمرضى، والمسافرين، وأصحاب الأعذار المختلفة وجاء في الحديث: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته).
وتعداد هذه الرخص والتخفيفات في أبواب الطهارة والصلاة والصيام والحج وغيرها، مما لا يتسع له هذا المجال، وهي على كل حال، ليس موضع مراء وجدال.
- الضرورات تبيح المحظورات:
ومما يتمم ذلك الاستثناء الذي جاءت به الشريعة في باب المحرمات والممنوعات، نزولاً على حكم الضرورات التي تنزل بالبشر، وتضغط على كواهلهم، ومن ثم تقررت القاعدة الشرعية الشهيرة: (الضرورات تبيح المحظورات) وما يكملها من قواعد متفرعة عليها مثل (ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها)، (الحاجة تنزل منزلة الضرورة، خاصة كانت، أو عامة).
والأصل في هذا ما جاء في كتاب الله تعالى بعد ذكر الأطعمة المحرمة حيث استثنى حال الضرورة والمخمصة، وذلك في أربعة مواضع من القرآن الكريم، موضعان في السور المكية: الأنعام والنحل، وآخران في السور المدنية: البقرة والمائدة.
وأكتفي هنا بذكر النصين المدنيين باعتبارهما آخر ما نزل.
يقول تعالى في سورة البقرة: (يا أيها الذين آمنوا، كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون. إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه. إن الله غفور رحيم) البقرة/ 173.
فأباح الأكل من طيبات ما رزق الله، وأمر بالشكر عليها، ثم ذكر المحرمات محصورة في تلك الأربع: الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، ثم استثنى حالة الاضطرار، فأباح للمضطر ما حرم على غيره بشرط أن يكون غير باغ ولا عاد.
وفي سورة المائدة قال تعالى: (حرمت عليكم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع إلا ما ذكيتم، وما ذبح على النصب، وأن يستقسموا بالأزلام. ذلكم فسق! اليوم يئس الذين كفروا من دينكم، فلا تخشوهم واخشون. اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام ديناً، فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم، فإن الله غفور رحيم) المائدة/ 3.
والآية هنا تقرير وتأكيد لآية البقرة، وإن كان فيها تفصيل لبعض أنواع الميتة من المنخنقة والموقوذة وغيرهما، وقوله في هذه الآية: (غير متجانف لإثم) مثل قوله هناك: (غير باغ ولا عاد) أي إنه يفعل ما يفعل تحت ضغط الضرورة وقهرها، لا رغبة في الإثم، ولا ابتغاء للشهوة، ولا عدواناً على أحد، كما لا يعدو قدر الضرورة.
هذا ما جعل الفقهاء يقيدون الإباحة في أحوال الاضطرار بقدر الضرورة لا أكثر.
- حالة الإكراه:
ومن حالات الضرورة التي تجيز للإنسان ما لا يجوز في الحالات المعتادة: حالة الإكراه، فالمكره على أمر إكراه تلجئة لا إثم عليه إذا فعله، ولو كان ذلك الأمر هو الكفر، الذي هو أكبر الجرائم في نظر الإسلام، فنجد القرآن الكريم يستثني حالة الإكراه فيقول: (إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله، وأولئك هم الكاذبون. مَن كفر بالله من بعد إيمانه، إلا مَن أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) النحل/ 106، وفي الحديث: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، ومن هنا عنى الفقهاء بموضوع (الإكراه) وبيان حدود وشروطه وآثاره، فكان له في الفقه باب أو كتاب خاص.
- حالة الضعف والعجز:
ومن أحوال الضرورة المستثناة من القواعد العامة حالة الضعف والعجز التي تلم بالفرد المسلم، أو الجماعة المسلمة، فتجعل المسلم يتخذ غير المسلمين أولياء، يلقي إليهم بالمودة، ويظهر لهم الولاء والنصرة، لا إعجاباً بدينهم ولا خيانة لدينه وأمته، ولكن خشية على نفسه من سطوتهم، واتقاء شرهم، وفي هذا جاء قوله تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومَن يفعل ذلك فليس من الله في شيء، إلا أن تتقوا منهم تقاةً) آل عمران/ 28.
فرغم هذا الوعيد الشديد في هذه الآية: (ومَن يفعل ذلك فليس من الله في شيء) ورغم الوعيد في آيات أخرى مثل: (ومَن يتولهم منكم فإنه منهم) المائدة/ 51، (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوداون مَن حاد الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) المجادلة/ 22، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الوفيرة، فقد استثنى حالة الضعف التي يتقي فيها المسلم شر أعدائه بإظهار الموالاة.
- ضرورات الجماعة وسلامة كيانها:
وكما اعتبرت الشريعة ضرورات الأفراد، فأباحت بسببها لهم كثيراً من المحظورات مقدرة بقدرها، واعتبرت كذلك ضرورات الأمة، وما تقتضيه سلامتها والمحافظة على كيانها وسيادتها.
وذلك مثل ضرورة الحرب تفرض على الأمة، فيجوز لها ما لا يجوز في الظروف العادية، كما فعل النبي (ص) وأصحابه في حصار يهود بني النضير، من قطع نخيلهم وتحريقها، حتى يجبرهم على التسليم بأقل الخسائر الممكنة، ولما حاول اليهود أن يستغلوا هذا التصرف النبوي ويعتبروه نوعاً من الإفساد الذي طالما نهى عنه النبي (ص) وعاب على مَن يفعله، نزل القرآن يبين مبررات هذا السلوك فيقول مخاطباً النبي (ص) والمسلمين معه: (ما قطعتم من لينة ـ أي نخلة ـ أو تركتموها قائمة على أصولها، فبإذن الله، وليخزي الفاسقين) الحشر/ 5.
بل إن الفقهاء قالوا: لو أن الأعداء تترسوا ببعض المسلمين، كأن كانوا أسرى عندهم أو نحو ذلك، وجعلوهم في مواجهة الجيش المسلم، ليتقوا بهم، وكان في ترك هؤلاء الكفار خطر يهدد كيان الجماعة المسلمة، جاز للمسلمين أن يرموا هؤلاء الغزاة وإن قتلوا المسلمين الذين معهم، مع أنهم معصومو الدم لا ذنب لهم، ولكن ضرورة الدفاع عن الأمة كلها اقتضت التضحية بهؤلاء الأفراد خشية استئصال الاسلام واستعلاء الكفر، وأجر هؤلاء الأفراد على الله.
ولهذا، ردّ الإمام الغزالي اعتراض مَن يقول في هذه الصورة: هذا سفك دم معصوم محرم! بأنه معارض، لأن في الكف عنه إحلال دماء معصومة لا حصر لها، ونحن نعلم أن الشرع يؤثر الكلي على الجزئي، فإن حفظ أهل الإسلام عن اصطدام الكفار أهم في مقصود الشرع من حفظ دم مسلم واحد، فهذا مقطوع به من مقصود الشرع.
ومثل ذلك إذا اقتضت ظروف الحرب فرض ضرائب على القادرين وأهل اليسار لتمويل الجهاد، وإمداد الجيوش، وإعداد الحصون، ونحو ذلك من احتياجات الحرب، فإن الشرع يؤيد ذلك ويوجبه، كما نص على ذلك الفقهاء، وإن كان كثير منهم في الأحوال المعتادة لا يطالب الناس بحق في المال غير الزكاة، واستدل الغزالي لذلك بقوله: (لأنا نعلم أنه إذا تعارض شرّان أو ضرران قصد الشرع دفع أشد الضررين وأعظم الشرين) وما يؤديه كل واحد منهم (أي المكلفين بالضرائب الإضافية) قليل بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله، لو خلت خطة الإسلام (أي بلاده) عن ذي شوكة يحفظ نظام الأمور، ويقطع مادة الشرور).
ومثل ذلك فك أسرى المسلمين، وتخليصهم من ذل أسر الكفار، مهما كلف ذلك من الأموال. قال الإمام مالك: يجب على كافة المسلمين فداء أسراهم، وإن استغرق ذلك أموالهم.
هذا، لأن كرامة هؤلاء الأسرى من كرامة الأمة الإسلامية، وكرامة الأمة فوق الحرمة الخاصة لأموال الأفراد.

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com