|
لابدّ للباحث في العدل الأخلاقي، لتحديد ما يجب أن يكون عليه العدل، أن يقرر مسبقاً أن الإنسان مفطور على مَلَكة إرادية تحدد سلوكه إزاء الآخرين. إلا أن مذهب الاختيار لم يكن في أي حال من الأحوال مقبولاً من جميع المؤمنين، وذلك أنه ليس من الواضح ما إذا كانت المصادر الشرعية تؤيد مذهب الجبر أم مذهب الاختيار. وهذا الغموض الذي لا يحيط بمسألة العدل وحسب، بل بقضايا أخرى أيضاً، كان السبب في نشوء المدرستين الجبرية والقدَرية المتعارضتين.
قد يكون الخوارج أول المفكرين المسلمين الذين باشروا الجدل في موضوع العدل. ولم يناقشوا مظهره السياسي وحسب، بل مضامينه الأخلاقية أيضاً. لكنهم برغم دفاعهم عن مذهب الاختيار وقولهم إن الإنسان مسؤول عن أفعاله على الصعيد السياسي، لم يتفقوا كلهم على أن الإنسان حر تماماً في تحديد أفعاله على الصعيد الأخلاقي. ذلك أن التدابير الأخلاقية متصلة اتصالاً وثيقاً بالواجبات الدينية، وعليه لابد من تحديدها في إطار الشريعة.
ظهرت الخلافات في قضية العلاقة بين الفرائض الدينية والواجبات الأخلاقية عندما وقعت الخصومة بين شُعَيب وميمون، وقد كان لميمون على شُعَيب مال، فتقاضاه ميمون فأجاب: ((أعطيكه إن شاء الله)). قال ميمون: ((قد شاء اله أن تعطينيه الساعة)). قال شُعَيب: ((لو شاء الله لم أقدر إلا أن أعطيكه)). فأجاب ميمون: ((فإن الله قد شاء ما أمر، وما لم يأمر لم يشأ، وما لم يشأ لم يأمر)). وإذ عجز الإثنان عن حسم الخلاف بينهما اتفقا على الاحتكام إلى الزعيم الخارجي عبدالكريم بن عَجَرَّد، وقد كان آنذاك في السجن إبان ولاية خالد بن عبدالله في العراق (105/ 724 ـ 120/735)، فأجاب قائلاً: ((إنا نقول ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا نُلحق بالله سوءاً)).
أثار رأي عبدالكريم، الذي بلغهما بُعيد وفاته في السجن، خلافاً حول تفسير نص الإجابة. فقد أعلن ميمون، مستشهداً بالنص ((لا نُلحق بالله سوءاً))، أن عبدالكريم ينصر رأيه بأن الشر لا يضاف إلى الله، في حين أصر شُعَيب أن عبدالكريم يثبت رأيه مستنداً إلى القول: ((ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن)). ويمكن القول إن محور الخلاف كان المسألة الأخلاقية التالية: هل يقدر الله على فعل الظلم؟ فذهب شُعَيب إلى أنه يقدِر لأنه تعبير عن مشيئته. واحتج ميمون بأن ذلك محال لأن الظلم شر، ومن المستحيل أن يُنسب الشر إلى الله. وقد أفضى الخلاف بين شعيب وميمون إلى انشقاق الخوارج إلى مدرستين فكريتين. أكّد أتباع ميمون، وهم القدَريون، مبدأ حرية الإرادة الذي يمكن الإنسان من الاختيار بين الخير والشر فيكون مسؤولاً عن جميع أفعاله. وذهب أتباع شعيب، وهم الجبرية، إلى أن أفعال الإنسان التي يقدرها الله يجب أن تعد صحيحة أو صواباً لأنها تعبير عن إرادة الله. وبناءً على ذلك فإن مسألة الخير والشر غير واردة هنا. وقد رأى الجبرية أن عدل الله يجب أن يخضع لإرادته، وأنه يجب تسوية القضايا الأخلاقية وفق الشريعة. لكن القدَرية ذهبوا إلى أن العدل متصل اتصالاً وثيقاً بالأخلاق ويحدده العقل ((وفق مذهب القدَر ـ الاختيار)) وعليه فإن اللوم يقع على الإنسان عندما يتجاهل معيار العدل الأخلاقي. وكان من المسلّم به أن العقل يهدي إلى الخير لا إلى الشر.
ومع أن الحسن البصري يُعَدُّ من القدَرية، فقد رفض آراء أتباع شعيب الذين قالوا إن ميزان العدل الأخلاقي مقَدّر من الله، برغم أنه ساوى العدل بالتقوى والاستقامة (الخير الأخلاقي). وقد ميّز الحسن البصري بين العدل الأخلاقي والعدل السياسي، وعَدَّ الإنسانَ مسؤولاً عن الأول لا الثاني. وذهب إلى أن الوحي صريح في مسائل العدل السياسي، لأنه يأمر بعبارات واضحة (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) النساء/ 59. ودعا استناداً إلى هذه الآية إلى الطاعة والإخلاص للسلطات، وشجب كل الشغب السياسي الذي كان قادة الفرق المعارضة يثيرونه ضد الحكام السنة. ولما كان العدل السياسي تعبيراً عن إرادة الله فإن القرارات النهائية في جميع مسائل العدل السياسي يجب أن تكون من صلاحيات الخليفة نفسه، الذي يُفترض فيه أن يكون خليفة الله في الأرض.
أما العدل الأخلاقي فإنه يندرج في مقولة أخرى مختلفة تماماً. فالله، وفق مذهب الحسن البصري، يأمر البشر جميعاً باتباع معيار أخلاقي للعدل، ولكنه لا يقدّر أفعال الفرد الأخلاقية: فكل إنسان مسؤول عن سيئاته. ((الهدى يأتي مِن الله)) حسب قول الحسن البصري، ((أما الشرّ فمن الإنسان)). ووفقاً لهذا المذهب، كل من يدّعي أن أفعاله مقدرة من اله يعد منافقاً، ويجب أن يُلام على ضلاله، ولكن ليس لنا أمر حسابه وعقابه، بل ذلك متروك لله يوم الحساب. وإذا كان الحسن يساوي العدل بالتقوى، فقد ذهب إلى أن مقياس العدل هو مقياس أخلاقي تحدده الأخلاق الدينية، فلا حاجة إلى الاستعانة بعقوبات قانونية أو كلامية.
أما المتصوفة المسلمون فقد وضعوا ميزاناً للعدل الأخلاقي مختلفاً اختلافاً كلياً. شددوا على مجموعة القيم التي يمكن أن تؤدي إلى ظلم الإنسان نفسه، وذلك بسبب عزلتهم الشديدة وإغراقهم في التأمل. وكان أرسطو قد ذهب إلى أن الإنسان لا يمكن أن يظلم نفسه، فما من أد يختار أن يؤذي نفسه، وإذا فعل فإنما يظلم الدولة. لكن المتصوفة تخلوا عن وعي عن طالبهم الشخصية بسبب إيمانهم بالتواضع والفقر والتخلي التام عن الاختيار، وبناء على هذا يمكن أن تعد أفعالهم الإرادية ضرباً من ظلم الذات. ومن الناحية الذاتية يمكن أن يقبل الإنسان الحرمان ويتخلى عن الإرادة الحرة فينال رضاً أو سعادة داخلية (خيراً أخلاقياً)، لكن من الناحية الموضوعية ثمة ظلم قد يتجاوز حدود الشخص المعني. ويعبر عن المفهوم الصوفي للعدل الإلهي بعبارات الحب والجمال، أما مقياس هذا العدل فهو الرحمة والعفو. وهو بعبارة أبي سعيد ابن علي الخَيري (441/ 1049) إذ يحدد ميزان العدل الأخلاقي الصوفي:
((كل مَن رآني وعمل صالحاً لأسرتي وتلامذتي سيبقى في ظلّ شفاعتي في الآخرة)).
((ابتهلت إلى الله ليعفو عن جيراني الذين هم على يمين، وعلى شِمالي، وقدّامي، وخلفي، وقد غفر الله لهم من أجلي)).
((لا حاجة لأن أقول كلمة واحدة عن الذين هم من حولي. فلو أن أحدهم امتطى حماراً ومرّ من طرف هذا الطريق، أو مرّ ببيتي أو سوف يمرّ به، أو لو أن ضوء هذه الشمعة سقط عليه فإن أقل ما سيفعله الله به هو أن الله سوف يشمله برحمته)).
ولما كان معظم الصوفية يفضلون حياة العزلة والهدوء فقد عبروا عن موقفهم من مرتكبي الكبائر بعبارات الرحمة والعفو الخالية من الإدانة أو اللوم. ويمكن إطلاق اسم الحب والجمال الإلهيين على فكرتهم عن (العدل الأخلاقي)، الذي يسطع كالشمس على جميع الناس من دون تمييز بين مَن يفعل الخير ومَن يفعل الشرّ.
* مفهوم العدل في الاسلام
|