|
د.عبد الرحمن ابراهيم الكيلاني
لم يفرد الإمام ( الشاطبي ) مبحثاً مستقلاً يبين فيه أنواع الأدلة التي استند اليها للنهوض بحجية القاعدة المقصدية وجعلها قاعدة صحيحة معتبرة , وإنما جاء ذكره لدليل القاعدة , في معرض بيانه للقاعدة ذاتها . فهو إذ يذكر القاعدة يذكر معها غالباً الدليل الذي ينهض بحجيتها. وعلى ذلك , فإن الوقوف على أدلة القواعد يتطلب منا استقراء جميع القواعد المقاصدية استقراءً تاماً للوقوف على سندها ودليل كل منها على انفراد واستقلال .
ومن خلال الاستقراء لهذه القواعد , استطعت أن أقف على الأدلة , التي يعتمدها الإمام ( الشاطبي ) في حجية القاعدة المقصدية وهي كالآتي :
أولاً : الاستقراء.
ثانياً : الإجماع .
ثالثاً : قاعدة شرعية قد تقررت صحتها .
رابعاً : الدليل العقلي الذي يعتمد المنطق التشريعي .
وتظهر هذه الأدلة بشكل واضح إذا وقفنا عند كل منها , لنرى كيف يجعلها الإمام ( الشاطبي ) أسساً لبناء القاعدة وتشييدها .
فدليل الاستقراء , والذي يقوم على تتبع الجزئيات , وتصفح الفروع , للخروج منها بمعنى عام ينتظمها جميعها " يعتمده الإمام ( الشاطبي ) كثيراً في إثبات القواعد المقاصدية , وعادة ما يكون هذا الدليل مسانداً وملازماً للقواعد الكلية , التي تعتبر أصولاً لغيرها من القواعد التي تنبثق منها .
فمثلاً , يستند الإمام ( الشاطبي ) الى الاستقراء , من كون الشارع قاصداً للمحافظة على القواعد الثلاث : الضرورية , والحاجية , والتحسينية . ويقول : " ودليل ذلك استقراء الشريعة , والنظر في أدلتها الجزئية والكلية , وما انطوت عليه من هذه الامور العامة على حد الاستقراء المعنوي الذي لايثبت بدليل خاص , بل بأدلة مضاف بعضها الى بعض مختلفة الأغراض , بحيث من مجموعها أمر واحد تجتمع عليه تلك الأدلة على حد ما ثبت عند العامة من وجود ( حاتم ) وشجاعة ( علي ) – رضي الله عنه – وما أشبه ذلك .
كما يستند الى الاستقراء – إضافة الى غيره من الأدلة – كدليل ينهض بحجية القاعدة المقصدية .
" الأصل في العبادات التوقف دون الالتفات الى المعاني ,وأصل العادات الالتفاف الى المعاني " , ويعني بالمعاني : الحكم .
حيث يبدأ ( الشاطبي ) بالاستقراء , كدليل يثبت حجية هذه القاعدة , فيقول : " الصلوات خصصت بأفعال مخصوصة على هيئات مخصوصة , إن خرجت عنها لم تكن عبادات , وأن الذكر المخصوص في هيئة ما مطلوب , وفي هيئة أخرى غير مطلوب . وأن الطهارة من الحدث مخصوصة بالماء الطهور , وإن أمكنت النظافة بغيره . وأن التيمم , وليست فيه نظافة حسية , يقوم مقام الطهارة بالماء المطهر . وهكذا سائر العبادات كالصوم والحج وغيرهما .
فهذا الاستقراء ينهض بالقسم الأول من القاعدة وهو التوقف في العبادات دون الالتفاف الى المعاني . أما الالتفاف الى المعاني في العادات فمن أدلته أيضاً الاستقراء , حيث يقول الإمام ( الشاطبي ) :" فإنا وجدنا الشارع قاصداً لمصالح العباد , والأحكام العادية تدور معها حيثما دارت , فترى الشيء الواحد يمنع في حال لاتكون فيه مصلحة , فإذا كان فيه مصلحة جاز , كالدرهم بجنسه الى أجل يمتنع في المبايعة , ويجوز في القرض , وبيع الرطب باليابس , يمتنع حيث يكون مجرد غرر , وربا , من غير مصلحة ,ويجوز إذا كان مصلحة راجحة , ولم نجد هذا في باب العبادات مفهوماً كما فهمناه في العادات .
وقال تعالى ) ولكم في القصاص حياة ياأولي الألباب )( 2البقرة / 179 ) , وقال : ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) (2 البقرة / 188) , وقال : ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ) (5 المائدة / 91 ) .الى غير ذلك مما لا يحصى , وجميعه يشير بل يصرح باعتبار المصالح للعباد , وأن الإذن دائر معها إينما دارت .
وموارد الاستقراء , التي يعتمد عليها الإمام ( الشاطبي ) في سبيل النهوض بالقاعدة غالباً ما تكون نصوصاً ثابتة ترشد جميعها الى معنى واحد , وهذه النصوص إما أن تكون نصاً قرآنياً أو حديثاً شريفاً , أو قول صحابي .
ومثالها : القاعدة السابقة , حيث اعتمد ( الشاطبي ) على جملة من النصوص القرآنية التي ترشد بمجموعها الى ملاحظة المعاني والحكم في الأحكام العادية .
ومن هذه القواعد أيضاً : " من مقصود الشارع في الأعمال دوام المكلف عليها ".
فالإمام ( الشاطبي ) يعمد الى استقراء جملة من النصوص القرآنية والنبوية التي تدل على هذا المعنى , منها قوله تعالى : ( إلا المصلين , الذين هم على صلاتهم دائمون ) (7 المعارج 22-23) .وقوله تعالى : ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) ( 2البقرة/ 43 ) . وفسرت الإقامة بمعنى المداومة .
وقوله صلى الله عليه وسلم :" خذوا من الأعمال ما تطيقونه , فإن الله لايمل حتى تملوا " . الى غير ذلك من النصوص التي ترشد الى قصد الشارع الى المداومة على الأعمال والحفاظ عليها ,والاستمرار في أدائها .
أما دليل الإجماع فهو مستند الإمام ( الشاطبي ) في الكثير من القواعد أيضاً .
ومن ذلك مثلاً القاعدة المقصدية : " الشارع لم يقصد التكليف بالشاق والإعنات فيه ".
فالإجماع من ضمن القواعد التي تنهض بحجية هذه القاعدة , إذ يقول ( الشاطبي ) : " الاجماع على عدم وقوعه – يقصد المشقة أو الحرج – وجوداً في التكليف وهويدل يدل على عدم قصد الشارع اليه ".
أما الاستدلال على القاعدة بقاعدة أخرى : فإن القاعدة قد تستند الى قاعدة أخرى , سبق وأن تقررت وثبتت حجيتها , مثل قاعدة : " إن المشقة ليس للمكلف أن يقصدها في التكليف نظراً الى عظم أجرها , وله أن يقصد العمل الذي يعظم أجره لعظم مشقته , من حيث هو عمل ".
حيث يستند الإمام ( الشاطبي ) على حجية هذه القاعدة التي توجه قصد المكلف الى أصلين ثابتين :
- الأول : القاعدة المقصدية :" أن الشارع لم يقصد التكليف بالشاق والإعنات فيه ".
- الثاني : " كل قصد يخالف قصد الشارع فهو باطل ".
ولكل من هذين الأصلين أدلته الخاصة به , والتي تجعله أصلاً قوياً معتبراً فلذلك كان جديراً بأن تؤسس عليه غيره من القواعد المقاصدية الأخرى .
أما الدليل العقلي , فالإمام ( الشاطبي ) كثيراً ما يلجأ إليه كدليل يؤكد به القاعدة المقصدية ويعضدها , مثل الاستدلال على حجية القاعدة المقصدية :" أن الجهة المغلوبة من المصالح والمفاسد , لايتوجه اليها قصد الشارع ولا اعتباره".
حيث استدل الإمام ( الشاطبي ) على حجية هذه القاعدة بالدليل العقلي , فقال : الدليل على ذلك : " أن الجهة المغلوبة – من المصلحة أو المفسدة – لو كانت مقصودة للشارع لم يكن الفعل مأموراً به بإطلاق , ولا منهياً عنه بإطلاق , بل يكون ماموراً به من حيث المصلحة , ومنهياً عنه من حيث المفسدة , ومعلوم قطعاً أن الأمر ليس كذلك ".ثم يقول الدليل الثاني : " أن ذلك لو كان مقصود الاعتبار شرعاً لكان تكليف العبد كله تكليفاً بما لايطاق , وهو باطل شرعاً .
( وظاهر من هذين الدليلين الاستناد الى المنطق العقلي لتأييد هذه القاعدة حيث إن العقل يحيل أن يتوجه الأمر والنهي معاً على ذات الفعل , ولو كانت المصالح المرجوحة أو المفاسد المغلوبة ملتفتاً اليها شرعاً لاقتضى ذلك أن يتوجه الخطاب بالأمر والخطاب بالنهي الى ذات الفعل الواحد في آن معاً .ولاشك أن هذا محال , إذ لا إمكان لورود الأمر والنهي عن ذات الفعل في وقت واحد , والمحال لايشرع .)
كذلك فإن الدليل الثاني يقوم على المنطق العقلي :" لأن المصالح والمفاسد المغلوبة , لوكانت معتبرة ومقصودة لكان تكليفاً بما لا يطاق ".
وبيان وجه كونه لايطاق : أن المكلف سيكون عندئذ مطالباً بإيقاع الفعل , ومنهياً عن إيقاعه في الوقت ذاته ,لأنه إذا كان مخاطباً بإيقاع المصلحة الراجحة المعتبرة فهو مخاطب كذلك بالابتعاد عن المصلحة المرجوحة على فرض اعتبارها .وبذلك يكون المكلف متردداً بين " افعل " و" لاتفعل " لفعل واحد , وهو عين التكليف بما لايطاق , وما لايطاق من التكليف لايشرع ابتداء.
وهكذا يستند الإمام ( الشاطبي ) الى الأدلة العقلية التي تتناسق ومنطق التشريع لتكون سنداً مكيناً للقواعد المقاصدية .
هذه هي أقسام القواعد المقاصدية وفق الاعتبارات المختلفة.
وسأنهج في بحثي هذا على اعتماد الموضوع أساساً في تقسيم هذه القواعد وبحثها , لأن ذلك أدعى الى عرضها على وفق نسق واحد بحيث تجمع بين كل طائفة منها وحدة واحدة تتمثل في الموضوع الذي ينتظمها جميعها .
المصدر : قواعد المقاصد عند الامام الشاطبي ( عرضاً ودراسة وتحليلاً ). ساسا
|