الصفحة الرئيسية » فكر سياسي
علم السياسة وأزمة ما بعد الحداثة

2013/01/30 | الکاتب : د. حمدي عبدالرحمن حسن


من الجلي أنّ علم السياسة منذ التقاليد الأرسطية الإغريقية القديمة يعكس رؤية معرفية متمركزة حول الذات الأوروبية. وعندما احتضنت المدرسة الأمريكية علم السياسة المعاصر خلال القرن العشرين أصبح هذا العلم أكثر ارتباطاً بواقع المجتمع الأمريكي ومشكلاته، وهو ما أثر يقيناً على التحولات المعرفية التي شهدها علم السياسة منذ ذلك الوقت. فالثورة السلوكية التي ارتبطت بتقاليد الفلسفة الوضعية أحدثت نقلة نوعية في علم السياسة الذي تأثر في نهاية الخمسينات والستينات بمفهوم النظرية الكبرى والأخذ بعين الاعتبار التحولات التكنولوجية والإجراءات العقلانية. وفي هذه المرحلة من تطور علم السياسة يمكن أن نلاحظ تأثير متغيرين هامين:

أولهما: ما أطلق عليه (باكنهام) أيديولوجيا الليبرالية الأمريكية.
وثانيهما: ما أطلق عليه (بودهايمر) أيديولوجيا النزعة التنموية.
وبمراجعة دراسات التنمية السياسية التي أنجزت أواخر الخمسينات وأوائل الستينات بتأثير مباشر أو بتحفيز من لجنة السياسة المقارنة التابعة لمجلس أبحاث علم الاجتماع الأمريكي، نلاحظ أنها شكلت انقطاعاً عن الأعمال التي أطلق عليها عدد من الكتاب "النزعة القانونية الشكلية". فالدراسات السلوكية في علم السياسة طرحت تحولاً منهجياً بمعنى التحول من التركيز على المتغيرات القانونية والمؤسسية إلى التركيز على المتغيرات الإقتصادية والاجتماعية.
على أنّ السلوكية التي تمثل مضمون المشروع الحداثي في العلوم الاجتماعية قد تعرضت لإنتقادات معرفية نالت من أسسها وأركانها، وهو ما أدى إلى زعزعة نموذجها المعرفي التنموي المرتبط بها والدائر في فلكها. وليس بخاف أنّ ذلك النقد قد مثل أزمة منظورية وفقاً للمفهوم الكوهيني في علم السياسة، الأمر الذي أفضى فيما بعد إلى تجاوز فكر الحداثة وتأسيس نماذج ما بعد الحداثة. وقد اتسمت ما بعد الحداثة، بتعددية مفرطة تغيب عنها المرجعية والمعيارية، وإن كانت مادية. فعالم ما بعد الحداثة تسقط فيه كل المنظومات المعرفية والأخلاقية والجماعية، فالأمر ليس إلا عملية تفكيك كاملة.
وعلى الرغم من أنّ فلسفة ما بعد الحداثة قد أفضت إلى تغيرات وتحولات منهجية ومعرفية في علم السياسة، حيث بدأ يركز على مفاهيم النسبية الثقافية، ويبتعد عن مفهوم النظرية الكبرى، وذلك تماشياً مع تقاليد ما بعد الحداثة التي رفضت مفهوم القصص (النظريات) الكبرى ذات النزعة الكلية والمتمركزة حول اللوجوس، فإنّ ذلك يقوض أيضاً من دعائم الأسس المعرفية التي يستند عليها الآخر (أي نحن) إذ إنّ الحقيقة الدينية بل والإنسانية غير واردة، فالأمر ليس إلا مجرد قصص صغرى لا تتجاوز شرعيتها ذاتها تماماً كالنظام اللغوي الذي ينغلق على ذاته[1].
 
- رؤية نقدية من منظور معرفي توحيدي:
على الرغم من التحولات المعرفية التي شهدها علم الاجتماع الغربي منذ بداية فكر الحداثة فإنّ العقل الغربي لم يتجاوز قط، سواء بوعي أو بغير وعي، ثوابت ومحددات النظام المعرفي العربي، فمن الناحية المعرفية ظلت اتجاهات الحداثة وما بعد الحداثة على تنوعها واختلافها تؤمن بالعقل وبمركزية الإنسان. فالعقل الغربي تجريدي نزّاع للتجريد والترميز الرياضي، كما أنّه وضعي يستبعد العامل الديني والخلقي. ويرى البعض أنّه مع ثورة التكنولوجيا والمعلومات فقد العقل جانباً من سلطاته هالة القداسة التي أحاطت به دوماً حتى إنّه اصبح مجرد عقل أدائي على حد تعبير (هابير ماس)[2].
لقد تعرض (ميشيل فوكو) في كتابه نظام الأشياء The order of Things إلى مفهوم الإزاحة المعرفية Displacement وما يترتب على ذلك من انقطاع أو فراغ معرفي. والملفت للنظر في فكر (فوكو) أنّه ربط عملية التحولات المعرفية بوجود حالة من التفتيت والتشرذم في الفكر الفلسفي.
فالرؤية الكلية للوجود التي كانت تجمع الكون والله والإنسان تم اختزالها عبر مراحل وأحقاب زمنية وذلك من خلال استخدام مفهوم الإزاحة المعرفية، وعليه فقد أزاح العقل بالمفهوم الكانطي العالم الخارجي في فترة معرفية، ثمّ أزاح العالم المادي والإقتصادي وجود الله وعالم الميتافيزيقيا في فترة أخرى، وأخيراً فإنّ اللغة والنص أزاحا العقل والإقتصاد معاً. وهكذا تحول خطاب ما بعد الحداثة إلى اللغة ووقع في إسارها حتى أنّه أضحى – كما يقول بودريار – ذا لهجة فردية شخصية لا أحد يفهمها غير المتحدث نفسه[3].
على أنّ السؤال الذي يواجه ويطرحه أي مسلم يعيش حالة اغتراب مع عالمه، وحالة من التناقض بين ما يؤمن به وما يعتقده وبين واقعه ونمط حياته هو أين المفر؟ وكيف يتأتى للإحيائية الإسلامية باعتبارها قوة للتجديد الثقافي على المستوى العالمي أن تواجه عولمة ما بعد الحداثة؟ بيد أنّه قبل الولوج إلى بعض ملامح التصور البديل للمواجهة تجدر الإشارة إلى عدد من القضايا اللازمة لتحقيق القدرة على الفهم، وذلك على النحو التالي:
أوّلاً: إنّ النظام المعرفي الغربي منذ الحركة السلوكية يقوم على مبدأ العولمة الغربية، أي أنّ العالمية تدور حول مركزية غربية واضحة تقوم على قيم العلمنة والفردية والحرية وحقوق الإنسان. ومن ثمّ فإنّ القول بأن ما بعد الحداثة دفعت بعلم السياسة ليتخلص من التزامه بمفهوم النظرية الكبرى وأن يأخذ بعين الاعتبار مسألة الخصوصية الثقافية قول مردود عليه، وذلك من ناحيتين: الأولى أنّ القيم التي ينطوي عليها فكر الحداثة أو ما بعد الحداثة هي ذات مركزية أوروبية، ويؤكد ذلك قول أحد الكتاب: أنّ أوروبا هي المنبع الفريد لجملة أفكار الحرية الفردية والديمقراطية السياسية، وسيادة القانون وحقوق الإنسان، والحرية الثقافية.. إنّ هذه أفكار أوروبية وليست أفكاراً آسيوية أو أفريقية أو شرق أوسطية إلا بالتبني[4]، وثانياً فإنّ الخصوصية التي نادى بها مفكروا ما بعد الحداثة أو طالب بها العالم غير العربي هي تنطلق من الأسس المعرفية الغربية ذاتها، أي انها وليدة عصر العولمة. ولنا أن نتساءل هل يقبل النظام العالمي المسمى بالجديد خصوصيات إقامة مشاريع للنهضة على مخزون الأُمّة الإسلامية وتراثها مثلما هو الحال في إيران أو السودان؟
ثانياً: يرتبط بالملاحظة السابقة ويؤكدها أنّ عولمة ما بعد الحداثة تستند التمويل على مجموعة من الإحتكارات الكبرى في ميادين التكنولوجيا، والموارد الطبيعية، وأسواق التحويل ووسائل الإعلام والإتصال إضافة إلى أسلحة الدمار الشامل[5]. وعليه فإنّ العقول بأنّ عصر المعلومات سوف يقضي على أوضاع عدم العدالة بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة يمثل ضرباً من الترويج للإستعمار الجديد.. ولننظر بتأمل نبوءة (بل جتس) عن عالم ما بعد الإنترنيت حيث يؤكد على أنّ "المحصلة النهائية ستتمثل في أنّ العالم سيصبح أكثر ثراء، ومن ثمّ لابدّ أن تكون الحياة في ظله أكثر اتساماً بالتوازن والإستقرار، فبرغم أنّ الدول المتقدمة والعاملين في تلك الدول سيحتفظون على الأرجح بموقع متقدم على نحو ملموس على الصعيد الإقتصادي فإنّ الفجوة بين البلدان الغنية والفقيرة سوف تتضاءل. والواقع أنّ البداية المتأخرة تنطوي أحياناً على بعض المزايا فهي تتيح لمن تبنوا التكنولوجيا متأخراً إمكانية اختصار الخطوات أو المراحل وتفادي أخطاء الرواد بل إنّ بعض البلدان التي ليس لديها تصنيع على الإطلاق سوف تنتقل مباشرة إلى عصر المعلومات، إنّ أوروبا لم تتبنّ استخدام التلفزيون لسنوات عديدة بعد الولايات المتحدة، وكانت النتيجة صورة أعلى جودة لأنّه كانت قد توافرت في الوقت الذي وضعت فيه أوروبا مقاييس تشغيلها خيارات أفضل. وكانت النتيجة تمتع أوروبا بصور تلفزيونية أعلى جودة لعقود عديدة"[6].
حيث وليس بخاف أنّ الولايات المتحدة تحتكر لوحدها حوالي تسعين بالمائة من وسائل الإعلام في العالم وتؤثر قوة في تلك التي لا تقع تحت[7] سيطرتها المباشرة، وهو الأمر الذي يضخم الخطاب الأمريكي ويساعد على نشر الثقافة الشعبية الأمريكية ونمط الحياة الأمريكية. فما هي دلالة أن يجلس مثقف مسلم يشاهد محاكمة أوجي سمسون عبر محطة (السي أن أن) وفي يده جهاز للهاتف الخليوي المتنقل وعلى بعد أمتار قليلة منه قد توجد عشرات الأسر لا تستطيع أن تحصل على مياه نظيفة وسكن ملائم؟
ثالثاً: إنّ علم السياسة لم يستطع أن يتخلّص من مضمونه الأيديولوجي في مرحلة ما بعد السلوكية. وليس أدل على ذلك من متابعة التطور الذي شهده حقل التنمية السياسية. إذ لا يخفى أنّ هذا الحقل نشأ وترترع في أحضان علم السياسة الأمريكي خلال سنوات الحرب الباردة، وحمل مفهوم التنمية منذ البداية بدلالة قيمية وأيديولوجية حيث استخدم لمواجهة خطر التوسع الشيوعي في بلدان العالم الثالث، ليس بمستغرب إذن أن ينظر إلى التنمية السياسية بوصفها مشروعاً مناهضاً للشيوعية وموالياً لأمريكا ويهدف إلى تحقيق الإستقرار السياسي[8]، على الرغم من الأزمة المعرفية التي عانت منها دراسة التنمية السياسية منذ أواخر الستينات فإنّ القراءة الواعية لأدبيات التنمية تفصح بجلاء عن وجود التزام أيديولوجي تعبر عنه منظومة القيم المحورية التي تنطوي عليها نظرية التنمية السياسية تجاه الرأسمالية سواء على الصعيد الدولي أو بحسبانها أنموذجاً للتغيير الإقتصادي والاجتماعي ينبغي على الدول النامية أن تحتذيه. وإذا كان التحليل الأبيستمولوجي لنظرية التنمية يظهر أنها ترتكز على مقولات وافتراضات المشروع الحداثي، فإنّه لا يخفى ما ينطوي عليه هذا المشروع من فكرة الإلحاق الحضاري للمجتمعات النامية بالغرب.
وقد ظهر ذلك جلياً عندما انتهت الظروف الدولية والإقليمية التي دفعت إلى طرح المشروع التنموي، إنّ الذي تغير هو المسمى، لكن المبادئ والأهداف ظلت باقية.
ففي أوائل التسعينات بدأت عملية تأسيس اتجاه جديد للتنمية السياسية وهو الأمر الذي يذكرنا بما حدث مع الرعيل الأوّل من كتاب التنمية السياسية في أوائل الستينات، لقد تركت مؤسسة فورد مكانها لمؤسسات وهيئات أخرى على رأسها: الهيئة القومية الأمريكية من أجل الديمقراطية (والتي تأسست عام 1983)، ومؤسسة هوفر، وبرنامج أمريكا اللاتينية للدارسين التابع لمركز ودور ويلسون العالمي (والذي تأسس عام 1977).
ولا شك أنّ هذه المؤسسات أكدت على الجهود السابقة التي بذلت في حقل التنمية السياسية، ففي عام 1990 صدرت مجلة الديموقراطية (Democracy) عن الهيئة القومية الأمريكية من أجل الديموقراطية، حيث قامت بنشر دراسات لعدد من الكتاب المعروفين مثل هنتنجتون وشميتر وأدونيل وغيرهم، ولعل هذه الدراسات تعادل سلسلة دراسات التنمية السياسية التي بدأت عام 1963.
لقد فرض النموذج الثقافي الليبرالي الأمريكي المتزمت مجموعة من القضايا المركزية تمحور حولها علم السياسة المعني بالتنمية وهي كما حددها روبرت باكنهام على النحو التالي:
أ- إنّ التغير والتنمية عملية سهلة.
ب- إنّ الأشياء الجميلة تسير بغير انقطاع.
ج- إنّ الثورة والنزعات الراديكالية تعد أموراً غير مرغوب فيها.
د- إنّ توزيع القوة أفضل من تركزها.
ولا شك أنّ القبول بهذه القضايا يساعد على تحديد طبيعة التخلف، ويؤثر على مسار الخيارات الخاصة بحل المشكلات هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يساعد على استقرار النخبة، والمحافظة على النظام، ومن ثمّ كسر حدة التساؤلات الجوهرية المتصلة بالعلاقات الثنائية القائمة.
رابعاً: إنّ حركة الوعي الثقافي التي نادت بمثالية النموذج المعرفي لما بعد المادية في الغرب هي تماماً تنطلق من نفس منطلقات خطط المشروع الحداثي حيث تنبع من الغرب وتنتقل بعد ذلك إلى الأجزاء الأخرى الأقل تقدماً في المعمورة، ويمكن في هذا السياق أن نشير إلى دعوات المحافظة على البيئة وقيم الجمال ومثالية الطبيعة التي أطلقها أنصار اليسار الجديد في الغرب. فمثل هذه الدعوات لا تعني خروجاً على طرائق الحياة الرأسمالية في الغرب التي تقوم على نمط الإستهلاك الترفي والمتعة الفردية. لقد لاحظ بومان عام 1989، وهو من مؤيدي ما بعد المادية، أنّ هؤلاء الشبان من المتعلمين والمهنيين الذين فروا من ألمانيا الشرقية إلى الغرب، لم يظهروا أنهم فروا نتيجة بغضهم للفلسفة السياسية السائدة، وكأنّهم في الوقت نفسه اعترفوا بأنهم يسعون وراء فرص اقتصادية أفضل: خيارات أوسع من السلع الإستهلاكية وإغراءات نمط الحياة اليومية بمنظورها الغربي الرأسمالي لم تعد ذات جاذبية خاصة لمهاجري أوروبا الشرقية فقط، ولكن أيضاً تشكل جزءاً من تطلعات وأنماط حياة الكثيرين في مختلف أرجاء المعمورة. يكفي للتدليل على ذلك ملاحظة انتشار محلات الوجبات السريعة ومراكز التسوق الكبرى في العديد من الدول النامية[9]. ويمكن القول إنّ هذا التفسير السيكولوجي يظهر أنّ التوقعات الإقتصادية للأفراد تتشكل من خلال أنماط الإستهلاك للآخرين أو طبقاً لتعبير Velben من خلال قوى المحاكاة لمستويات الإنفاق المعتبرة. ولا شك أنّ الإخفاق في تحقيق هذه المطالب يؤدي إلى خبرة مؤلمة من الحرمان، وقد تم دعم هذا الإفتراض من خلال البحث الأمبريقي لاقتصاديين محدثين حيث أثبتوا أنّ كلاً من الإستهلاك والإدخار لا يتشكلان من خلال الدخل الجاري وإنما هما نتاج سلوك الآخرين أو خبرة الفرد السابقة.
بيد أنّ السؤال الذي يظل مطروحاً رغم وجود هذه النماذج الأمبريقية يتمثل في لماذا تتحول محاكاة رفاهية القلقة إلى رغبة وتوقعات وإحباطات من جانب الكثرة الذين فشلوا في الحصول عليها؟ ويمكن تبرير هذا السؤال من منطق أن تباين الثروات بين المجتمعات في فترة ما قبل القرن السابع عشر. لم تترتب عليه عواقب وخيمة كتلك التي ظهرت في العصر الحديث.
 

- ما العمل؟ نحو بديل حضاري:

إنّ حالة الإغتراب التي يعيشها الإنسان في نهاية القرن العشرين بسبب فشله في السيطرة والتحكم على عالمه هي التي دفعته إلى إعادة التفكير في منظومة علاقته بالطبيعة والكون من حوله وبأخيه الإنسان كذلك، وقد رأينا آنفاً أنّ تلك العملية أفضت إلى تحولات معرفية وأبستمولوجية كبرى في الغرب: من السلوكية إلى ما بعد السلوكية، ومن الحداثة إلى ما بعد الحداثة، ومن الرأسمالية إلى ما بعد الرأسمالية، ومن التصنيع إلى ما بعد التصنيع، ومن المادية إلى ما بعد المادية، ومن البنيوية إلى خطاب التفكيك.. وهلم جراً. وليس بخاف أنّه إذا كان التحول سمة من سمات النظام المعرفي الغربي إلا أنّه لا يستبعد مركزية الإنسان والبحث عن رفاهيته ومتعه الخاصة. إنّ كثيراً من الاختراعات التكنولوجية الحديثة تستهدف الجوانب السيئة التي أفرزتها التكنولوجيا الحديثة في الغرب!
بيد أننا إذا انطلقنا من النظام المعرفي الحضاري التوحيدي يرتكز بشكل أساس على الوحي المنزل (قرآناً وسنة) لوجدنا أنّه ينطلق منه ويشتمل على رؤية كلية إسلامية للإنسان والكون والوجود والله باعتباره الخالق والمهيمن على كل شيء. وعلى عكس التصور الذي طرحه (ميشيل فوكو) لا يشتمل النظام التوحيدي على مفهوم الإزاحة حيث أن منظومة العلاقات بين مكونات هذا النظام تقوم على مجموعة من المرتكزات الثابتة لعل من أبرزها:
1- قيمة التوحيد باعتبارها قيمة عليا في منظومة القيم التي يقوم عليها هذا النظام ومنها اشتق.
2- التمايز العقيدي النابع من قيام المسلم بتحقيق مفهوم العبودية لله فالدولة الإسلامية عابدة متعبدة عاملة تهدف إلى تكريس مفاهيم الإستخلاف والعبودية.
3- الإجتهاد الفكري.
4- معالجة قضايا الواقع.[10]
إنّ هذا النموذج الحضاري يجعل الغاية من الوجود الإنساني عامة هي العمل الصالح(10) لأنّه الأصل في عمارة الدنيا وإقامة الحق والعدل فيها، يقول تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا) (الملك/ 1-2)، ولا ريب أنّ عمارة الدنيا بالعمل الصالح وإقامتها على أساس الحق والعدل هو الحضارة الإنسانية بعينها روحاً ومادة لقوله تعالى: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (هود/ 61)، وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (النساء/ 58)، وليس هذا فقط فالإسلام يحمل ميزان العدل أيضاً بين الأعداء (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة/ 8).
وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة فهم موقع السياسة من هذا النظام المعرفي التوحيدي لأنّ ذلك يحدد بالقطع موضع التنظير السياسي في الإسلام وركائزه وقيمه ووظائفه وحتى احتمالات التغيير السياسي، فالسياسة في هذا النموذج توصف بالشرعية ومحورها القيام على الأمر بما يصلحه أي في الدنيا والآخرة، يعني ذلك أنّ الترابط وثيق بين السياسة والدين في الخبرة الإسلامية، يقول الإمام الغزالي: "الدين بالملك، والملك بالجند، والجند بالمال، والمال بعمارة البلاد، وعمارة البلاد بالعدل بين العباد"[11] يوضح ذلك مدى الترابط في المنظومة الإسلامية بين العناصر المادية والقيمية المكونة للنموذج الحضاري الإسلامي.
وإذا كانت السياسة الشرعية توافق ما نطق به الشرع فإنها تكون بمثابة قواعد عامة وتطرح مجالاً كبيراً للحركة والتنظير والبناء. وهنا يتحقق أحد مكونات النظام المعرفي التوحيدي ألا وهو الإجتهاد البشري. بيد أنّ الإجتهاد السياسي يقوم على ركائز ثلاثة: فقه الأصول في المجال السياسي، وفقه الواقع السياسي، ثمّ فقه تنزيل الأصول على الواقع السياسي. يطرح ذلك من جهة أخرى ارتباط التنظير السياسي بالحركة وبالواقع وليس أدل على ذلك من نموذج دولة المدينة في عهد الرسول (ص) حيث يبرز في هذا السياق ثلاث قضايا هي فكرة دستور المدينة، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وتوحيد الوجهة من خلال المسجد[12].
ومن المعلوم أنّ مقاصد الشريعة الخمسة: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ العرض، وحفظ المال، تشكل البيئة القيمية للدولة الإسلامية وهي في جوهرها تؤكد على حقوق الإنسان بالمنظور الإسلامي، ومن ناحية أخرى فإنّ التعامل مع هذه المقاصد يأخذ بعين الإعتبار فقه الواقع وأحكام الضرورة، ومن ذلك المبادئ التالية:
1- الضرورات تبيح المحظورات.
2- لا ضرر ولا ضرار.
3- الضرر يُزال، ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.
وعلى عكس النظام المعرفي الغربي الوضعي الذي يقوم على مركزية أوروبية واضحة ولا يعترف بالآخر أو على الأقل يتعرف عليه ليسفهه، فإنّ النموذج التوحيدي يقوم على قاعدة الإنفتاح الحضاري حيث أنّ الدولة الإسلامية التي ترتكز عليه تسعى إلى تحقيق وظيفة حضارية دعوية، ولن تتحقق هذه الدعوة إلا بالإتصال بالآخر وهو الأمر الذي يتطلب بدوره معرفة الآخر من مختلف النواحي.
واستناداً إلى ما سبق فإن أي نموذج معرفي يستند على النظام المعرفي التوحيدي لابدّ أن يساعد على فهم السنن العامة التي تُبنى عليها حركة الإنسان والكون والحياة. ومن الناحية المنهجية يمكن الأخذ بأصول وقواعد المنهج العلمي بما لا يخالف ما نطق به الشرع. ويكفي أن نتذكر أنّ العلماء المسلمين والعرب قد تبنوا منذ البداية قواعد المنهج التجريبي الحديث ويمكن أن نسوق بهذا الصدد مثالين بارزين: أوّلهما: منهج جابر بن حيان في كتابه "الخواص" حيث يقول ومنذ المقدمة: "يجب أن تعلم أنا نذكر في هذه الكتب خواص ما رأيناه فقط دون ما سمعناه أو قيل لنا أو قرأناه بعد أن امتحناه وجربناه، فما هو عندها بالملاحظة الحسية أوردناه وما بطل رفضناه". وثانيهما: منهج الحسن به الهيثم في مقدمة "المناظر" حيث يقول: "نبتدي بالبحث باستقراء الموجودات ما يخص البصر في حال الإبصار وما هو مطرد لا يتغير وظاهر لا يشتبه من كيفية الإحساس ثم نرتقي في البحث والمقاييس على التدريج والتدريب مع انتقاء المقدمات والتحفظ من الغلط في النتائج ونصل بالتدريج واللطف إلى الغاية التي عندها يقع اليقين".
واستناداً إلى ما سبق قد يطرح سؤال مفاده: هل يعني إيماننا بخصوصيتنا الحضارية رفضاً للآخر وعدم إعترافٍ به؟ لا أعتقد أنّ ذلك هو غاية التحليل والدراسة التي ندعو إليها، إنما نسعى إلى تحقيق القدرة على الفهم، وهي عملية مستقلة ينبغي أن تسبق أي قرار واع يهدف إلى التعامل مع الآخر.
وبعد فإنّ المسلم المثقف مدعو في ظل واقع التخلف المادي والتكنولوجي الذي يعيش فيه وحالة التبعية التي تحاصره أنى غدا أو راح، لأن يفهم العالم من حوله. فهل نحن نعيش فعلاً بحاجة إلى أنماط التكنولوجيا المتقدمة الموجود في الغرب؟ إنّ كثيراً من التقنيات الحديثة إنما صممت للتعامل مع الواقع الغربي ولمعالجة بعض مشكلات الحداثة. وعليه فإنّ التحدي الذي يواجهنا ونحن على أعتاب عصر جديد يتمثل في مدى إمكانية إعادة تشكيل حياتنا في ظل متغيرات عالم ما بعد الحداثة، واستناداً إلى قاعدة نظامنا المعرفي الوحيدي يقتضي الأمر والحالة هذه فهماً واعياً للسنن العامة التي تُبنى عليها حركة الإنسان والكون والحياة. فالدولة المسلمة التي تسعى إلى تحقيق رسالة الإستخلاف في الأرض تعلم يقيناً أنها لن تغير ثابتاً أرداه الله ولن تثبت متغيراً أراده الله. كما أنها تعرف من جهة أخرى أنّ للنهوض والرقي وللإصلاح سنناً ثابتة.. والفشل في تحقيق تلك الأهداف يستدعي فهم الأسباب التي أدت إلى ذلك استناداً إلى قوله تعالى: (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) (آل عمران/ 165)، فهل من الأجدى أن نجري وراء تكنولوجيا حاسوبية متقدمة، وأنظمة معلوماتية معقدة، وأنّ نطلق اقماراً صناعية إسلامية للإتصالات، ونسعى من خلال ذلك إلى تدمير عمارة الإنسان المسلم أم أنّ الأجدى هو التخطيط الواعي من أجل تحقيق مصلحة الإنسان في الأرض وإعماره لها؟ إنّ الإجابة لا تحتاج إلى حل سياسي سحري، وإنما إلى وعي بضرورة الفهم، وقدرة على الفهم والتخطيط السليمين، وذلك هو التحدي الحقيقي!
 
الهوامش:

[1]- عبدالوهاب المسيري اليهودية وما بعد الحداثة: رؤية معرفية، إسلامية المعرفة، العدد العاشر، خريف 1997، ص94-95.
[2]-Jurgen Haber mas, the philosophical Discourse of modernity (London: polity press, 1992).
[3]- راجع خطاب التفكيك الذي يميز ما بعد البنيوية في الأدب في: عبدالعزيز حمودة، المرايا المحدبة: من البنيوية إلى التفكيك (الكويت: سلسلة عالم المعرفة، عدد 232. ابريل 1998) وانظر المسيري، مرجع سابق، ص93-122.
[4]- Samuel P.Huntigton "The West: Unique Not Universal", Foreign Affairs, November-December, 1996.
وقد أوردها هنتنجتون في سياق حديثه عن تفرد الحضارة الغربية ومركزيتها.
[5]-Samir Amin, Capitalism in the age of globalization (London: Zed Books, 1997).
[6]- بيل جيتسن المعلوماتية بعد الإنترنت (طريق المستقبل)، ترجمة عبدالسلام رضوان (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب: سلسلة عالم المعرفة 231/ آذار 1998) ص414-415.
[7]- أيريك وينكل، منظورات علم السياسة في مرحلة ما بعد الحداثة من منظور إسلامي، ترجمة محمد الطاهر الميساوي، إسلامية المعرفة (ماليزيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي) العدد الرابع، ابريل 1996، ص166.
[8]-Robert Packnham "political development in American foreign aid, World Politics, XVIII, Jan, 1966 p213".
[9]- Anderw C. Janos, "Paradigms Reuisited: Productionism, Globality and Postmodernity in Comarative Politics, World Politics, Vol 50 No.1 October 1997", p144.
[10]- انظر وراجع: حامد عبدالماجد قويسي، الوظيفة العقيدية للدولة الإسلامية: دراسة منهجية في النظرية السياسية (القاهرة: دار التوزيع والنشر الإسلامية، 1993) ص22-23.
[11]- أبو حامد الغزالي، التبر المسبوك في نصيحة الملكو: دراسة وتحقيق محمد أحمد دمج. ط1 (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1987).

[12]- مصطفى محمود منجود، الأبعاد السياسية لمفهوم الأمن في الإسلام، ط1، القاهرة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي 1996، ص66-70.

المصدر: مجلة الكلمة/ العدد 22 لسنة 1999م

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 654
 قيّم هذة المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 الإسلاميون والحداثة
 قول المرأة.. الكيفية والمضمون
 الحداثة بين الغرب والشرق
 المصالحة بين الإسلام والحداثة
 النسق السياسي والجماعة

الاکثر قراءة
 الحقوق والواجبات أساس تطور الحضارات
 موقف الفكر العربي المعاصر من الحضارة الغربية بين السلب والإيجاب
 حقوق المرأة في الإرث اسلامياً
 آداب الاستئذان في الإسلام
 علاج أمراض العين بعسل النحل
 حوار الحضارات
 أدب المعاملة في ضوء القرآن الكريم
 معاني الألوان في القرآن الكريم
 الإسلام والبيئة
 شخصية النبي (ص) التربوية
 
الاکثر تعلیقا