المرأة

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
د. فتنت مسيكة برّ
من حقوق المرأة ـ هجرة المرأة

وهاجرت المرأة المسلمة موطنها الأصلي، كما هاجر الرجل بسبب العنت والاضطهاد والتعذيب الذي كانت تلاقيه من المشركين، فراراً بعقيدة التوحيد، وخوفاً على نفسها من الافتتان والارتداد إلى عهد الشرك وعبادة الأصنام والطواغيت. والجدير بالذكر أن هجرة النساء لم تكن تتمّ اضطراراً تحت الضغط من قبل الآباء أو الأزواج المسلمين ليرافقنهم في هجرتهم، إنما كانت تتم بملء إرادة المؤمنات المهاجرات حُباً بالإسلام وحباً بالله وبرسوله. فقد ورد على لسان إحدى المهاجرات وتدعى "ليلى بنت أبي حثمة" عندما سألها "عمر بن الخطاب" _طبعاً قبل أن يسلم: إلى أين يا أم عبد الله؟! فأجابته قائلة: آذيتمونا في ديننا، فلنذهب في أرض الله الواسعة.
هكذا غادرت النساء، وهجرن الديار، كما فعل الرجال، وقد ترك الجميع المال غير نادمين، وزهدوا في الجاه غير راغبين، وتعففوا في المأكل والمشرب غير طامعين وفارقوا الأهل والأحباب مستقوين حتى صدق فيهم قوله تعالى:
(والَّذينَ هاجَروا في اللهِ من بعدِ ما ظُلموا لنبوئنَّهُم في الدُّنيا حَسنةً ولأجرُ الآخرةِ أكبر لو كانوا يعلمون* الَّذينَ صَبروا وعلى رَبّهم يتوكّلون).
حق اللجوء السياسي:
وإذا ما هاجرت المرأة، كان على المسلمين الذين تهاجر إليهم أن يمنحوها الأمان، فلا يرجعونها إلى الكفار، وفقاً لتعاليم الآية الكريمة التي نزلت بالنساء المهاجرات بعد صلح "الحديبية":
(يأيُّها الَّذينَ ءَامنوا إذا جآءَكم المؤمناتُ مُهاجراتٍ فامتحِنوهنَّ* اللهُ أعلمُ بإيمانِهِن فإن عِلمتُموهنَّ مؤمناتٍ فلا تَرجِعُوهنَّ إلى الكفّارِ لا هُنَّ حِلٌ لَّهُم ولا هُم يَحِلونَ لَهُنَّ وءَاتُوهُم ما أنفقوا ولا جُناحَ عليكُم أن تنكِحوهُنَّ إذا ءَاتيتموهُنَّ أُجُورَهُن ولا تُمسِكوا بِعِصَمِ الكوافِرِ وسئلوا مآانفقتم وليسئلوا مآأنفقوا ذلِكُم حُكمُ اللهِ يَحكُم بينكم واللهُ عليمٌ حكيمٌ).
وبهذا الحكم الإلهي تكون المرأة المسلمة أول إنسان قد منح حق اللجوء الديني (أي حرية الرأي والمعتقد)، أو قُلْ اللجوء السياسي على لغة العصر إن صح التعبير. إذ ما زالت المعاهدات السياسية تبرم بين مختلف الدول حتى اليوم دون الالتفات إلى ذكر المرأة، أو تخصيصها بالاسم ليشملها هذا الحق مساواة مع الرجل! وهنا لا بد من تسجيل الإشارة إلى أن المرأة المسلمة قد منحت هذا الحق حتى قبل الرجل المسلم بسبب معاهدة الحديبية التي تمت بين الرسول والمشركين. في حين أن الرجل غير المسلم لم يمنح هذا الحق إلا منذ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948 الذي تنص المادة 14 منه على ما يلي: "يحق لكل فرد حق التماس ملجأ في بلدان أخرى والتمتع به خلاصاً من الاضطهاد". وتاريخ الإسلام زاخر بأمثال النساء اللواتي مارسن هذا الحق نذكر مثالاً على هذا قصة "أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط الأموية" كان أبوها سيداً من سادات قريش _قد أسلمت وبايعت الرسول قبل الهجرة، ثم تبعته إلى المدينة بعد أن هاجر الرسول (ص) إليها، دون رجال بيتها بصحبة رجل من خزاعة، ولما وصلت المدينة، دخلت على أم سلمة أم المؤمنين، وأعلمتها أنها مهاجرة، فدخلت أم المؤمنين على الرسول وأعلمته بها، فرحب الرسول بها، فقالت له أم كلثوم: "يا رسول الله، أنا امرأة، وحال النساء إلى الضعف، أفتردني إلى الكفار، يفتنوني عن ديني، ولا صبر لي؟!!".
وكان أخواها عمارة والوليد قد خرجا من مكة يطلبان من الرسول أن يردها عليهما، عملاً بحكم عهد الحديبية الذي تمّ بين المسلمين وبين قريش. وقالا له: "يا محمد أوْفِ بما عاهدتنا عليه!".
ولكن النبي (ص) رفض طلبهما، وعمل بما أوحى الله إليه وذكر لهما حكم الله الذي نزل خاصة بالنساء: (فإِن عَلِمتمُوهنَّ مُؤمناتٍ فلا تَرجِعوهُنَّ إلى الكُفّارِ).
وهكذا بقيت أم كلثوم في المدينة بفضل هذا الحكم الإلهي الذي أنزل بالنساء المهاجرات المؤمنات، والذي قرر لهن حق الحماية من الأعداء.
حق المرأة المسلمة في أن تجير من يستجير بها:
وإذا كان الإسلام قد منح المرأة المهاجرة حق اللجوء الأمني، وحق الاندماج في المجموعة الإسلامية اندماجاً كاملاً عن طريق التزاوج، يكون الإسلام قد حررها من ذل الأسر، ورفعها إلى مستوى المواطن الحرّ الشريف الذي يتمتع بكامل حقوقه وواجباته. وقد بالغ في إكرامها إذ منحها أيضاً حق إجارة من يستجير بها حتى ولو كان من أعداء الدين كحق الرجل المسلم تماماً. وعندنا في تاريخ الإسلام أكثر من دليل ثابت على هذا: فقد جاء في حديث حسن عن الترمذي عن أبي هريرة قول النبي(ص): "أن المرأة لتأخذ للقوم" أي تجير على المسلمين. وجاء أيضاً في معنى هذا الحديث، عن عائشة أنها قالت: "إن كانت المرأة لتجير على المؤمنين فيجوز". وقد أيّدت قصة أم هانىء بنت أي طالب _أي أخت الإمام علي كرّم الله وجهه _ هذه الإجازة. وذلك يوم جاءت للنبي يوم فتح مكة وقالت له: "يا رسول الله، إني أجرت رجلين من أحمائي من بني مخزوم: الحارث بن هشام وزهير بن أبي أميّة، وكانا من المشركين. وقد دخل عليّ أخي عليّ وأراد قتلهما، فأقفلتُ الباب في وجهه!" فقال لها النبي (ص) قولته الشهيرة:
(قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانىء، وأمنّا من أمنّتِ، فلا يقتلهما عليّ".
وهكذا سلم الرجلان من قتل مؤكد، وأصبحا مَدينين بحياتهما لأم هانىء التي أجارتهما! فيكون النبي (ص) نفّذ سياسة عدم التمييز بين الرجل والمرأة إذ وقف إلى جانب أم هانىء (المرأة) على الرغم من المكانة العلية التي يتمتع بها أخوها "علي" (الرجل)، وهذا دليل آخر على سياسة عدم التمييز بين الرجال والنساء.
المرأة المسلمة تفك العاني:
ولم يقتصر حق إجازة المرأة لمن يستجير بها بل تعداه إلى أن بلغ حق الشفاعة لدى المسؤولين، فتفك العاني حتى ولو كان واقعاً في قبضة الحاكمين. فقد ذكرت كتب السيرة والتاريخ حوادث كثيرة في هذا المجال نكتفي بذكر واحدة منها على سبيل المثال فقط.
"تزوجت" زينب بنت رسول الله "من ابن خالتها أبي العاص بن الربيع" وكان يؤثر زينب بحبه، ولكن الإسلام فّرق بينهما. إذ أسلمت هي وهاجرت مع من هاجر من المؤمنين إلى المدينة. وبقي أبو العاص في مكة وهو كافر وبعد هجرة زينب إلى المدينة خرج أبو العاص إلى الشام في تجارة لقريش. فعرض للقافلة "زيد بن حارثة" في سبعين ومائة راكب. فشدوا على المال والرجال، واستاقوا ذلك كله إلى الرسول.
فاستجار أبو العاص بزينب فوعدته خيراً، وانتظرت حتى انتهى رسول الله (ص) من صلاة الفجر بالمسلمين فوقفت زينب على بابها في المسجد ونادت بأعلى صوتها: "إني أجرتُ أبا العاص بن الربيع".
فقال رسول الله (ص): "أيها الناس، هل سمعتم ما سمعت؟!".
قالوا: نعم، يا رسول الله.
قال: "فو الذي نفسي بيده، ما علمتُ بشيء مما كان حتى سمعتُ ما سمعتم، المؤمنون يد على من سواهم، يجير عليهم أدناهم، وقد أجرنا من أجارت" ثم انصرف رسول الله (ص) ودخل على ابنته قائلاً:
"إي بُنيّة، أكرمي مثواه، ولا يخلصنّ لك، فإنك لا تحلّين له" وذلك لاختلاف الدين فيما بينهما".
ثم ردّ رسول الله (ص) على أبي العاص ماله، ثم ارتحل هذا إلى مكة وأدى إلى كل ذي مال ماله، ثم قال لهم: "يا معشر قريش، هل بقي لأحدكم عندي مال لم يأخذه؟" قالوا: لا. فجزاك الله عنا كل خير، فقد وجدناك وفياً كريماً.
عندئذ قال أبو العاص: فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، والله ما منعني في الإسلام عنده، إلاّ تخوّف أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم. ثم خرج أبو العاص إلى المدينة حتى قدم على رسول الله (ص) فردّ عليه رسول الله (ص) زينب بعد ذلك الفراق الطويل!
--------------------
عن ( حقوق المرأة بين الشرع الاسلامي والشرعة العالمية لحقوق الانسان )

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com