|
تمهيد
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين وبعد: فلست بصدد الدفاع عن احدى متبنيات المبدأ الاسلامي حين عقدت بحثي هذا حول المرأة في المجتمع الأسلامي لعلمي أبتداء أن أسلوب الدفاع عاد أداة غير مجدية يلتمسها العاجزون والمتبرمون بما حواليهم من تردي وضياع في المجتمعات الغافلة عن الله تعالى في وقت اصبحت فيه مهاجمة المفاهيم الاسلامية، ومعاداتها من أوليات أهداف الضالعين في ركاب القوى _ذات الامكانات الهائلة _ المعادية للاسلام، والمنتفعين في حياة التيه في صحاري الضياع من المستشرقين وتلامذتهم!
ومن هنا فقد أصبح اشغال أنفسنا _والحالة هذه _ بأمور الدفاع عن رسالتنا مسألة _بغض النظر عن عدم جدواها _ لا نطيقها نحن كأفراد، ولا تطيقها العصبة اولو القوة فينا، اذ لاعدائنا في كل يوم موضة جديدة، وأسلوب مستحدث في قلب عقيدتنا، والتصدي بالهجوم السافر على مبدئنا العتيد بغية زجنا في معارك جانبية _أذا وضعنا أنفسنا في مستوى الدفاع المجرد _ على حساب مهماتنا الأساسية كأمة تصبو لبناء حاضرها، ومستقبلها بناء على ما يقتضيه المنهج الرباني؟ ومرتكزاته، وأهدافه العليا..
وأنطلاقاً من طبيعة هذا الوعي المحدد لحجم المسؤولية التي ينبغي أن يضطلع بحملها كل مسلم واع لأهداف رسالته العظمى، عقدت هذا البحث متوخيا من خلاله ابراز الأطار العام لدنيا المرأة في المجتمع الاسلامي _بما ييسر الله تعالى لي متخطيا _ ما استطعت كافة التجاوزات الطافحة بروح الحقد، واللاموضوعية التي تتسم بها الدراسات السائرة على الخط الاستعماري، وسالكا كبديل لذلك أسلوب عرض وجهة النظر الاسلامية في مسألة المرأة والمبررات الأساسية التي وردت من أجلها صيغة النظرية الاسلامية المتبناة...
بيد أني _وقبل خوض غمار هذا الحديث _ لابد من أن أشير ابتداء، ولو بصورة عابرة الى العوامل الأساسية التي ساهمت في حجب وجهة النظر الأسلامية في المرأة عن ذهنية الجيل المعاصر، فأتخذت اطار يكتنفه الغموض، ويلفه ضباب كثيف من التشويه يحول دون رؤيته في اطاره السليم...
فمراجعة علمية للملابسات التي رافقت موضوع البحث نلمح الامور الآتية كعوامل أسدلت الستار على واقع النظرية الاسلامية في المرأة:
1) ان غياب الشريعة الاسلامي عن المسرح الحياتي للانسان المعاصر قد ساهم في انعدام فهم النظرية الاسلامية الخاصة بدنيا المرأة: في المجتمع الأسلامي من الجيل المعاصر.
2) أن الأوضاع الشاذة في العالم الأسلامي المغايرة للنظرية الأسلامية في المرأة والتي ألقت بثقلها على دنيا المسلمين منذ أجيال تعاقبت _وغذتها نزعات عشائرية أو أقليمية أو قبلية أو غيرها، وسقوط المرأة تحت وطأة هذه الأوضاع الأجتماعية الشاذة _قد أوحى خطأ _ للغالبية العظمى من أبناء جيلنا المعاصر وقوف الأسلام من المرأة موقف الهاظم لحقوقها، المصادر لكرامته، والمغتال لأرادتها.
3) تولي جهات مشبوهة، واقلام مأجورة مربوطة بشكل أو بآخر بالقوة الأستعمارية مهمة التزييف، والدس على الرسالة، ومدلولاتها الرفيعة بما فيها الجانب المتعلق بموقع المرأة في المجتمع الأسلامي، كأسلوب مشبوه من الأساليب التي تهدف الى تعميق الهوة بين الاسلام والاجيال المعاصرة لحساب القوى المعادية للأسلام...
هذه أهم العوامل التي ساهمت مجتمعة _فيما ارى _ في تشويه المعالم الاساسية لوجهة النظر الأسلامية في مسألة المرأة، ومكانتها في دنيا المسلمين.
الاسلام يحدد الموقع الطبيعي للمرأة
غير أننا لأجل أن نتخطى الصيغ المعادية للاسلام في نظرية المرأة -بما فيها من تجاوزات، وتضليل لابد لنا من أن نستقي وجهة النظر الاسلامية (موضوع البحث) من خلال النصوص الاسلامية الأصيلة الواردة بين دفتي الكتاب العزيز، وسنة المعصوم عليه السلام، وتراث السلف الصالح رضوان الله عليهم...
على أننا حين نمارس دور المتتبع لهذه المسألة في ثنايا ينابيعها الصافية ندرك ابتداء ان الرسالة الاسلامية المباركة تدشن موقفها من المرأة بالهجوم السافر المركز على الحضارات، والمناهج الاجتماعية التي تنكرت لهذا المخلوق الكريم، ونصبت له العداء بسبب وعي تبلد، ولم يعد مدركا لدور المرأة الكبير في معركة بناء الحياة!!
فالرسالة الأسلامية قد وضعت نفسها على الخط الأمامي لمواجهة اعداء المرأة والغافلين عن دورها حين مارست دور المدافع العنيد عن المرأة وحقوقها، وارادتها وشرفها، في الوقت الذي شنت فيه حملة من التنديد الصارخ بأعداء المرأة، كاشفة عن مظلوميتها، ومعرية كل الممارسات المعادية التي سلكت معها عبر الأجيال، والقرون التي غمرها طوفان الجاهلية قبل بزوغ شمس الرسالة الغراء.
وهذه بعض مصاديق الموقف الأسلامي هذا:
1_ واذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت..
2_ واذا بشر احدهم بالانثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب، ألا ساء ما يحكمون.. النحل 58 _ 59.
3_ ولا تقتلوا أولادكم خشية املاق، نحن نرزقهم وأياكم، أن قتلهم كان خطأ كبيرا...
فهذه النصوص الأسلامية وغيرها فوق مما تصوره من روح المكابرة، والاستعلاء والامتهان لجنس المرأة من قبل الحضارات، والمناهج الاجتماعية التي سبقت بزوغ شمس الرسالة الالهية، والتي تجسدت على شكل مواقف، ومعاملات، وتصورات يعافها العقل السليم، والذوق الرفيع، واندرجت تحت عناوين كالحة، ومخزية من الوأد للبنات، أو التبرم من ولادتها _على الأقل _ أو منعها من حقوقها دون الرجل، أو التمييز بينها، وبين الرجل حتى في تناول بعض انواع الطعام أو مصادرة ارادتها في اختيار زوجها، فضلا عن تمتع الرجل بحق الزواج بما يشاء من النساء دون النظر الى مفهوم العدالة أو المساواة، أو نحوهما من مفاهيم انسانية. أقول: أن هذه الممارسات العلمية المجافية لروح التجمع الأنساني السليم في الوقت الذي تشجبها الرسالة الاسلامية بقوة تعمد من جانبها الى وضع المنطلقات الاساسية الواضحة لاسقاط كافة القيود والتجاوزات على حقوق المرأة الثابتة تحت أقدامها.
وهكذا تكون اطلالة الأسلام الحنيف على دنيا الانسان بمثابة أنعطاف تاريخي هائل لا نظير له في حياة العنصر النسوي على الأطلاق، استعيدت لها فيه كرامتها الممتهنة، وحقوقها المهدورة قرونا طويلة...
فلأول مرة في تاريخ انسان هذا الكوكب تمنح المرأة تأثير الدخول في دنيا الكرامة ويمنح لها حق العيش مع صنوها الرجل جنبا الى جنب، الامر الذي يبدو جلياً من خلال المفاهيم العملية التي جسدها الأسلام الحنيف في مجتمعه الكريم، متجاوزا بها كل سمات الأمتهان التي يتعاطاها الرجل في علاقاته مع المرأ، وعاملا ما من شأنه على انهاء كل حالات الشذوذ التي خلفتها المناهج الجاهلية التي كبلت هذا الانسان.
وهذه بعض المبادىء الحيوية الأصيلة التي حملتها الاطروحة الاسلامية المتبناة في مسألة المرأة:
1_ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءا... (النساء/ 1)
2_ وقضى ربك الا تعبدوا الا اياه وبالوالدين احسانا، أما يبلغنّ عند الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا... (الاسراء/23_24)
3_ المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر... (التوبة/71)
4_ ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو انثى وهو مؤمن، فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا... (النساء/ 124)
5_ من عمل صالحاً من ذكر أو انثى، وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون.
6_ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ازواجا لتسكنوا اليها، وجعل بينكم مودة ورحمة... (الروم/21)
7_ هنّ لباس لكم وأنتم لباس لهن...(البقرة/187)
هذه بعض الأطر الفكرية التي قضى الاسلام الحنيف من خلالها بردم الهوة السحيقة التي حفرتها المناهج الجاهلية بين الرجل، والمرأة محققاً بذلك أرقى مظاهر التلاحم الروحي والمصيري بينهما، حيث أعاد للمرأة اعتبارها، ودورها في معركة الحياة لتكون وصنوها الرجل جنباً الى جنب.
فها هي الشريعة الاسلامية تبوىء العنصر النسوي مكانه العلي في رحاب المجموعة الأنسانية دون أفراط أو تفريط، كما ترجمته النصوص القرآنية التي عشنا ظلالها _قبل قليل _ والتي تصور الرجل، والمرأة، وقد انبثقا من مصدر واحد، وجنس واحد، خلافا للنظرية القديمة التي ترى في المرأة مخلوقاً يرتدي أهاب شيطان.
ثم أن الاسلام بعد ذلك _وعلى لسان نصوص كتابه المجيد _ يعتبر المرأة سكن للرجل الذي يأوى اليه في جو من المودة والدفء والحنان والرحمة حتى يعود الرجل وفقا لهذه النظرة الواقعية لباسا لها وتعود المرأة لباسا له، فتتحقق بذلك أعلى مستويات التلاحم، والتراحم والتكافل في جو مفعم بالود والجمال...
والمتتبع _بعد ذلك _ لتلك المبادىء والأطر التشريعية التي حملها القرآن الكريم لتكون اطروحة المجتمع الاسلامي المتبناة في قضية المرأة _والتي قضى الاسلام من خلالها بتجسيد أرقى مظاهر التلاحم الروحي والمصيري بين الرجل والمرأة _يدرك ببعد رؤية ووضوح ان المنطلقات الدستورية الاسلامية لم تسلك مجرى الاحداث العفوية اللاواعية التي لاتدري كيف تسير، ولا الى أين تسير، وانما انطلقت في شكلها ومضمونها من خلال المواصفات البيولوجية التي يتمتع بها كل من الجنسين، حيث حسبت الرسالة الاسلامية لطبيعة التركيب النفسي والعضوي لكلا العنصرين حسابه الدقيق الواعي بغية تخطي كل غبن أو حيف ينال أحدهما حين أغفال ذلك التركيب الطبيعي لكليهما لتسند الوظائف، والمسؤوليات، وتمنح الحقوق لكل منهما وفقا لما يتمتع به من طاقات، وما يمتاز به من امكانات طبيعية بالشكل الذي يحقق أعلى مستويات الأنتاج، والتلاحم والانسجام، والمعطيات أثر في دنيا الأنسان.
وهي مسألة تعد بديهية بالنسبة للرسالة الاسلامية، وامكاناتها الضخمة لتحقيق ذلك بالدرجة المطلوبة نظرا الى أن الاسلام _كمنهج رباني متكامل _ يعلو فوق كل أجتهاد أو تخمين أو تصورات، بأعتباره صادرا من خالق الانسان جلّ وعلا الذي يعلم ادواء الانسان وعلاجاتها، والوقاية منها.
وهكذا فأن النظرة الاسلامية المتبناة في مسألة المرأة تبتنى على أساس استيعابها للجانب التكويني للأنسان بكلا شطريه: الرجل والمرأة الاّ أن يبدو للمتتبع للنظرية الاسلامية في المرأة من خلال نصوصها الأصيلة: أن أهتمام الاسلام بالتركيب البيولوجي قبل أقرار منطلقاته النظرية لتحديد مسؤوليات كل من الرجل والمرأة في هذه الحياة تعلية عن كونه عملية واعية لتحديد المواقف، وانضاج الظروف الموضوعية لتكافؤ الفرص، وتوزيع المهام توزيعاً منسجما والقابليات الفكرية والاستعدادات البيولوجية، فأنه من جهة أخرى يعكس روح المجتمع الأسلامي في اطاره الفني الرائع...
----------------------------
عن( دراسات وبحوث مجلة اسلامية فكرية سياسية عدد (5) )
|