|
من النظم التي ينفرد بها الاسلام دون سائر النظم، وضعية، كانت أم سماوية، النظام الإرثي، لا لأنه أعطى سهماً لكل وارث من الأهل، بل لأنه قرر لأجل توزيع التركات نظاماً يكاد يكود فريداً في نوعه. ومع ذلك فهو حافل بشواهد الحكمة وبعد النظر.
ان الاختلافات المهمة في المسائل الإرثية بين المذاهب الستة وكيف أن هذه المذاهب جميعها كانت متفقة في شأن الأسهم المقررة لأصحاب الفروض الإثني عشر وهم: الزوجان والأب والأم والجد والجدة الصحيحان والبنات وبنات الابن والأخ لأم والأخت لأم والأخت الشقيقة والأخت لأب، لأن أنصبة هؤلاء وردت في القرآن الكريم الذي هو المصدر الأول للتشريع عند الجميع.
ولكن الاختلاف بين مذاهب أهل السنة الأربعة ومعهم المذهب الزيدي ـ وهذا يبدو أقرب إلى مذاهب أهل السنة وبخاصة المذهب الحنفي منها في مختلف الأحكام الفقهية ومنها أحكام الميراث ـ وبين الشيعة الإمامية. هذا الخلاف يكاد يكون محصوراً في طريقة توريث العصبات وذوي الأرحام إلى جانب الاختلاف حول جواز العول وبعض مسائل العجب. وسنقصر بحثنا هنا على (التعصيب لكونه أساس الاختلاف في الميراث بين السنة والشيعة.
العصبات: العصبات هم الذين لا تتوسط بينهم وبين الميت أنثى من أقارب الزوج مثل الأب والجد والابن وابن الابن والأخ الشقيق والأخ لأب وأبنائهما والعم الشقيق وابنائه. وكذلك من ينزل منزلة هؤلاء من الإناث كالبنت مع الابن وبنت الابن مع ابن الابن وهكذا...
ومشروعية توريثهم تقوم من ثلاث جهات:
1 ـ جهة الأولاد والأخوة: فالنص القرآني الوارد في توريث الأولاد هو قول الله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين). والنص القرآني في توريث الأخوة والأخوات هو قوله تعالى: (وإن كانوا إخوة رجالاً ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين) سورة النساء.
2 ـ جهة القرابة في أصحاب الفروض من حيث اتصالها بالأبوة للحديث الشريف: ((ما أبقته الفرائض فلأولى رجل ذكر)) والقرب يكون من ناحية النسب وهذا يكون من ناحية الأب ويختص بالرجال دون النساء كالجد الصحيح.
3 ـ جهة القرابة في غير أصحاب الفروض وهي معتبرة أيضاً بقرابة الرجال دون الأناث ـ كالأعمام ـ إلا عندما تكون الأنثى صاحبة فرض ويكون معها خ لها فتكون عصبة به. هذه هي الأصول الثلاثة التي يقوم عليها توريث العصبات. والعصبات أقسام ثلاثة: عصبة بنفسه وعصبة بغيره وعصبة مع غيره.
أ ـ فالعصبة بنفسه هو الذكر الذي لا يدلي إلى الميت بأنثى منفردة كالابن وابن الابن أو أدلى إلى الميت بأنثى مع ذكر كالأخ الشقيق أي (لأب وأم).
وجهات إرث العصبة بالنفس أربعة:
البنوة والأبوة والأخوة والعمومة بالنسبة للميت أو لأخيه أو لجده وكذا بنوهم. والحكم في هؤلاء أن العصبة بنفسه إذا كان واحداً أخذ التركة كلها. وإذا كان معه صاحب فرض أخذ الباقي عن صاحب الفرض أو عن أصحاب الفروض إذا تعددوا. وللعصبات بالنفس أحوال أربعة:
أ ـ الجهة.
ب ـ قرب الدرجة.
ج ـ قوة القرابة.
د ـ الاستواء.
فالاعتبار الأول للجهة فإذا اختلفوا في الجهة تقدم:
أولاً ـ جهة النبو فالأبوة فالأخوة فالعمومة.
وعند الاتحاد في الجهة تعتبر الدرجة بحيث يتقدم الابن على ابن الابن والأب على الجد والأخ على ابن الأخ والعم على ابن العم وهكذا...
وإذا اتحدت الجهة والدرجة فالاعتبار للأقوى قرابة فالأخ الشقيق مقدم على الأخ لأب وابن الأخ الشقيق مقدم على ابن الأخ لأب وابن العم الشقيق مقدم على ابن العم لأب وهكذا...
وإذا اتحدت الجهة والدرجة وقوة القرابة اعتبر الاستواء وتقسم التركة بينهم على عدد رؤوسهم.
ولنأخذ مثلاً عليه: لو ماتت زوجة عن زوج وبنت ابن، وابن ابن ابن، وأب وابن أخ لأب، فيكون للزوج الربع ولبنت الابن النصف وللأب السدس والباقي لابن ابن الابن ولا شيء للأب تعصيباً لأن جهة البنوة مقدمة على جهة الأبوة ولا لابن الأخ لأب بطريق الأولوية.
ب ـ والعصبة بغيره: هو كل أنثى صاحبة فرض يوجد معها أخ لها ويمكن حصرهن في: البنت وبنت الابن والأخت الشقيقة والأخت لأب.
فالبنت يعصبها ابن الميت الذي في درجتها والأخت الشقيقة يعصبها أخوها الشقيق. وبنت الابن يعصبها أخوها (ابن الأبن). وممن يعصب بنت الابن أيضاً ابن عمها الذي هو في درجتها وكذلك ابن أخيها لأنه ابن ابن ابن.
وابن ابن عمها الذي هو أدنى درجة منها إذا لم تكن صاحبة فرض.
وأما الأنثى التي ليست صاحبة فرض مثل بنت الأخ وبنت العم فلا يعصبهما أخوهما في المذهب الحنفي خلافاً للمذهب الجعفري.
ج ـ وأما العصبة مع الغير: فهن الأخوات مع البنات عملاً بالحديث الشريف: ((إجعلوا الأخوات مع البنات عصبة)). فالأخوات القيقات والأخوات لأب يصبحن عصبة مع البنت واحدة أو أكثر وبنت الابن مهما نزلت وعندها تقدم الأخت الشقيقة على أخيها لأب وكل أخت على ابن الأخ.
هذا هو نظام العصبات عند أهل السنة. ويليه نظام الردّ ـ وهو واحد عند السنة والشيعة ـ ومعناه عند أهل السنة انه إذا لم يوجد مع أصحاب الفروض عصبة من النسب ولم تستغرق الفروض كامل التركة فيرد الفائض على أصحاب الفروض بنسبة سهامهم ما عدا الزوجين. ثم يلي الرد ذوو الأرحام إذا بقي شيء من التركة.
أما الرد عند الشيعة الإمامية فيعني أن الفائض عن أصحاب الفروض يرد عليهم كل بحسب سهمه إذا لم يوجد قريب في مرتبته وإلا أخذ صاحب الفرض فرضه ورد الباقي على القريب الذي في مرتبته. كما لو مات انسان عن أب وأم فتأخذ الأم فرضها ـ وهو هنا الثلث ـ والباقي للأب، وإذا كان صاحب الفرض مع من هو في غير مرتبته من أقاربه أخذ صاحب الفرض التركة بكاملها عند الشيعة الإمامية فرضاً ورداً. كما لو مات انسان عن بنت وأخ تأخذ البنت فرضها وهو النصف وتأخذ النصف الباقي بطريق الرد ولا شيء للأخ لأن البنت في المرتبة الأولى والأخ في المرتبة الثانية. كذلك لا يرد عند هؤلاء على الأم مع وجود من يحجبها من الثلث إلى السدس. كما لو مات انسان عن أم وأب وأخوين وبنت فالباقي يرد على الأب والبنت لا غير.
ونظام التوريث عند الشيعة الإمامية لا يقوم على اعتماد العصبات وذوي الأرحام وإنما يقوم على اعتماد المراتب.
وقد حصر فقهاء الشيعة الورثة من الجنسين ـ لكونهم لا يفرقون في القرابة بين الرجال والنساء ـ في ثلاث مراتب بعضها أولى بالميراث من بعض وفاقاً للترتيب الآتي:
المرتبة الأولى: وتشمل الأب والأم من الأصول وكذلك الأولاد والأحفاد مهما نزلوا ذكوراً كانوا أم أناثاً (يعني جميع الفروع).
المرتبة الثانية: وتشمل الأجداد والجدات مهما علوا ومن أية جهة كانوا من جهة الأبوة أو الأمومة، وكذلك الأخوة والأخوات وأولادهم مهما نزلوا ومن أية جهة كانوا لأبوين أو لأب أو لأم.
المرتبة الثالثة: وتشمل الأعمام والعمات والأخوال والخالات مهما علوا. كما تشمل أولادهم مهما نزلوا.
وكل مرتبة من هذه المراتب الثلاث تحجب حجب حرمان المرتبة التي تليها.
والزوجان لكونهما من أصحاب الفروض يشتركان في الإرث مع سائر الورثة في جميع مراتبهم.
وقواعد التوريث عند الشيعة الإمامية تقوم على اعتبار المرتبة أولاً، فإذا اتحد الورثة في المرتبة كان الترجيح بقرب الدرجة فالأقرب درجة يحجب الأبعد. وإذا تساوى الورثة في المرتبة وقرب الدرجة كان الترجيح بقوة القرابة ما لم يكن صاحب فرض. فالأخ الشقيق يحدجب الأخ لأب ولكنه لا يحجب الأخ لأم لأن له فرضاً مقدراً في القرآن الكريم.
ومن التدقيق في هذه القواعد نرى أن الخلاف في نظام الإرث هو خلاف جوهري بين السنة والشيعة. فلو مات انسان مثلاً عن أخت شقيقة أو لأب وعم كان للأخت النصف وللعم النصف عند السنة.
غير أن الشيعة الإمامية تقول: بأن الميراث كله للأخت ولا شيء للعم بل يحجب بالأخت لأن مرتبة الأخوة أقرب من مرتبة العمومة.
والاختلاف بين الفريقين يعود إلى أن للشريعة الاسلامية مصدرين رئيسيين هما: الكتاب والسنة. وأن كل حكم لا بد وأن يستند إلى أحدهما مباشرة أو إلى دليل تبعي يستند إلى أحدهما كالإجماع والقياس والعقل والاستصحاب والمصالح المرسلة وغير ذلك.
ثم من الرجوع إلى وجهات النظر بين مذاهب أهل السنة ومعهم الزيدية من جهة وبين الشيع الإمامية من جهة ثانية نجد هذه المذاهب جميعها متفقة على توريث أصحاب الفروض وفق سهامهم المقررة في القرآن الكريم. وذلك لانتفاء الأسباب التي تستدعي اختلاف تلك المذاهب بشأنها. ولكنها اختلفت فيما لم يرد نص قرآني بشأنه، وصار الاعتماد عند الفريقين على المصدر الثاني الذي يلي القرآن في التشريع وهو السنة.
والسنة ـ كما هو معلوم ـ متفاوتة في ثبوتها وفي طرق هذا الثبوت.
فالفريقان ـ السني والجعفري ـ متفقان على أن أحاديث الرسول (ص) فيها المتواتر وفيها خبر الواحد. فالأحاديث المتواترة وهي التي رواها جماعة بلغوا من الكثرة حداً يستحيل معه بحكم العادة تواطؤهم على الكذب. هذا النوع من الأحاديث تلتزم بالأخذ به السنة والشيعة على السواء مثلما تلتزم بالأخذ بالآيات المحكمة من القرآن الكريم. ولكن الأحاديث التي لم تبلغ حد التواتر ـ وهي ما تسمى بالآحادية ـ هذه الأحاديث ـ في نظر الجميع ـ منها القوي ومنها الضعيف. وقد يقبل بها بعض المجتهدين لتوافر شروط القبول عندها ويرفضها البعض الآخر لعدم توافر هذه الشروط في نظره، سواء أكان ذلك من جهة السند أم من جهة المتن. ومعنى هذا بوضوح أن الحديث قد يكون صحيحاً في نظر البعض لبلوغه حد الشهرة فيعمل به وقد لا يكون كذلك في نظر البعض الآخر فلا يعمل به. (ولكل وجهة هو موليها).
وتبعاً لاختلاف وجهات النظر اختلفت الأحكام. ففيما يتعلق بالعصبات ـ موضوع بحثنا ـ نجد أن أفهام الشيعة الإمامية اختلفت مع أفهام هل السنة والجماعة في الأدلة التي اعتمد عليها كل فريق في القرآن والسنة حيث وجد كل منهما في كتاب الله وفي سنة رسوله ما يؤيد وجهة نظره. فمستند الفقهاء السنة في اعتبار التعصيب من القرآن الكريم آية المواريث: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كنن ساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك، وإن كانت واحدة فلها النصف) سورة النساء.
وهذا يبين أن حق البنت المنفردة النصف لا أكثر وكذلك الحال بالنسبة للأخوات والأخوة في قول الله تعالى: (وإن كانوا أخوة رجالاً ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين) ففهم بالتالي فقهاء السنة من هاتين الآيتين إن الأنثى صاحبة الفرض إذا كان معها من يكون مساوياً لها في القرابة من الذكور يترك فرضها لكونها تصبح عصبة. ودليلهم من السنة الحديث الشريف: ((ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقته الفرائض فلأولى رجل ذكر)). وقالوا: إن المراد بالأولوية هنا هي أولوية القرابة والقرابة تكون من ناحية النسب، والنسب لا يكون إلا من ناحية الأب.
والمرأة لا تكون عصبة إلا إذا كان معها أخ لها فتصبح عصبة به لكي يظل التوازن قائماً في تطبيق قاعدة ((لذكر مثل حظ الأنثيين)). أو كان للميت بنت وأخت شقيقة أو أخت لأب فتأخذ البنت فرضها وهو النصف وتأخذ الأخت الشقيقة النصف الآخر بطريق التعصيب مع البنت عملاً بالحديث الشريف: ((اجعلوا الأخوات مع البنات عصبة)). وكذلك تتعصب الأخت بأخيها مع وجود البنت حيث تأخذ البنت فرضها النصف والنصف الباقي يكون للأخ والأخت على قاعدة ((للذكر مثل حظ الأنثيين)). غير أن الشيعة الإمامية كما ذكرنا لا يورثون الأخوة والأخوات مع وجود أولاد للميت ذكوراً كانوا أو أناثاً. وهاكم أدلتهم.
أدلة الشيعة:
والمستند الشرعي للشيعة الإمامية فضلاً عما ذكرناه آنفاً من تقدم الأولاد على الإخوة في المرتبة لكون الأولاد من المرتبة الأولى والأخوة من المرتبة الثانية هو قول الله تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً).
فإن هذه الآية في اجتهادهم قد سوت في استحقاق الإرث بين الرجال والنساء. وأخذوا على الفقهاء السنة تفضيلهم الرجال على النساء ما لو مات انسان عن بنت وابن أخ وبنت أخ فعند السنة تأخذ البنت فرضها وهو النصف والنصف الآخر لابن الأخ وحده دون أن تشاركه فيه أخته رغم أنهما متساويان في الدرجة. وكذلك لو مات انسان عن أخت وعم وعمة فإن مذاهب أهل السنة تعطي النصف للأخت فرضاً والنصف الباقي للعم تعصيباً ولا شيء للعمة عندهم. ومن هنا تقول الشيعة الإمامية أن القرآن يورث النساء والرجال ما داموا في مرتبة واحدة وإن إهمال النساء في المثلين السابقين يدل على أن القول بالتعصيب باطل.
كذلك استدل الشيعة على وجهة نظرهم بالآية القرآنية: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) والمقصود بها هنا الأخوة الأشقاء والأخوة لأب ويستوي في الأخوة الذكر والأنثى. ثم قوله تعالى: (إن إمرؤ هلك ليس له ولد) فإن الشيعة الإمامية يقولون هنا إن الولد يطلق على الذكر والأنثى وأن القرآن الكريم استعمل لفظ الولد للجنسين معاً حين قال سبحانه: (ما كان لله أن يتخذ ولداً) يعني لا ذكراً ولا أنثى. وحين قال أيضاً: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب). فإن الآية هنا سمت الأم أباً للتدليل على عدم التفريق بين الذكور والأناث. واستنتجوا من ذلك انه إذا كان الابن يحجب الأخ من الميراث بسبب قرب الدرجة عند السنة فإن البنت تحدبه أيضاً لكونها أقرب من الأخ مرتبة عند الإمامية. كذلك رد الشيعة الإمامية على قول أهل السنة: إن الله تعالى حدد في ىية المواريث من سورة النساء نصيب البنت المنفردة بالنصف والإثنتين فأكثر بالثلثين في قوله تعالى: (فإن كن نساء فوق إثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف)، ردّ الشيعة بأن ما جاء في هذه الآية من تحديد لنصيب البنت أو البنات يعني هذا نصيبهن مع وجود غيرهن من أصحاب الفروض. ولا يفيد بالتالي إن البنت أو البنات لا يرد عليهن ما زاد عن نصيبهن عندما لا يكون معهن صاحب فرض آخر. كذلك قالوا ان آية: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) تدل على أن القريب أولى بالميراث من البعيد. وبهذا تكون البنت أقرب إلى الميت من الأخ لكونها من المرتبة الأولى والأخ من المرتبة الثانية، كما تكون الأخت أقرب من العم لكونها من المرتبة الثانية والعم من المرتبة الثالثة.
وأما حديث: ((الحقوا الفرائض بأهلها فما أبقته الفرائض فلأولى عصبة ذكر)) فإنه لم يصح عند الشيعة الإمامية لأنه مروي عن عبدالله ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس عن النبي (ص)، فقد قال الشيخ الطوسي في التهذيب:
((الذي يدل على بطلان هذه الرواية انهم رووا عن طاوس خلاف ذلك وانه تبرأ من هذا الخبر. كما يروون بالسند إلى قارية بن مضرب انه لقي طاوساً فسأله عن الحديث فأجابه قائلاً: لا والله ما رويت هذا عن ابن عباس قط وإنما الشيطان ألقاه على ألسنتهم)). وما دام لم يصح هذا الحديث عند الشيعة الإمامية فإن حكم الله تعالى يظل على النحو الذي فهموه من آية: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله).
هذا وقد رتب الإمامية لإبطال القول بالتعصيب مسائل عدة لا نرى داعياً لإيرادها جميعها. وإنما نقتصر على ذكر مسألة منها، وهي: ما لو توفي انسان عن ابن وثماني وعشرين بنتاً فيصيب الابن سهمين من ثلاثين. فلو وجد مكان الابن ابن ابن ابن عم فإنه يأخذ عشرة أسهم من ثلاثين. وبهذا يكون حظ الأبعد وهو ابن ابن ابن العم خمسة أمثال حظ الأقرب الذي هو الابن.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الاختلاف بين السنة والشيعة في موضوع التعصيب من باب المواريث لعب قديماً ولا يزال يلعب حديثاً دوراً كبيراً في حياة المسلمين السنة حيث ينتقل ـ ممن شاء الله تعالى أن يجعل ذريتهم أناثاً لا غير ـ من التسنن إلى التشيع لأنهم وجدوا أن أدلة الشيعة الإمامية أقرب إلى النصوص القرآنية وأكثر انسجاماً مع الفطرة الانسانية التي تجعل المرء أحرص على أولاده ـ ذكوراً كانوا أم إناثاً ـ منه على سائر أقربائه لأنهم امتداد لوجوده فضلاً عن كونهم من صلبه.
ولا تثريب ـ في نظري على هؤلاء ـ فالمذاهب الستة المعتمدة كلها سواء، ومشيخة الأزهر الشريف أحسنت صنعاً حين أصدرت في السابع عشر من شهر ربيع الأول للعام الهجري 1378 فتواها الشجاعة بجواز التعبد على جميع المذاهب الاسلامية الثابتة الأصول، المعروفة المصادر، المتبعة لسبيل المؤمنين، ومنها مذهب الشيعة الإمامية الإثنا عشرية. هذه الفتوى التي أثلجت صدور المسلمين المخلصين وقرت أعين المؤمنين الصادقين الذين لا هدف لهم إلا نصرة الحق دون أن تقودهم نزوة أو تسيطر عليهم عصبية.
ولو قدر لكل فقيه أو طالب علم أن يعمد إلى دراسة الفقه المقارن لما أفضى به علمه إلى معاجاة ما جاء في غير مذهبه، بل ولوجد أن جميع المذاهب المعتمدة ليست سوى نوافذ متعددة لغرفة واحدة أو روافد تصب كلها في شريعة الحكمة والرحمة ـ شريعة الاسلام ـ فلا يكون ثمة بين مختلف المتفقهين تنازع ولا تخاصم ولا شحناء ولا بغضاء بل يأتلفون حول أصول دينهم و لا يتفرقون كما تفرق الذين من قبلهم وتغدو خلافاتهم حول بعض الفروع الفقهية المحدودة خلافات العلماء المنفتحين والمحققين المنصفين: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب).
|