الصفحة الرئيسية » آداب وفنون
فنون عصر النهضة

2013/01/23 | الکاتب : د. حسين علي


لئن كان فجر النهضة الفنية يرجع عادةً إلى أوائل القرن الخامس عشر، إلا أن أصول هذه النهضة وجذورها يمكن أن تعود إلى القرن الثاني عشر. فلم يظهر عصر النهضة فجأة، ولكنه ظهر بالتدريج في مجتمع إقطاعي كان يقوم على الزراعة البدائية وعلى التجارة المحدودة، ومنذ حوالي القرن الحادي عشر بدأت تبرز المدينة، مما أدى إلى تحطيم المجتمع الإقطاعي على مدى بضعة مئات من السنين، وفي ظل المدينة الجديدة ظهرت النقابات العمالية ونقابات التجارة، حيث لعبت هذه النقابات دوراً رئيسياً في نظام الحكم.
هذا وقت ظهرت الحياة الحديثة مبكرة في إيطاليا بنوع خاص عن بقية أوروبا، ذلك لأنّ الملكيات الغربية في فرنسا وإنجلترا وأسبانيا من ناحية، والنظام الإقطاعي وصلته بالملكية وبسيادة أمير الإقطاع من ناحية، أخرى، كثيراً ما ناوأت هذه العوامل العبقرية الفردية وعطلتها. في حين أن نظام المدن الإيطالية واحتفاظها – ولو نظرياً – بنظام الجمهورية الكلاسيكية حيث يشعر المواطن بحريته في أن يعزل الحاكم المستبد ويستبدل به حاكماً آخر ساعد على نهضة هذه المدن. ولقد سيطر التجار الأغنياء والأقوياء على الحياة السياسية، وكثيراً ما شنوا حروباً ضروساً الواحد على الآخر – وظل هذا الخضم المضطرب حتى عام 1453 حين سقطت القسطنطينية في يد الأتراك، مما ترتب عليه أن أصبحت إيطاليا الحد الفاصل بين الشرق والغرب ومركز الشهرة والمجد والثراء، ولم يكن بد من أن تسيطر جنوا وبيزا والبندقية (فينيسيا) على الطرق المائية نحو الشرق، وأن تنمو وتزدهر كجمهوريات مستقلة تنتشر سلطتها وتجارتها على بحر الإدرياتيك وبحر إيجه. أما فلورنسا فقد استندت إلى الأسر المالية الواسعة كأسرة مدتشي وستروتزي وبيتي، فقفزت إلى حيز الشهرة، واستطاعت أن تجذب إليها عوامل الفن والجمال. وهنا انتقلت إيطاليا إلى عصر جديد مغاير لما قبله، وأصبح لمجد الفرد وقوته الاعتبار الأوّل في المدن الإيطالية.
ومع ذلك فليست النهضة دالة فقط على العودة إلى الفنون الكلاسيكية، بل إن أهم حاصلات النهضة هي اكتشاف الإنسان للعالَم وكشف الإنسان لنفسه، ويُقْصَد بكشف الإنسان للعالَم تقدير المدنية والرقي الإنساني من ناحية، وسيطرة العلم على كل ما نعرف من طبيعة هذا الكون. وأما عن كشف الإنسان لنفسه فيُقْصَد بذلك ناحيتين: الإنسان من حيث علاقاته الزمانية بالماضي، ومن حيث علاقاته الروحية كما يوضحها الدين وهكذا وُجِدَت في كل ناحية من هذه النواحي ميادين للبحث والتفلسف.
وأدى كل ذلك إلى خلق ثورة فكرية في أوروبا وبخاصةٍ في إيطاليا عُرِفَت باسم "النزعة الإنسانية" حيث أُعلن تفسير جديد للحياة يتفق والمفاهيم الدنيوية والإنسانية، وقد التجأ رواد الفكر في ذلك العصر، لتأكيد وجهة نظرهم الجديدة بالرجوع إلى التراث الأغريقي وإحياءه. ويمكننا أن نقول إنّ هذا العصر كان عصراً إنسانياً تميزه روح جديدة تفيض بالحرية والإحساس بقيمة الفرد والنظرة الواقعية في تصور الطبيعة.
وقد نشأت عقيدة إجلال الإنسان الوثيقة الصلة بالحياة الدنيا مرتبطة بالنزعة الإنسانية، مما أدى إلى الافتتان بالحياة بعد أن اكتشف الناس أنها حافلة بكل ما هو ممتع ومع تشبع القوم بهذه الروح الجديدة زاد تعلقهم بالمهرجانات والمواكب والأبهة التي كانت متنفساً لعواطفهم وانفعالاتهم، حيث تتاح الفرصة لاستعراض الأزياء المتبرجة التي تشيع الفرحة في النفوس، وترضي الولع بالقديم الذي يتجلى في تنكر الأفراد في أزياء من يختارون من عظماء الماضي، فيرتدي الواحد منهم زي الاسكندر ويستخفي الثاني في زي قيصر ويلتف الثالث بعباءة هانيبال، ليرضي نزعته نحو إجلال الإنسان، ويشبع فوق ذلك كله إحساسه يتوق جزوة الحياة في كيانه.
على أن عقيدة إجلال الإنسان ما لبثت أن أتاحت لمن لا يملك القدرة على تشييد مبنى شامخ أن يتحول إلى مجال التصوير على جدران المصليات والكنائس الصغيرة التي أفسحت مكاناً لظهور صورهم الشخصية على استحياء. وهكذا لم تعط حركة النهضة اهتمامها الكبير للتصوير إلا بعد شيوع التعلق بالحياة الدنيا ومباهجها الممتعة، لأنّ التصوير يعرض ظواهر الأشياء بألق الضوء وثراء اللون مُشَكِّلاً أفضل تعبير عن انفعالات الإنسان وعواطفه.
واستطاعت روما أن تسهم بقسط وافر في هذه النهضة بميادينها المختلفة، لا لأنّها تملك ثروة المملكة المسيحية فقط، ولكن أيضاً لتوافر الخصوبة الثقافية فيها. فضلاً عن ازدهار النزعة الإنسانية الجديدة فيها، ذلك أنّ الكنيسة استطاعت تحت حكم البابا نيقولا الخامس – كما استطاعت فلورنا تحت حكم أمراء التجارة – أن تدرك أن من أهم وسائل التعبير عن عظمتها هو فن العمارة المرتبط بفن الرسم والنحت، فلم يلبث الكرادلة أن تنافسوا في بناء الكنائس واجتذاب أبرع الفنانين لإبرازها في أجمل مظهر. إنّ هذا التشجيع الذي حظى به الفنانون دفعهم للابتكار، وجعلهم لا يقفون عند حدود ما ورثوه عن الماضي من ثقافة فنية، وكان أهم تقدم تحقق على أيديهم في هذه الفترة هو الاهتمام بالمنظور في التصوير Perspective وهو أمر لم يكن معروفاً من قبل، إذ كانت مسألة تقدير نسب المرئيات بلوحات التصوير (ضخامتها وضآلتها) في العصور الوسطى، يحدث تبعاً للتقدير الذهني أو لقيمتها المعنوية، أما عن عصر النهضة المرتبط بتطور العلوم التجريبية، فكان التقدير يحدث تبعاً لمبدأ نسب المرئيات كما تبدو للإدراك البصري للطبيعة، كما أفاد المعماريون والمصورون من القوانين الرياضية، في وضوحها وبساطتها، ومن اكتشاف علم المنظور الهندسي، والذي ظل مسيطراً في مجال الفن لعدة قرون. إذ تم في مجال في التصوير، تنظيم طريقة عقلانية في صياغة عنصر الفراغ، فطبق الفنان في ذلك الوقت، المنظور الذي يعتمد على افتراض نقطة موحدة للرؤية. وكان الغرض الجوهري من استخدام هذا المنظور الخطي هو إكساب الصورة الإحساس بالحركة في فراغ اللوحة، ومنح هيئة الأشخاص البعيدين في فراغ التكوين منطقية بصرية. وعندما توصل الفنان في عصر النهضة إلى إكتشافه لطريقة الرسم الزيتي تمكن من إظهار البراعة والدقة في تسجيل التفاصيل الدقيقة.
وبالنسبة لأعمال الفنانين، فقد تميزت بالرؤية المتحررة إلى الطبيعة، حيث أدخلوا – في أول الأمر – إلى جانب الموضوعات الدينية موضوعات جديدة من المناظر الطبيعية ومشاهد الحياة اليومية في المدينة والريف، وهكذا أصبح العالَم كله لا الجانب الديني فقط، هو مجال الفنان. وقد تفتحت أعمال جديدة متعددة أمام رجال العمارة نتيجة نمو المدن، وما تحتاج إليه من مبان عامة وقصور للطبقات الفنية الجديدة. وكان لرجال الفن في عصر النهضة أثر كبير في تقدم العلم، ومن أمثلة ذلك التقدم الذي أحرزه علم المنظور الهندسي وعلم التشريح، وقد اقتضى رسم الفنان للأشخاص والمباني والأثاث حل بعض المشكلات المتصلة بالمنظور، وكان أبرز الذين لعبوا دوراً رئيسياً في هذه العلوم "ليوناردو دافنشي" Leonardo Davinci (1519-1452) الذي يُعَد أعظم رمز للطموح العلمي في عصر النهضة، حيث استطاع أن يربط المثل الفنية بالعلمية ربطاً محكماً.
 
- العمارة:
عندما تبلورت اتجاهات عصر النهضة الفكرية، وما صاحبها من تغييرات في النظام الاجتماعي، تحول فن العمارة في خطوات طبيعية نحو الفن الكلاسيكي، وبديهي أن فناني عصر النهضة لم ينقلوا العمارة الرومانية كما هي، بل أخذوا بعض عناصرها كالأعمدة الدورية والأيونية والكورنثية، وزاد اهتمامهم بالتنظيم الذي يقوم على التماثيل واستعمال القباب بدلاً من الأبراج العالية المدببة، كما جعلت فتحات الأبواب والنوافذ نصف دائرية أو أفقية وتحليتها بزخارف كثيرة بارزة. وقل استعمال الزجاج الملون وكثر استعمال التصوير على الجص اللين. وكانت التماثيل المستعملة في المباني من الحجم الطبيعي.
ويعتبر "فيليبو برونيليسكي" Filippo Brunelleschi (1446-1377) أعظم المعماريين الذين وضعوا ركائز العمارة في عصر النهضة. وكان قد حصل على المركز الأوّل في المسابقة الخاصة بتصميم قبة "سانت ماريا ديل فيوري" (1420)، التي انشئت على قاعدة مثمنة، كقبة شاهقة بتصميم مستحدث. وكانت قبة ضخمة يبلغ قطر قاعدتها 42 متراً وترتفع حوالي 54 متراً، اكتسبت أهمية عظيمة في الفترات التالية لعصر النهضة. وهي نموذج لكل التطورات المستقبلية في العمارة الأوروبية، فقد أقام "برونيليسكي" ثمانية ضلوع يصل ارتفاع كل منها 30 متراً، وجعلها تلتقي عند قاعدة صف النوافذ، وبعد أن عزز البناء بدعامات ومشابك جديدة، استخدم الطوب والحجر في بناء القشرتين الداخلية والخارجية، فإخفاء العناصر الوظيفية والاهتمام بالمظهر الخارجي بطرازه الكلاسيكي الرصين الوقور، هو الذي جعل العمل بحق ينتمي إلى عصر النهضة.
أما مدينة روما فكانت مركزاً هاماً للعمارة في عصر النهضة، حيث كانت النماذج الرومانية كثيرة يقتبس منها الفنانون ويستعملونها في مبانيهم، وقد كثر استعمال الأعمدة الرومانية والأكتاف التي كانت في الغالب تُسْتَعمل في الواجهة لأكثر من طابق لإعطاء المبنى الفخامة والعظمة.
وقد ظهرت قمة الكلاسيكية في الأسلوب المعماري الضخم الذي اشتهر به "برامانتي" Bramanate (1514-1444) في القرن السادس عشر، أما المبنى الذي أقامه في روما، والمعروف بمصلى "المعبد الصغير" (1520م) فقد استخدم فيه طراز الأعمدة الدورية. ولما كانت مدينة البندقية تتميز بعمائرها التي تطل على القنوات المائية، لذا ظهرت الشرف في مثل هذه العمائر بكثرة، بحيث بدت في منطقة الوسط. ومن هذا الطراز قصر "فيندرامين" في البندقية، وهو من أقدم قصور عصر النهضة التي ترجع إلى القرن الخامس عشر، وفيه النوافذ التي تتجمع في المنطقة المتوسطة من البناء، تشتمل كل نافذة منها على فتحتين يعلوهما شكل دائرة".
وعندما أسرف المهندسون في استعمال الزخارف التي تحلي البناء ووصل هذا الإفراط إلى غايته في القرن السابع عشر سمى هذا الاتجاه بطراز "الباروك"، وهو يتصف بالتكلف في الزخارف والالتجاء إلى كثرة المنحنيات في الخطوط واستعمال العناصر التي على شكل باقات الزهور والأكاليل والأشكال الآدمية. وما تزال روما تحتفظ بشوامخ من الفن الباروكي تنتشر في أرجائها حتى لتكاد تشكل بمجموعها مدينة متميزة داخل روما، وبات من الشائع أن يُطلق الناس عليها اسم "روما الباروكية" Roma Barocca إشارة لتلك الآثار الجليلة البالغة الروعة والرقة الآسرة التي تمس قلوبنا ببقائها تؤدي دورها الذي أنشئت من أجله أو دوراً مماثلاً حتى يومنا هذا.
وتتمثل في أعمال "برنيني" Loranzo Giovanni Bernini (1680-1598) والذي من مواليد "نابلي" أعظم منجزات الطراز الباروكي. ولقد تحايل "برنيني" بالضوء والظل على سطح مجموعة "أبوللو ودافني" بمقدرة فذة، كما وُفِقَ في إبراز ملاسة البشرة وتتطاير الأردية وانسياب الشعر ودقة الأغصان ورهافة الأوراق بما يناسب هدفه من مفهومه الخاص عن "التصوير" على الرخام. وفوق ذلك كله حقق "برنيني" مقصده الرئيسي وهو التعبير بكل وسيلة عن الانفعال والحركة حتى جعل الرخام يبدو وكأنّه يسبح في الفضاء. وبسيطرته الخارقة للعادة على تقنيات الحفر أمكنه تمييز انطباعات ملمس كل من اللحم والحرير والريش بل والسحب على الرخام.
أما في فرنسا فلم يزدهر طراز النهضة إلا حوالي القرن السابع عشر، لأنّ الطراز القوطي الذي كان يعتبر طرازاً قومياً، كان من الصعب التخلي عنه لإحلال طراز عصر النهضة الإيطالي، وكانت أغلب المباني التي انشئت في هذا العصر هي القصور التي انتشرت في الريف وضواحي المدن. أما الكنائس فكان ما بُني منها في العصور الوسطى كافياً لاحتياجات العبادة. وفي القرن التاسع عشر حدث رد فعل عظيم بعد أن زهد في التكلف والإسراف الذي يتميز به طراز الركوكو، وعادوا إلى الطراز الكلاسيكي، لا كما في عصر النهضة الإيطالية ولكن كما هو في الطراز الروماني الأصيل. أما في ألمانيا فقد كانت مقاومة الطراز القوطي لطراز عصر النهضة قوية، مما جعل كثيراً من المباني التي شيدت ابتداء من القرن السادس عشر تحتفظ بكثير من المميزات القوطية إلى جانب العناصر النهضية. ومن أهم القصور التي شيدت في هذه الفترة" قصر هايدلبرج" (1540-1607)، حيث نلاحظ أنّ العناصر القوطية مع عناصر عمارة عصر النهضة. وازدهر طراز عصر النهضة ابتداء من القرن السابع عشر متأثراً بطراز عصر النهضة الذي ساد في إيطاليا وفرنسا. وقد سار خط التطور في أسبانيا وإنجلترا في نفس الطريق إلا أنّ المباني في أسبانيا تأثرت بالطراز العربي الذي كان سائداً فيها. أما إنجلترا فقد صاحب النهضة المعمارية نهضة أدبية على يد "شكسبير" و"سبنسر" و"فيليب سدني".
 
- فن النحت:
بدأ النحت في عصر النهضة في إيطاليا في القرن الرابع عشر على يد بعض الفنانين الموهوبين من أمثال "جيبرتي" و"دوناتللو". ولقد كان النحات الفلورنسي "دوناتللو" Donatello (1466-1386) على رأس هؤلاء العباقرة الذين كانوا البداية الحقيقية لإزدهار عصر النهضة. وقد بدا فنه بالنسبة لعصره تجديداً حقيقياً، وكان سعيه في طريق التجديد كمضمون معنوي مثلما كان تجديداً في طرق الأداء الفني. ويُعَد تمثال "داوود صبياً" واحداً من أكثر أعمال"دوناتللو" سحراً وجاذبية. والحقيقة أن أعمال "دوناتللو" تتميز بتعدد أساليبها، وبتطويع مختلف المواد وبالجرأة الخيالية، وقد كان فنه الذي اتسم بالقدرة على التعبير الملحمي وبطاقات مندفعة، يعتبر السلف الحق لـ"مايكل انجلو". فلقد انطوت أجسام "دوناتللو" على طاقة مكبوحة، في موضوعات أبطالها شباب، يقاومون البطش والطغيان بمفردهم، مثلما في تماثيله "يوحنا المعمدان"، و"جوديت" و"النبي داوود".
أمّا "لورنزو جيبرتي" L. Ghiberti (1455-1378)، فأكبر سناً من "دوناتللو"، وكان على ارتباط وثيق أكثر بالتقاليد، واستطاع التوفيق بين ما ورثه من سمات الطراز القوطي وبين النزعة الواقعية التي يلتقطها من الحياة الخاصة بموضوعاته. وإذا كنا قد اعتبرنا فن "دوناتللو" انقطاعاً حاداً مع الفن القديم، فإننا بتتبع تطور فن "جيبرتي" يمكننا ملاحظة تلك التحولات التدريجية من الصيغ القديمة إلى الصيغ المستحدثة. أما الأبواب الشمالية لمبنى معمودية كاتدرائية "فلورنسا"، التي نفذها "جيبرتي" في الأعوام 1403 حتى 1424، فقد تكرر فيها التكوين للأبواب التي كان قد نقشها "أندريا بيزانو" في القرن الرابع.
وقد ضحى "جيبرتي" بتحقيق الإثارة الدرامية من أجل تجسيد الجمال الزخرفي. وخيل إلينا ونحن نتطلع إلى لوحات الباب الشرقي أن "جيبرتي" قد أحال أزميل نحته إلى ريشة مصور، فقد أقدم في لوحة "خلق آدم وحواء والخطيئة الأولى" على محاولة جريئة، لتطبيق قواعد المنظور، قبل تطبيقه في فن التصوير المعاصر له بوقت طويل، فجسَّم الشخوص في أمامية اللوحة بالنقش الشديد البروز، متيحاً لها الاندفاع صوب المشاهد، بينما جسم السحابة التي تحمل الملائكة في خلفية اللوحة بالنقش الخفيض، حتى لتبدو وكأنها تتبدد في ثنايا الهواء الرهيف. على حين شكل التفاصيل الأخرى مثل حديقة جنة عدن في منتصف اللوحة، بنقوش متوسطة البروز. إنّ "بوابات الفردوس" لتعد عملاً من أعظم أعمال عصر النهضة المبكر، فتظهر فيها جوانب عبقرية فن" جيبرتي"، من دقة ومهارة في التصميم، ودقة وثراء في الصياغة، وجمال التفاصيل. ويذكر أن "مايكل انجلو" عندما شاهد أحد أبواب "جيبرتي" في معمودية كاتدرائية "فلورنسا"، قال: "هذا الباب جدير بأن يكون باباً للجنة".
على أنّ النهضة الإيطالية وصلت إلى ذروتها بفضل "مايكل أنجلو بوناروتي" Michel angelo Bonarroti (1564-1475) كان "مايكل أنجلو" فناناً شكلته الفلسفة، شأنه شأن الفنان فيدياس الذي عاش خلال العصر الذهبي الكلاسيكي، غير أن صوت سافونا رولا الراهب المسيحي الثائر كان يطارد مايكل أنجلو، بينما كان ذهنه مؤهلاً لتمثل التجريات الأفلاطونية. فكان قدره أن يظل عقله العاصف نهباً لهاتين الفلسفتين المتصارعتين خلال أعماقه حتى آخر حياته، مترجماً رؤياه في أشكال درامية مرئية، فأبدع لنا روائع خالدة في عالَم النحت والتصوير والعمارة والشعر. وإذا كانت عظمة الإنسان تكمن في استهانته بالعقبات المادية وشحذه لقدراته العقلية والروحية، فلابدّ من أن نعد ظهور "مايكل أنجلو" أحد الأحداث العظمى في تاريخ الإنسانية.
ولما كان العمل الفني بالنسبة لمايكل أنجلو هو أن يشارك على الدوام في عالَم الأفكار، جاءت كل انجازاته الفنية فلسفية كما هي جمالية، وثنية كما هي متدينة، وأفلاطونية كما هي مسيحية.
ففي عالَم النحت حمل تمثال "باكخوس" إله الخمر المبكر بصمات وثنيته الدفينة بحيث لا تكاد تفرق بينه وبين تماثيل العصر الكلاسيكي، وما لبث تمثاله التالي "العذراء الآسية (بيتيا)" أن كشف عن إيمانه الديني الصادق. وفي عالَم التصوير جمعت رسوم سقف مصلى سيستينا العرافات الوثنيات جنباً إلى جنب مع الأنبياء العبريين، كما أفسحت المكان للنظرية الأفلاطونية عن العودة إلى العالَم الإلهي، إلى جانب نظرية الخلاص المسيحية. وتجئ لوحة يوم الحساب عن عنفها وضراوتها الشبيهة بسفر الرؤيا في الروعة والترهيب لتتجاوز الشخصيات الأسطورية مثل شخصية "خارون" حارس العالَم السفلي لدى الأغريق مع شخصيات العهدين القديم والجديد.
وتمثل سنوات حياته الأخيرة مرحلة من التبتل والورع المسيحي لم تنطفئ معها شعلة الأفلاطونية في أعماقه. ففي الوقت الذي كان يمنح جهده كله لخدمة العقيدة المسيحية كان ينظم شعراً يفيض بالوهج الأفلاطوني الذي تجلى من قبل:
- في تماثيل العذراء حين عبر عن اتحاد الجمال الجسدي بالجمال الأبدي.
- وفي تمثال موسى حين ربط بين قوى الإنسان المادية والمعنوية وبين الخير الأبدي.
- وفي وقوعه تحت سيطرة الأشكال الأفلاطونية الخالدة التي تهيئ مفتاحاً لطبيعة الكون والتي نلمسها في سقف مصلى سيستينا.
- وحتى في أشكاله المعمارية المجردة نجده يقيم الأعمدة وكأنها الأسرى، تشهدها القيود فلا تستطيع فكاكاً من ثقل الحمل المادي الذي لا مفر من حمله، على حين تحوم القبة الشمخة عالياً في الكمال الهندسي للشكل الدائري، الرامز للسموات التي هبط منها الإنسان والتي يجب أن يتلمس طريقه نحوها من جديد.
إنّنا نقف اليوم في خشوع وذهول ونحن نتأمل هذه العبقرية الفذة التي بزغت في مجالات فنون أربعة هي النحت والتصوير والعمارة والشعر.
وقد ظن فنانو عصر النهضة أنّهم توصلوا إلى القواعد الجمالية النهائية المُحَدِدَة للشكل، وما ينبغي أن ينطوي عليه من توافق، خلال فترة التطور التي أعقبت جوتو ومازاتشيو وبلغت ذروتها برافائيل، وإذا بمايكل أنجلو يضرب عرض الحائط بهذه القواعد في مستهل القرن السادس عشر. وكان واعياً بما يموج به وجدانه من قلق وما يعتمل في داخله من صراع. كان إيمانه التقليدي بالشكل قد وثق روابطه بالنحت أكثر ما التصوير، مع أنّه كان عبقرياً في كليهما، كما شهده هذا الإيمان التقليدي بالشكل إلى الجسد الإنساني في الوقت الذي استهان فيه بمشاهد الطبيعة. غير أنّه لم يكن راضياً عن التقديس الممنوح للشكل في عصره، فأطلق في مقابل الشكل نقيضه، وهو الطاقة الكامنة فيه، التي تطمح إلى التحرر من سجن الشكل، لكنها لا تملك إلا التمرد وتمزيق بعض القيود، التي لا تتيح لها إلا أن تطل برأسها فحسب، بينما يبقى الجسد كله سجيناً.
وقد تجلى كفاحه ضد قواعد الشكل المألوفة في عصره في افتتانه بموضوع الأرقاء والأسرى المغلوبين، الذي يُعَد صياغة جديدة لموضوع هيلنستي قديم، هو صراع "لاوكوون" كاهن أبوللو الطروادي ضد الأفاعي الضارية التي أرسلتها الآلهة المناصرة للأغريق ففتكت به هو وبنيه. فنشهد في تماثيله التوكيد على العضلات المتوترة، بصفتها باعثة الحركة المهددة بتفجير أغلال الشكل، والمعبرة عن تبرم الأرقاء الساخطين بأغلالهم التي تقيد أطرافهم، بينما يتجلى الانفعال محتدماً في أجسادهم وهي تصارع لتحرر نفسها من قالب الصخر الذي يحاصرها ويطوق حركتها والذي توقف أزميل المثال قبل انفلات الأرقاء من ربقتهم.
تجسدت أزمة الشكل في أوج عصر النهضة في منحوتات مايكل أنجلو حيث يبدو الشكل وكأنّه يصارع ضد ضغط خانق في التماثيل التي تتجلى قوتها المعبرة في كونها لم تكتمل. ومن بين تماثيل الأرقاء إثنان بمتحف اللوفر، يُعَد تمثال العبد المغلول أقربها إلى الاكتمال. ويصور التمثال الآخر المعروف باسم العبد المتمرد عنف صراع كائن مفتول العضلات كُتِبَ عليه أن يضيع كفاحه هباء. وفي كلا التمثالين نشهد نفس الصراع اليائس مع القدر. إنها مأساة الإنسان الذي يحد الزمن من إمكاناته، ويعييه إدراك سر الوجود، ويتطلع رغم فنائه إلى الخلود، ولا تعوقه قيود الجسد عن أن يحلم بحرية بلا حدود. ويكاد الصخر أن يمثل سجناً قاسياً في هذيه التمثالين، إذ يبدو الأسيران محتجزين بين ثنايا كتلة الصخر دون سبيل إلى الخلاص منها، رغم كل ما يبذلانه من جهود. ويشي شكلهما الذي لم يكتمل بأن أسلوب "مايكل أنجلو" فيهما كان قريب الشبه بلوحات فن النقش الشديد البروز.
وما أجمل ما تحدث به "مايكل أنجلو" إلى صديقته وهاديته "فكتوريا كولونا" عن النحت حين قال في إحدى قصائده:
"ليس فن النحت يا سيدتي هو تشكيل قطعة صخر صلبة، ولكنه تحرير للشكل من سجن الصخر، بإزالة الزوائد عن الصورة المتخيلة في الذهن للشكل الكامن في الصخرة".
هكذا كان التمثال لـ"مايكل أنجلو" شكلاً كامناً في كتلة رخام، ينتظر يد أستاذ النحت البارع كي يُوْلَد على يديه، وكأنّه يعبر من خلال تماثيله عن فكرة أفلاطون بأن نفس الإنسان ما تزال سجينة في جسده حتى ترقى إلى الكمال بواسطة قوة خلاقة تفوقها سمواً ورفعه.
دلف "مايكل أنجلو" من عالَم النحت إلى عالَم التصوير مزوداً بملكة إعطاء صورة القدرة على إثارة إحساس المشاهد، فيوهمه بأنّه يلمس بأعصاب كفه وأصابعه الجسد المصور حتى لتدور أنامله مع إنثناءاته واستداراته المختلفة، وهو ما ينفرد "برنارد بيرنسون" بتسميته "القيمة اللمسية". كما أنّه اختار موضوعاً لرسومه الجسد البشري الذي كان موضوع تماثيله، مؤمناً بأنّه ليس مثل الجسد البشري العاري شيء قادر على التعبير عن نفسه، وعن تنبيه وعينا بكل ما يطرأ من تغيرات، وليس مثله شيء يمكن أن ندركه نحن، بمجرد تمثله لنا في الصورة التي يتبدى فيها في الحياة اليومية الواقعية، وليس مثله شيء يمكن أن يثير إحساسناً بأننا جميعاً نشاركه في تجربة الحياة، وهو ما جعل "مايكل أنجلو" لا يرى في عالمنا كله شيئاً يستحق النحت والتصوير غير الجسد الإنساني، ليس الإنسان العادي الذي يدب فوق الأرض كما تدب الآلاف، بل جنس إنساني خاص يتميز بالجلال، والطاقة، والقدرة على التعبير والإثارة، وقد كان "مايكل أنجلو" نفسه إنساناً متميزاً، يحيا وحيداً، زاهداً في متع الحياة المادية. بل إنّ المرأة الأنثى الناعمة الجمال والدافقة الفتنة لم تجتذبه في حياته الخاصة، ولم تشده في حياته الفنية إلا في عمل فني واحد لم يلبث أن أهمله وراء ظهره، ليقدم لنا جنساً من عالَم خياله ومثله.
كان حرص "مايكل أنجلو" على العري في الأجساد البشرية التي يصورها قائماً على إيمانه بأنّ الأردية تمثل عائقاً في ترجمة حركة الجسد البشري، وفي إثارة إحساس المشاهد بالضغوط التي يقاومها الجسد، والمقاومة التي يبذلها، والنبض الخفي السجين بأعماقه. وما دامت الأردية تحول بيننا وبين التأثر المباشر بالطاقة التي يعيشها الجسد المصور، كان من الضروري تصوير الجسد عارياً.
كان "مايكل أنجلو" مُنكبّاً على تشييد الضريح الذي أراد "يوليوس الثاني" تشييده لنفسه، غير أنّ البابا ما لبث أن نحاه عن هذا العمل الذي كان قد منحه فكره وقلبه، وكان على وشك أن يمنه بقية عمره، فقد كان يتضمن نحت أربعين تمثالاً يفوق كل منها الحجم الطبيعي للإنسان، أكمل منها تمثال موسى فقط، ولو أنّه ظل يتابع هذا العمل الخارق رغم كل ما نعلمه عن قدرته المذهلة في نحت الرخام الذي كان سريع الاستجابة لضربات أزميله الحاسمة، لأمضى عشرين عاماً في إتمامها.
وقد حنق الكثيرون على البابا الذي أزاح مثالاً عبقرياً عن النحت، ليغرقه في تصوير سقف مصلى سيستينا بمبنى الفاتيكان، إلا أن أحداً لا يملك إلا أن يعترف الآن أنّ هذا القرار الذي اتخذه الباب كان أقرب ما يكون إلى الإلهام الأسطوري. ذلك أنّ هذا العمل قد فجر طاقات "مايكل أنجلو" الخبيئة، وأتاح له التعبير عن رؤيته الباطنية للعلاقات الإنسانية والمصير البشري. وقد ترك البابا لـ"مايكل أنجلو" الحرية في اختيار الموضوع الذي يصوره، وهو استثناء لم يتمتع به أحد في هذا العصر الذي كان الفنانون يلتزمون فيه بنصوص القصص الديني وتعاليمات القساوسة. وقد استطاع "مايكل أنجلو" أن يُعْمِل خياله في القصص الديني وأن يصور عملاً يبهر مشاهديه. والذين شاهدوا تصاوير هذا السقف من نقاد الفن على مر التاريخ وقفوا مذهولين أمام هذا الموضوع الذي لعب فيه خيال" مايكل أنجلو" دوراً كبيراً بعد أن استمده من نصوص سفر التكوين، فلم يتفقوا على تفسير واحد. غير أنهم أحسوا جميعاً هذه الوحدة المتوجهة المشبوبة التي ربط بها "مايكل أنجلو" جسد الإنسان بعقله وروحه. فأعجبوا بكل ما ينبض به الجسد من القوة العضلية التي كانت طابع تماثيل الكوروس الإغريقية، كما انبهروا بما يشع حوله من القوة المعنوية الدفاقة في صور العرافات والأنبياء، وإن كان من الواضح أن "مايكل أنجلو" قد منح الروح اهتماماً يفوق ما منحه للجسد.
وليس من شك في أن متابعة رسوم السقف تسبب عذاباً كبيراً للمشاهد حين يضطر إلى ثني عنقه إلى الخلف طويلاً ليستكمل جوانب هذه الملحمة الهائلة، غير أنّه سرعان ما ينسى هذا العذاب ليجد وجدانه وقد غاب في هذا العالَم السحري. فما بالنا حين نذكر أن "مايكل أنجلو" قد اضطر، لإنجاز هذه الرسوم، أن يضطجع على ظهره طوال أربعة أعوام. وقد عبر عن هذا العقاب الذي ينوء بحمله البشر في كلمات بالغة البساطة والرقة بإحدى قصائده جاء فيها ما ترجمته:
"إلى السماء تشمخ لحيتي.
وإلى الوراء ينثني قفاي.
مثبتاً فوق عمودي الفقري.
وترقوتي تنتصب عاليةً كأنها قيثارة.
وعلى وجهي ترتسم لوحة ثرية ملونة
من قطرات الفرشاة السخينة والدقيقة".
 
المصدر: كتاب فلسفة الفن.. رؤية جديدة

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 9821
 قيّم هذة المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة

الاکثر قراءة
 موقف الفكر العربي المعاصر من الحضارة الغربية بين السلب والإيجاب
 آداب الاستئذان في الإسلام
 أدب المعاملة في ضوء القرآن الكريم
 الإسلام والبيئة
 مفهوم السياسة في الإسلام والقرآن
 حوار الحضارات
 شخصية النبي (ص) التربوية
 الإسلام والتعايش
 فنون عصر النهضة
 حقوق الإنسان.. رؤية مقارنة بين الإسلام والغرب
 
الاکثر تعلیقا