|
أراد المستشرقون _بعد محاولاتهم الفاشلة للتشكيك في القرآن الكريم من جوانب مختلفة، وبعد أن أعياهم البحث ولم يكن لهذه المحاولات أي أثر إيجابي لدى المسلمين المتمسكين بقرآنهم.وهكذا لم يصل المستشرقون إلى ما يريدون من زعزعة اعتقادات المسلمين وخلخلة تمسكهم بإيمانهم وسنة نبيهم، وقد ردد بعض من المسلمين بعض الأفكار الاستشراقية، ولكنها لم تجد أيضاً آذاناً صاغية من المسلمين.
السنة النبوية هي الأصل الثاني للإسلام. وقد أمر الله سبحانه نبيه (ص) أن يبلغ رسالته إلى الناس في قوله تعالى:
(يأيُّها الرَّسُولُ بَلغ ما أُنزلَ إليكَ مِن ربِّك...) (المائدة: 67) ولكن الأمر لم يكن مجرد تبليغ آلي، وإنما هو تبليغ مصحوب بالتبيين، كما ورد في قوله تعالى:
(وأنزَلنا إليكَ الذّكرَ لتُبيّنَ للنَّاسِ ما نُزّل إليهم...) (النحل:44). وفي قوله تعالى:
(ومَا أنزلنا عَليكَ الكتابَ إلاّ لتُبيّنَ لَهُم الّذي اختلفوا فيه...) (النحل:64).
وقد فعل الرسول (ص) ما أمره الله به، فكانت سنته المتمثلة في أقواله وأفعاله وتقريراته بالنسبة للقرآن بمثابة "تفصيل مجمله وبيان مشكله وبسط مختصره". وبذلك يكون الارتباط بين القرآن والسنة ارتباطاً لا يتصور أن ينفصم في يوم من الأيام.
ومن أجل ذلك اهتم المسلمون اهتماماً عظيماً بالسنة بوصفها الأصل الثاني للإسلام. وقد كان هذا الفهم يعد من الأمور البديهية لدى صحابة رسول الله(ص)... فعندما بعث النبي (ص) معاذ بن جبل والياً إلى اليمن سأله: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي.
أراد المستشرقون أن يوجهوا محاولات التشكيك إلى ناحية أخرى، أي إلى الأصل الثاني للإسلام وهو السنة، مع الاستمرار في محاولاتهم السابقة الفاشلة. وأول مستشرق قام بمحاولة واسعة شاملة للتشكيك في الحديث النبوي كان المستشرق اليهودي "جولد تسيهر" الذي يعده المستشرقون أعمق العارفين بالحديث النبوي.
ويلخص "بفانموللر" عمل "جولد تسيهر" في هذا المجال فيقول: "لقد كان جولد تسيهر أعمق العارفين بعلم الحديث النبوي. وقد تناول في القسم الثاني من كتابه (دراسات محمدية) موضوع تطور الحديث تناولاً عميقاً. وراح _بما له من علم عميق، واطلاع يفوق كل وصف _ يبحث التطور الداخلي والخارجي للحديث من كل النواحي... وقد قادته المعايشة العميقة لمادة الحديث الهائلة إلى الشك في الحديث، ولم يعد يثق فيه مثلما كان "دوزي" لا يزال يفعل ذلك في كتابه (مقال في تاريخ الإسلام). وبالأحرى كان "جولد تسيهر" يعتبر القسم الأعظم من الحديث بمثابة نتيجة لتطور الإسلام الديني والتاريخي والاجتماعي في القرن الأول والثاني. فالحديث بالنسبة له لا يعد وثيقة لتاريخ الإسلام في عهده الأول: عهد طفولته، وإنما هو أثر من آثار الجهود التي ظهرت في المجتمع الإسلامي في عصور المراحل الناضجة لتطور الإسلام. ويقدم "جولد تسيهر" مادة هائلة من الشواهد لمسار التطور الذي قطعه الإسلام في تلك العصور التي تم فيها تشكيله من بين القوى المتناقضة، والتباينات الهائلة حتى أصبح في صورته النسقية... ويصور "جولد تسيهر" التطور التدريجي للحديث، ويبرهن بأمثلة كثيرة وقاطعة كيف كان الحديث انعكاساً لروح العصر، وكيف عملت على ذلك الأجيال المختلفة، وكيف راحت كل الأحزاب والاتجاهات في الإسلام تبحث لنفسها من خلال ذلك عن إثبات لشرعيتها بالاستناد إلى مؤسس الإسلام، وأجرت على لسانه الأقوال التي تعبر عن شعاراتها".
وهكذا تم اختراع كم هائل من الأحاديث في العصر الأموي عندما اشتدت الخصومة بين الأمويين والعلماء الصالحين، ففي سبيل محاربة الطغيان والخروج عن الدين راح العلماء يخترعون الأحاديث التي تسعفهم في هذا الصدد، وفي الوقت نفسه راحت الحكومة الأموية تعمل في الاتجاه المضاد، وتضع أو تدعو إلى وضع أحاديث تسند وجهات نظرها. وقد استطاعت أن تجند بعض العلماء الذين ساعدوها في هذا المجال... ولكن الأمر لم يقف عند حد وضع أحاديث تخدم أغراضاً سياسية، بل تعداه إلى النواحي الدينية في أمور العبادات التي لا تتفق مع ما يراه أهل المدينة. وقد استمر هذا الحال في وضع الأحاديث في القرن الثاني أيضاً.
هذا هو ملخص المزاعم التي روجها "جولد تسيهر" ليهدم بها الأصل الثاني للإسلام وهو السنة.
نود أن نشير إلى أننا لا ننكر أن هناك الكثير من الأحاديث المنسوبة إلى النبي (ص) مع أنه لا أصل لها، وأن ذلك لم يكن في يوم من الأيام خافياً على علماء المسلمين في مختلف العصور. ولكن الأمر الذي لا شك فيه أيضاً أن علماء المسلمين الذين اهتموا بجمع الحديث النبوي لم يفرطوا إطلاقاً في ضرورة التدقيق الذي لا حد له في رواية الحقائق. فقد وضع القرآن أمامهم أهم قاعدة من قواعد النقد التاريخي في قوله تعالى:
(يأيُّها الّذين آمنوا إن جاءَكُم فاسقٌ بنبأ فتبيّنوا...) (الحجرات:6).
وتتمثل هذه القاعدة في أن أخلاق الراوي تعد عاملاً هاماً في الحكم على روايته. وقد أفاد المسلمون إفادة عظيمة من هذه القاعدة وطبقوها على رواة الأحاديث النبوية. وقد كان تطبيق هذا المنهج النقدي على رواة الأحاديث هو الذي تطورت عنه بالتدريج قواعد النقد التاريخي.
ولعلماء الحديث باع طويل في نقد الرواة وبيان حالهم من صدق أو كذب. فقد وصلوا في هذا الباب إلى أبعد مدى، وأبلوا فيه بلاءً حسناً، وتتبعوا الرواة ودرسوا حياتهم وتاريخهم وسيرتهم وما خفي من أمرهم وما ظهر، ولم تأخذهم في الله لومة لائم، ولا منعهم عن تجريح الرواة والتشهير بهم ورع ولا حرج.
ويروى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن سيرين قوله:
(... لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم".
أما دعوى أن الحديث أو القسم الأكبر منه كان نتيجة للتطور الديني والسياسي والاجتماعي للإسلام في القرنين الأولين، وما ذكره "جولد تسيهر" من حديث عن طفولة الإسلام ونضوجه... إلخ، فإن الواقع والتاريخ يكذب هذه المزاعم.
فقد انتقل الرسول (ص) إلى الرفيق الأعلى بعد أن اكتمل الدين تماماً بنص القرآن الكريم حيث يقول:
(... اليومَ أكملتُ لَكُم دينكُم وأتممتُ عليكُم نِعمتي ورضيتُ لكُم الإسلامَ دِيناً...) (المائدة:3).
وهذه الآيات الكريمة تتضمن أيضاً إكمال السنة لأن رسول الله (ص) مبلغ ومبين لما في الكتاب كما سبق أن أشرنا، فالحديث عن مرحلة نضوج الإسلام بعد وفاة النبي (ص) حديث لا أساس له، لأن النضوج كان قد تم بالفعل قبل وفاته. أما إذا كان المراد بالنضوج هو تطور الفكر الإسلامي أو الفقه الإسلامي فهذا أمر آخر مع الأخذ في الاعتبار أن تطور الفقه الإسلامي لم يخرج _في أثناء بحثه عن حلول لما جد في المجتمع الإسلامي من مشكلات لم يكن لها نظير من قبل عن الخطوط العامة التي وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية.
وقد كان من نتيجة ذلك جمع المسلمين على كلمة سواء في العقائد والعبادات والأخلاق وأحكام المعاملات في كل بقاء الأرض. فكيف يمكن حدوث ذلك إذا لم يكن الدين قد اكتمل، والقواعد قد ترسخت، والأخلاق قد تمكنت من النفوس، والعبادات قد استقرت أوضاعها. إن القول بأن الحديث أو القسم الأكبر منه كان نتيجة للتطور الذي حدث في المجتمع الإسلامي في القرن الأول والثاني يترتب عليه ألا تتحد عبادة المسلم في شمال أفريقيا مع عبادة المسلم في جنوب الصين، نظراً للاختلاف البعيد في البيئة في كل منهما. فكيف اتحدا في العبادة والتشريع والآداب وبينهما هذا البعد وهذا الاختلاف؟!
أما اختلاف المذاهب وتعددها بعد القرن الأول فقد كان نتيجة لاختلاف أفهام المسلمين في فهم الكتاب والسنة. وهو اختلاف في الاجتهادات في الفروع لا في الأصول، وقد اباح الإسلام مثل هذا الاختلاف في الفهم الناتج عن اجتهاد صادق. فإذا كان اجتهاداً خاطئاً فلصاحبه مع ذلك أجر واحد، وإن كان إجتهاداً صائباً فلصاحبه أجران. ومن هنا نجد المرونة التي تتلاءم مع كل عصر وكل مكان.
---------------------------------------
المصدر: الاستشراق والخلفية الفكرية للصواع الحضاري
|