|
عندما ندرس الأحكام الشرعية التي تصب في حركة المرأة في الواقع الإنساني، وفي ما يخص الجانب الأنثوي من شخصيتها، نجد أن الإسلام لا يمنعها من أن تعيش أنوثتها بكل عناصرها شعوراً وجسداً في حياتها الزوجية، بل نجد أنه يحضها على استثارة أنوثتها بعيداً عن أي تحفظات في هذا المجال لكنه لم يفسح للمرأة المجال أن تحرك أنوثتها كعنصر من عناصر شخصيتها في علاقاتها الخاصة أو العامة بعيداً عن حياتها الزوجية.
وهكذا عندما نفسر دور الأنوثة في شخصية المرأة نجد أنها تمثل ذاتيتها في الجوانب التي يمثلها كيانها الجسدي والعاطفي وحركتها في عوالم الإحساس فتغدو الأنوثة مؤكدة لمعنى التنوع في الإنسان تماماً كما تمثل الذكورة هذا المعنى، في هذا السياق لا تبقى الأنوثة مجرد حالة غريزية، بل حالة إنسانية تمثل ما هي المرأة في مقابل ما هو الرجل من حيث الخصائص المودعة فيها والتي تتناسب مع أجواء أمومتها والأجواء العامة التي تختلف في مزاجها عن أجواء الرجل وبهذا احتفظ الإسلام للمرأة بشخصيتها كامرأة واعتبر الجانب الغريزي حاجة بالنسبة لها كما هو حاجة بالنسبة للرجل، فأراد للمرأة أن تعبر في الحياة الاجتماعية عن إنسانيتها من خلال عناصر الأنوثة التي لا تنحرف عن الخط المتوازن الخاص بهذه الأنوثة.
في هذا المقام لا بد من كلمة في التربية الجنسية التي آمن بضرورتها مجتمع الحضارة المادية إيماناً عظيماً وحث عليها المتأثرون بالثقافة الحديثة فشددوا على ضرورتها في مجتمعنا الذي يعاني من التخلف على أكثر الصعد بالأخص على صعيد العلاقات الجنسية التي تحاط نتيجة التربية والمجتمع بأكثر من هالة غموض وإخفاء، لتكبر حولها الخرافات والمعلومات الخطأ، فدعوا إلى شرحها وإيضاحها بنحو صريح كما دعوا إلى الاختلاط وشجعوه والهدف السامي (!!) هو تحرير المسلم من الكبت الذي يولد الشعور بالقلق والخوف والإحساس بالإثم.
ومما دعم رأيهم أن العلاقة الجنسية مسألة يحكمها العلم كونها حاجة مادية للإنسان إذاً لا دخل للدين في هذه الأمور وفاتهم أن قضية الجنس في جانبها العملي تدخل في نطاق الأمور النفسية والاجتماعية إذاً يدخل هنا الدين بشكل أساسي ومباشر، لما لهذا الأمر من أثر على نفس الفرد ونظام المجتمع اللذين تناولهما الإسلام نظاماً وتشريعاً.. كي ينظم العلاقات بين أفراد المجتمع.
فالإسلام يرى أن الغريزة ذات أثر مهم في حياة الإنسان، فهي: مطلب طبيعي يستوجب الإشباع عند الحاجة ومن جهة أخرى: تقوم بدور رئيسي في بقاء النوع الإنساني والمحافظة على استمراره، كي تتحقق الغاية من خلق الإنسان واستخلافه في الأرض لإعمارها على أساس الخير. فتغدو المسألة كبيرة الأهمية فنجد أن الإسلام قد شجب الرهبانية وحبب الزواج. وهذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب فيه مكملاً لنصف الدين.
وللغريزة الجنسية جانبان: جانب جسدي جسماني وآخر روحي.
وان كان بعض علماء الغرب أمثال "راسل" الذي يقول: "إذا سمحنا بانتشار الصور المنافية للعفة فسوف يملها الناس بعد فترة ولا ينظرون إليها" هو صحيح، إلاَّ أنه يمل لوناً من الانحراف لكنه لا يميل إلى العفاف، بل ينتقل بحاجته الغريزية إلى ممارسة لون آخر من الانحراف. ويعود راسل نفسه يؤكد هذا حين يقول في كتابه "الأخلاق والعلاقة الجنسية": "أن ما يسكن بالإرضاء هو حرارة الجسم لا العطش النفسي".
ويميل "فرويد" مع "راسل" ويخطئ حين يحسب أن تهدئة الغريزة هو إشباعها بلا حد أو قيد. فقد التفت هؤلاء إلى المنع والحرمان وآثاره السلبية وقدموا حلهم لتهدئة الغريزة.
هؤلاء لم يلتفتوا إلى المسألة إلا من جانب واحد، ولو يلحظوا أن إطلاق الغريزة والتسليم لها، وتركها في عالم المثيرات، يجننها ويهيجها، وحيث تستحيل الاستجابة لطلب كل فرد، فسوف تقمع الغريزة حينئذ أسوأ، وتتولد العقد النفسية.
الإسلام ينظر إلى المسألة بشكل يتناسب وحاجة الإنسان الغريزية فقدم الحل المناسب له الذي يتوافق مع إنسانيته. فالطبيعة الإنسانية غير محدودة في مطالبها الروحية. والإنسان روحاً: طالب لا نهاية لطلبه.
وحينما تختلط المطالب الروحية بمسير الأمور المادية لا نصل عندئذ إلى نهاية، وكلما بلغ مرحلة يطلب الإنسان الوصول إلى مرحلة أخرى.
وهكذا، الإسلام يعتقد أن هناك أمرين لازمين لتهدئة الغريزة: أحدهما إرضاء الغريزة في حدود الحاجة الطبيعية، والأخر الحيلولة دون تهيجها وإثارتها.
فحينما يهيئ المجتمع أسباب إثارة الغريزة السمعية والبصرية واللمسية، لا يمكنه بإرضاء الغريزة أن يسكت ثورة المجنون. إذ يستحيل إيجاد الرضا والسكينة بهذا الأسلوب. بل يزيد في اضطراب وإحباط الغريزة مضافاً إلى زيادة الاف الآثار النفسية السلبية الناشئة عن الإحباط.
إنَّ صاحب النظرية الجنسية "فرويد" نفسه التفت إلى أنه بالغ في الحل لهذا الموضوع، ولذا عاد واقترح تحويل سبيل النفس عن هذه الغريزة عن طريق الفن والعلم وغيرهما من الفعاليات، إذا ثبتت التجربة أن رفعت القيود الاجتماعية رفعت معه نسبة الأمراض والآثار النفسية السلبية لغريزة الجنس.
يرغب الإسلام عبر نظرية في العلاقة الجنسية بقيام مجتمع إسلامي أحد أُسسه العفة والمحافظة مع الحث (الزواج استحباب مؤكد أو إلزامي في بعض الأحيان) على تصريف الرغبة الجنسية ضمن الوسائل المشروعة التي وضعها الإسلام، فتصبح ملاعبة الزوج والزوجة استحباباً وتجمل المرأة لزوجها له ثواب وأجر.
فالدور العام لكلا الطرفين هو الدور الإنساني أو الرسالي في صنع الحضارة الإسلامي فيوزع الإسلام بينهما الأدوار والمهمات على أساس عملية التكامل الإنساني الذي يضيف فيه كل فريق، ذكراً كان أم أنثى، شيئاً من خصائصه إلى الفريق الأخر لتتحد الخصائص الإنسانية على مستوى النتائج في تكامل الأدوار والمسؤوليات.
وهكذا فلا اختلاف في المسائل الأخلاقية كالعفة عند الرجل والمرأة، وفي الالتزامات الشرعية في المسألة الجنسية، وفي طبيعة الحدود المفروضة في علاقاتها الإنسانية وفي الإمكانات الفكرية والروحية والعملية.
فشخصية المرأة لها احترامها ومكانتها أما الجانب الغريزي فهو حاجة بالنسبة لها تماماً كما هو حاجة بالنسبة للرجل وبذلك تعبر المرأة عن إنسانيتها في الحياة الاجتماعية من خلال عناصر الأنوثة التي لا تنحرف عن الخط المتوازن الخاص بهذه الأنوثة.
أن حصر التمتع الجنسي ـ من وجهة نظر الإسلام ـ في محيط الأسرة، وبالزواج الشرعي يساعد على الحفاظ على التوازن النفسي العام، ويؤدي إلى تعميق العلاقات الصادقة والحميمة بين أفراد العائلة، كما يفضي اجتماعياً إلى حفظ واستثمار الطاقات باتجاه العمل والإنتاج، وينتهي إلى رفع قيمة واعتبار المرأة أمام الرجل. فكان الحجاب هو الحل الأمثل.
ترجع فلسفة الحجاب الإسلامي إلى عدة عوامل، بعضها ذو جانب نفسي، والأخر ذو جانب أسري، وبعضها ذو بعد اجتماعي، وآخر يرتبط برفع مستوى المرأة واحترامها، والحيلولة دون ابتذالها. وتنبثق كل هذه العوامل من قاعدة أعم وأشمل وهي أن الإسلام يريد حصر ألوان المتعة الجنسية سواء كانت بصرية أو سمعية أو لمسية في محيط الأسرة والزواج القانوني، ويبقى المحيط الاجتماعي العام ميدان للعمل والإنتاج. خلافاً لنظم الغرب في العالم المعاصر، حيث يختلط العمل والإنتاج باللذة الجنسية. فالإسلام وبشكل كامل يفصل بين هذين المحيطين.
ونختم فكرتنا بقول راسل: "في جميع الأديان نوع من التشاؤم وسوء الظن تجاه العلاقة الجنسية ما عدا الإسلام، إنه قد وضع لهذه العلاقة ضوابط وحدوداً لصالح الإنسان ولم يستقذرها على الإطلاق".
----------------------------
عن ( الحجاب )
|