فقه و تشريع

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
القرضاوي
مراتب تغيير المنكر ومتى يجوز التغيير بالقوة

من الفرائض الأساسية في الإسلام، فريضة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهي الفريضة التي جعلها الله تعالى أحد عنصرين رئيسيين في تفضيل هذه الأمة وخيريتها: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله).
والمسلم بهذا ليس مجرد إنسان صالح في نفسه، يفعل الخير ويدع الشر ويعيش في دائرته الخاصة، لا يبالي بالخير، وهو يراه ينزوي ويتحطم أمامه، ولا بالشر وهو يراه يُعشش ويفرخ من حوله.
بل المسلم ـ كل مسلم ـ إنسان صالح في نفسه، حريص على أن يصلح غيره، وهو الذي صورته تلك السورة الموجزة من القرآن، سورة العصر: (والعصر. إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).
فكل منكر يقع في المجتمع المسلم، لا يقع إلا في غفلة من المجتمع المسلم، أو ضعف وتفكك منه، ولهذا لا يستقر ولا يستمر، ولا يشعر بالأمان، ولا يتمتع بالشرعية بحال.
المنكر ـ أي منكر ـ يعيش ((مطارداً)) في البيئة المسلمة، كالمجرم المحكوم عليه بالإعدام أو السجن المؤبد، إنه قد يعيش وينتقل، ولكن من وراء ظهر العدالة، وبالرغم من المجتمع.
والمسلم إذن مطالب بمقاومة المنكر ومطاردته، حتى لا يكتب له البقاء بغير حق في أرض ليست أرضه، ودار ليست داره، وقوم ليسوا أهله.
ومن هنا جاء الحديث الصحيح الذي رواه أبو سعيد الخدري عن النبي (ص) قال: ((مَن رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)).
والحديث واضح الدلالة في أن تغيير المنكر من حق كل مَن رآه من المسلمين، بل من واجبه.
ودليل ذلك أن ((مَن)) في الحديث ((مَن رأى)) من ألفاظ العموم، كما يقول الأصوليون، فهي عامة تشمل كل مَن رأى المنكر، حاكماً كان أو محكوماً، وقد خاطب الرسول الكريم بها المسلمين كافة ((مَن رأى منكم)) لم يستثن منهم أحداً، ابتداءً من الصحابة فمن بعدهم من أجيال الأمة إلى يوم القيامة.
وقد كان هو الإمام والرئيس والحاكم للأمة، ومع هذا أمر مَن رأى منهم ـ وهم المحكومون ـ منكراً أن يغيروه بأيديهم، متى استطاعوا، حين قال: ((مَن رأى منكم منكراً)).
شروط تغيير المنكر:
كل ما هو مطلوب من الفرد المسلم ـ أو الفئة المسلمة ـ عند التغيير: أن يراعي الشروط التي لا بد منها، والتي تدل عليها ألفاظ الحديث.
الشرط الأول ـ أن يكون محرماً مجمعاً عليه:
أي أن يكون ((منكراً)) حقاً، ونعني هنا: المنكر الذي يطلب تغييره باليد أولاً، ثم باللسان، ثم بالقلب عند العجز. ولا يطلق ((المنكر)) إلا على ((الحرام)) الذي طلب الشارع تركه طلباً جازماً، بحيث يستحق عقاب الله من ارتكبه. وسواء أكان هذا الحرام فعل محظور أم ترك مأمور.
وسواء أكان الحرام من الصغائر أم من الكبائر، وإن كانت الصغائر قد يتساهل فيها ما لا يتساهل في الكبائر، ولا سيما إذا لم يواظب عليها، وقد قال تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً).
فلا يدخل في المنكر إذن المكروهات، أو ترك السنن والمستحبات، وقد صحّ في أكثر من حديث أن رجلاً سأل النبي (ص) عما فرض الله عليه في الاسلام فذكر له الفرائض من الصلاة والزكاة، والصيام وهو يسأل بعد كل منها: هل عليّ غيرها؟ فيجيبه الرسول الكريم: ((إلا أن تطوع)) حتى إذا فرغ منها قال الرجل: والله يا رسول الله، لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال عليه الصلاة والسلام: ((أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق)).
لابد إذن أن يكون المنكر في درجة ((الحرام))، وأن يكون منكراً شرعياً حقيقياً، أي ثبت إنكاره بنصوص الشرع المحكمة، أو قواعده القاطعة، التي دلّ عليها استقراء جزئيات الشريعة.
وليس إنكاره بمجرد رأي أو اجتهاد، قد يصيب ويخطئ، وقد يتغير بتغير الزمان والمكان والعرف والحال.
وكذلك يجب أن يكون مجمعاً على أنه منكر، فأما ما اختلف فيه العلماء المجتهدون قديماً أو حديثاً، بين مجيز ومانع، فلا يدخل دائرة ((المنكر)) الذي يجب تغييره باليد، وخصوصاً للأفراد.
فإذا اختلف الفقهاء في حكم التصوير، أو الغناء بآلة، وبغير آلة، أو في كشف وجه المرأة وكفيها، أو في تولي المرأة القضاء ونحوه، أوفي إثبات الصيام والفطر برؤية الهلال في قطر آخر، بالعين المجردة، أو بالمرصد أو بالحساب أو غير ذلك من القضايا التي طال فيها الخلاف قديماً وحديثاً.. لم يجز لانسان مسلم، أو لطائفة مسلمة أن تتبنى رأيا من الرأيين، أو الآراء المختلف فيها، وتحمل الآخرين عليه بالعنف.
حتى رأي الجمهور والأكثرية، لا يسقط رأي الأقل، ولا يلغي اعتباره، حتى لو كان المخالف واحداً، ما دام من أهل الاجتهاد، وكم من رأي مهجور في عصر ما، اصبح مشهوراً في عصر آخر.
وكم ضُعّف رأي لفقيه، ثم جاء مَن صححه ونصره وقواه، فأصبح هو المعتمد والمفتي به.
وهذه آراء شيخ الاسلام ابن تيمية، في الطلاق وأحوال الأسرة، قد لقي من أجلها ما لقى في حياته، وظلت تقاومت قروناً عدة بعد وفاته، ثم هيأ الله لها من نشرها وأيدها، حتى غدت عمدة الإفتاء والقضاء والتقنين في كثير من الأقطار الإسلامية.
وظلت تقاومت قروناً عدة بعد وفاته، ثم هيأ الله لها من نشرها وأيدها، حتى غدت عمدة الإفتاء والقضاء والتقنين في كثير من الأقطار الإسلامية.
إن المنكر الذي يجب تغييره بالقوة لا بد أن يكون منكراً بيناً ثابتاً، اتفق أئمة المسلمين على أنه منكر، وبدون ذلك يفتح باب شر لا آخر له، فكل مَن يرى رأياً يريد أن يحمل الناس عليه بالقوة!
في بعض الأقطار الإسلامية قام مجموعة من الفتيان المتحمسين لتحطيم المحلات التي تبيع الدمى ((العرائس واللعب)) للأطفال، لأنها أصنام، وصور مجسمة تعتبر من أكبر الكبائر!
ولما قيل لهم: إن العلماء من قديم أجازوا لعب الأطفال، لما فيها من امتهان الصورة، وانتفاء تعظيمها.. إلخ، قالوا: كان هذا في صور غير هذه الصور المتقنة التي تفتح عينيها وتغلقها.
قيل لهم: ولكن الطفل يرمى بها يميناً وشمالاً، ويخلع ذراعها ورجلها، ولا يمنحها أي قدر من التعظيم أو التقديس.. لم يجدوا جواباً!
وفي بلاد إسلامية أخرى قام بعض الشباب يحاول أن يغلق المطاعم ومحلات العصير والقهوة ونحوها بالقوة، حين أعلنت بعض الأقطار الاسلامية بدء الصيام، ورؤية الهلال، فرأى هؤلاء المتحمسون أن رمضان قد ثبت، فلا يجوز المجاهرة بالإفطار.
ومثل ذلك ما قام به بعض الشباب المسلم الغيور في مصر في أحد أعياد الفطر حيث ترجح لدى الجهات الشرعية في مصر عدم ثبوت شوال لاعتبارات شتى، منها قطع الفلك أن من المستحيل رؤية الهلال تلك الليلة. ولم ير الهلال في مصر، ولكن بعض الأقطار أعلنت رؤية الهلال، فأصر هؤلاء على أن يفطروا ويقيموا شعائر العيد وحدهم، ضد الدولة، وأغلبية الأمة، وحدث من جراء ذلك صدام مع أجهزة الأمن لا مبرر له.
ورأيي أن هؤلاء وأولئك أخطأوا من جملة أوجه:
الأول: أن الفقهاء مختلفون في طريق إثبات الهلال، فمنهم مَن اكتفى بشاهد واحد، ومنهم مَن طلب شاهدين، ومنهم مَن اشترط في حالة الصحو شهادة الجم الغفير، ولكل أدلته ووجهته.
فلا يجوز إجبار الناس على مذهب واحد، من غير ذي سلطة.
الثاني: أنهم اختلفوا كذلك في مسألة اعتبار اختلاف المطالع أو عدم اعتبارها، وفي عدد من المذاهب أن لكل بلد رؤيته، ولا يلزم بلد برؤية بلد آخر، وهو مذهب ابن عباس ومَن وافقه كما هو معروف من حديث كريب في صحيح مسلم.
الثالث: أن حكم الإمام أو القاضي في الأمور الخلافية يرفع الخلاف، ويلزم الأمة اتباعه.
ولهذا إذا أخذت السلطات الشرعية بقول إمام أو اجتهاد مذهب في هذه القضايا فالواجب اتباعها، وعدم تفريق الصف.
وقد قلت في بعض ما أفتيت به: إذا لم نصل إلى وحدة المسلمين جميعاً في الصيام والفطر، فعلى الأقل يجب أن يتحد أهل البلد الواحد في شعائرهم، فلا يقبل بحال أن ينقسم أهل البلد الواحد إلى فريقين: فريق صائم وفريق مفطر.
ولكن هذا الخطأ في الاجتهاد من شباب مخلصين لا يقاوم بالرصاص، بل بالإقناع.
الشرط الثاني ـ ظهور المنكر:
أي أن يكون المنكر ظاهراً مرئياً، فأما ما استخفى به صاحبه عن أعين الناس وأغلق عليه بابه، فلا يجوز لأحد التجسس عليه، بوضع أجهزة التصنت عليه، أو كاميرات التصوير الخفية، أو اقتحام داره عليه لضبطه متلبساً بالمنكر.
وهذا ما يدل عليه لفظ الحديث: ((مَن (رأى) منكم منكراً فليغيره...)) فقط ناط التغيير برؤية المنكر ومشاهدته، ولم ينطه بالسماع عن المنكر من غيره.
وهذا لأن الاسلام يدع عقوبة من استتر بفعل المنكر ولم يتبجح به، إلى الله تعالى يحاسبه في الآخرة، ولم يجعل لأحد عليه سبيلاً في الدنيا، حتى يبدي صفحته ويكشف ستره.
حتى إن العقاب الإلهي ليخفف كثيراً على مَن استتر بستر الله، ولم يظهر المعصية كما في الحديث الصحيح: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرين)).
لهذا لم يكن لأحد سلطات على المنكرات الخفية، وفي مقدمتها معاصي القلوب من الرياء والنفاق والكبر والحسد والشح والغرور ونحوها.. وإن اعتبرها الدين من أكبر الكبائر، ما لم تتجسد في عمل ظاهر، وذلك لأننا أمرنا أن نحكم بالظواهر، ونكل إلى الله تعالى السرائر.
ومن الوقائع الطريفة التي لها دلالتها في هذا المقام ما وقع لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وهو ما حكاه الغزالي في كتاب ((الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) من ((الإحياء)): أن عمر تسلق دار رجل، فرآه على حالة مكروهة فأنكر عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن كنت أنا قد عصيت الله من وجه واحد، فأنت قد عصيته من ثلاثة أوجه، فقال: وما هي؟ قال: قد قال الله تعالى: (ولا تجسسوا)، وقد تجسست، وقال تعالى: (وأتوا البيوت من أبوابها)، وقد تسورت من السطح، وقال تعالى: (لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها) وما سلمت. فتركه عمر، وشرط عليه التوبة.
والشرط الثالث لتغيير المنكر بالقوة ـ القدرة الفعلية على التغيير:
أي أن يكون مريد التغيير قادراً بالفعل ـ بنفسه أو بمن معه من أعوان ـ على التغيير بالقوة. بمعنى أن يكون لديه قوة مادية أو معنوية تمكنه من إزالة المنكر بسهولة.
وهذا الشرط مأخوذ من حديث أبي سعيد أيضاً، لأنه قال: ((فمن لم يستطع فبلسانه)) أي: فمن لم يستطع التغيير باليد، فليدع ذلك لأهل القدرة، وليكتف هو بالتغيير باللسان والبيان، إن كان في استطاعته.
وهذا في الغالب إنما يكون لكل ذي سلطان في دائرة سلطانه، كالزوج مع زوجته، والأب مع أبنائه وبناته، الذين يعولهم ويلي عليهم، وصاحب المؤسسة في داخل مؤسسته، والأمير المطاع في حدود إمارته أو سلطته، وحدود استطاعته.. وهكذا.
وإنما قلنا: القوة المادية أو المعنوية، لأن سلطة الزوج على زوجته أو الأب على أولاده، ليست بما يملك من قوة مادية، بل بما له من احترام وهيبة تجعل كلمته نافذة، وأمره مطاعاً.
إذا كان المنكر من جانب الحكومة:
وهنا تظهر مشكلة ما إذا كان المنكر من جانب الحكومة أو الدولة، التي تملك مقاليد القوة المادية والعسكرية، ماذا للأفراد والفئات أو عليهم أن يعملوا لتغيير المنكر الذي ترتكبه السلطة أو تحميه؟؟
والجواب: أن عليهم أن يملكوا القوة التي تستطيع التغيير، وهي في عصرنا إحدى ثلاث:
الأولى: القوات المسلحة التي يستند إليها كثير من الدول في عصرنا ـ ولا سيما في العالم الثالث ـ في إقامة حكمها، وتنفيذ سياستها، وإسكات خصومها بالحديد والنار، فالعمدة لدى هذه الحكومات ليس قوة المنطق، بل منطق القوة، فمن كان معه هذه القوات استطاع أن يضرب بها ل تحرك شعبي يريد التغيير.
الثانية: المجلس النيابي الذي يملك السلطة التشريعية، وإصدار القوانين وتغييرها، وفقاً لقرار الأغلبية، المعمول به في النظام الديمقراطي، فمن ملك هذه الأغلبية في ظل نظام ديمقراطي حقيقي غير مزيف، أمكنه تغيير كل ما يرى من منكرات بوساطة التشريع الملزم، الذي لا يستطيع وزير، ولا رئيس حكومة، ولا رئيس دولة أن يقول أمامه: لا.
الثالثة: قوة الجماهير الشعبية العارمة التي تشبه الإجماع، والتي إذا تحركت لا يستطيع أحد أن يواجهها، أو يصد مسيرتها، لأنها كموج البحر الهادر أو السيل العرم، لا يقف أمامه شيء، حتى القوات المسلحة نفسها، لأنها في النهاية جزء منها، وهذه الجماهير ليسوا إلا أهليهم وآباءهم وأبناءهم وإخوانهم.
فمن لم يملك إحدى هذه القوى الثلاث، فما عليه إلا أن يصبر، ويصابر ويرابط، حتى يملكها، وعليه أن يغير باللسان، والقلم، والدعوة والتوعية والتوجيه، حتى يوجد رأياً عاماً قوياً يطالب بتغيير المنكر، وأن يعمل على تربية جيل طليعي مؤمن يتحمل تبعة التغيير. وهذا ما يشير إليه حديث أبي ثعلبة الخشني حين سأل النبي (ص) عن قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم)، فقال له النبي (ص): ((بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شُحاً مطاعاً، وهوىً متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك ودع العوام، فإن من ورائكم أياماً، الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون كعملكم)).
الشرط الرابع ـ عدم خشية منكر أكبر:
أي ألا يخشى من أن يترتب على إزالة المنكر بالقوة منكر أكبر منه، كأن يكون سبباً لفتنة تسفك فيها دماء الأبرياء، وتنتهك الحرمات، وتنتهب الأموال، وتكون العاقبة أن يزداد المنكر تمكناً، ويزداد المتجبرون تجبراً وفساداً في الأرض.
ولهذا قرر العلماء مشروعية السكوت على المنكر مخافة ما هو أنكر منه وأعظم، ارتكاباً لأخف الضررين، واحتمالاً لأهون الشرين.
وفي هذا جاء الحديث الصحيح، أن النبي (ص) قال لعائشة: ((لولا أن قومك حديثو عهد بشرك، لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم)).
وفي القرآن الكريم ما يؤيد ذلك، في قصة موسى (ع) مع بني إسرائيل، حين ذهب إلى موعده مع ربه، الذي بلغ أربعين ليلة، وفي هذه الغيبة فتنهم السامري بعجله الذهبي، حتى عبده القوم، ونصحهم أخوه هارون، فلم ينتصحوا وقالوا: (لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى).
وبعد ردوع موسى ورؤيته لهذا المنكر البشع ـ عبادة العجل ـ اشتد على أخيه في الإنكار، وأخذ بلحيته يجره إليه من شدة الغضب، (قال يا هارون ما منعك إذ رأيتم ضلوا. ألا تتبعن أفعصيت أمري. قال يابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي).
ومعنى هذا: أن هارون قدم الحفاظ على وحدة الجماعة في غيبة أخيه الأكبر، حتى يحضر، ويتفاهما معاً كيف يواجهان الموقف الخطير بما يتطلبه من حزم وحكمة.
هذه هي الشروط الأربعة التي يجب أن تتوافر لمن يريد تغيير المنكر بيده، وبتعبير آخر: بالقوة المادية المرغمة.
تغيير المنكرات الجزئية ليس علاجاً:
وأود أن أنبه هنا على قضية في غاية الأهمية لمن يشتغلون بإصلاح حال المسلمين، وهي أن التخريب الذي أصاب مجتمعاتنا، وخلال عصور التخلف، وخلال عهود الاستعمار الغربي، وخلال عهود الطغيان والحكم العلماني، تخريب عميق ممتد، لا يكفي لإزالته تغيير منكرات جزئية، كحفلة غناء، أو تبرج امرأة في الطريق، أو بيع أشرطة ((كاسيت)) أو ((فيديو)) تتضمن ما لا يليق أو ما لا يجوز.
إن الأمر أكبر من ذلك وأعظم، لا بد من تغيير أشمل وأوسع وأعمق.
تغيير يشمل الأفكار والمفاهيم، ويشمل القيم والموازين، ويشمل الأخلاق والأعمال، ويشمل الآداب والتقاليد، ويشمل الأنظمة والتشريعات.
وقبل ذلك لا بد أن يتغير الناس من داخلهم بالتوجيه الدائم، والتربية المستمرة، والأسوة الحسنة، فإذا غيّر الناس ما بأنفسهم كانوا أهلاً لأن يغير الله ما بهم وفق السنة الثابتة: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
ضرورة الرفق في تغيير المنكر:
وقضية أخرى لا ينبغي أن ننساها هنا، وهي ضرورة الرفق في معالجة المنكر، ودعوة أهله إلى المعروف، فقد أوصانا الرسول (ص) بالرفق، وبين لنا أن الله يحبه في الأمر كله، وأنه ما دخل في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه.
ومن القصص التي تروى هنا ما ذكره الغزالي في ((الإحياء)) أن رجلاً دخل على المأمون ليأمره وينهاه، فأغلظ عليه القول، وقال له: يا ظالم، يا فاجر.. الخ. وكان المأمون على فقه وحلم، فلم يعاجله بالعقاب، كما يفعل كثيرون من الأمراء بل قال له: يا هذا، ارفق، فإن الله بعث مَن هو خير منك إلى مَن هو شر مني.. وأمره بالرفق، بعث موسى وهارون، وهما خير منك، إلى فرعون وهو شر مني، فقال لهما: (اذهبا إلى فرعون إنه طغى. فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى).
وهذا التعليل بحرف الترجي (لعله يتذكر أو يخشى) برغم ما ذكره الله تعالى من طغيان فرعون (إنه طغى) دليل على أن الداعية لا ينبغي أن يفقد الأمل فيمن يدعوه مهما يكن كفره وظلمه، ما دام مستخدماً طريق اللين والرفق، ولا طريق الخرق والعنف.

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com