الصفحة الرئيسية » علم الاجتماع
الثقافة الإسلامية والعولمة.. أي مستقبل؟

2013/02/28 | الکاتب : إدريس هاني


هل لنا أن نتساءل عما ستحدثه ثورة المعلومات ورسول العولمة إلى ثقافتنا العربية والإسلامية؟ أم أنّ الأمر سيكون على خلاف ما نتصور؟ نوعاً من الإقصاء المتقن لسائر الثقافات التي تقع على هامش تيار العولمة؟
هذه التحديات على خطورتها، لاتنسينا الإلتفات إلى ما هي عليه الثقافة الإسلامية من أزمة، يتصل بعضها بالكيفية التي تقدم بها هذه الثقافة نفسه في حاضر يكاد يتنكر برمته للأجوبة التي تقدمها هذه الثقافة.. كما يتصل بعضها الآخر بالأزمة التي تقوض البعد التاريخي لهذه الثقافة. والجانبان معاً لهما صلة ببعضهما. إذاً، نحن أمام ثقافة، لاتزال تكدح في سبيل امتلاكها لعنصرين:
1- الديناميكية، ونقصد بها الآليات التي بها تعيد الثقافة خلق نفسها، لتحقق تعاصرها وفعاليتها.
2-التاريخية، من حيث أنّ الثقافة التي لا تملك تاريخاً، لن تحظى بالمستقبل!
والحديث إذن يتفرع إلى قسمين: الأوّل، وضعية الثقافة الإسلامية اليوم، تاريخيتها أزماتها الذاتية.
الثاني: وضعها العام في ظل ثورة المعلومات وتحديات العولمة.
الجواب التقليدي عن ماهية الثقافة، على أنها حصيلة التقاليد والإنجازات والتصورات والأفكار.. التي تؤطر معرفياً مجتمعاً من المجتمعات. ومعنى ذلك، أنّ الثقافة هي بالنتيجة الوسط الذي يمد الفكر بخصائص معينة، تحدد نظرته للأشياء وتوجه رؤيته إلى وجهة ما. وعلى هذا الأساس، تختلف الثقافة من وسط لآخر، بتعدد الأوساط والبيئات نُزلاً إلى الكيانات الصغرى، كالمجتمع أو العشيرة أو الأسرة، وصُعداً نحو الكيانات الكبرى، كالقطر، والأمة.. والجامع بين هذه كلها، رؤية الإنسان الثابتة بما هو إنسان، التي هي مناط عالميته، فثقافة العالم، تستند إلى هذه الدائرة، ثقافة الإنسان الذي ينزع في فردانيته نزوعاً يشارك فيه بني جنسه. فحينما افكر كإنسان، فأنا أفكر عالمياً. غير أنّ العالمية هي مفهوم كلّي، لأنّنا واقعياً نحن أمام تكوينات اجتماعية أو حضارية، تعيش متفاعلة مع أوساطها، وتتكيف مع أوضاعها، وهي بذلك تخلق عناصر تميزها وخصوصيتها. فالخصوصية هي ضرورة وجود وبقاء، وهي الحقيقة الوحيدة الموجود تعيُّنا. فإذا سلمنا باختلاف التاريخ والجغرافيا، فإننا سنسلم إضطراراً باختلاف الثقافة التي هي حصيلة تفاعل الإنسان الواحد مع عوامل مختلفة. وقبل أن نمضي في معالجة الشطر الثاني من الإشكالية، لابدّ من المكث مليّاً عند الثقافة الإسلامية لنكتشف أزمتها، ونعاين مأزقها في عالم شديد الوثب والتغير. إنّ الثقافة الإسلامية هي حصيلة التصورات والرموز والتقاليد والأعراف والإنجازات.. التي تشكل التراث الإسلامي. وهي ما يشكل ويحدد اتجاهات الرأي والنظر عند كافة المسلمين. والحال أنّ الثقافة الإسلامية تعاني من مشكلتين: الأولى، كونها ثقافة متنوعة ومختلفة بحسب اختلاف الجغرافيا الطبيعية والبشرية، وهذا طبيعي مادام الإسلام قدم نفسه عالمياً. والثانية تتعلق بكونها ثقافة تحددت وجهزت في فترات تاريخية ما، وهي اليوم عاجزة عن التفاعل بالشكل المطلوب مع واقع الأُمّة الإسلامية.
فثمة إذن ثقافة إسلامية عربية وأخرى فارسية وثالثة هندية.. كما أنّ لدينا موروثاً ثقافياً مجزّأً، يعكس تجزئته على أذهاننا ومواقفنا، ومن ثمّ التجزئة في الصف. نحن أمام هذه الظاهرة التي يتراءى من خلالها انصهار الإسلام مع مختلف البيئات والعصور، إلا أننا لا نحظى بثقافة إسلامية غربية أو معاصرة جدّاً.. لماذا؟! هناك طبعاً مسلمون في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.. لكن لماذا لم تترتب على هذا الإنصهار ثقافة إسلامية غربية بالمعنى نفسه الذي رأيناه مع ثقافة إسلامية بخصوصية هندية وفارسية وعربية؟ القضية حسب ما يبدو تتعلق بالأزمة الذاتية والتاريخية لهذه الثقافة. فالإسلام حينما قدم نفسه في فارس أو الهند.. قدمها بصورة القابل لأن يندمج في حياة الناس.. لأنّه قدم بصورة مجردة، ومهيأة للتثاقف. لكنه اليوم، يقدم نفسه كإرث يفتقد الإشراق الحضاري.. يزحف مثقلاً بخصوصياته المحلية ويعيق نفسه بحركة ارتجاعية تجعل الحاضر والمستقبل رهين مرحلة تاريخية مضت. إنّ الإسلام اليوم لا يقدم كرؤية شاملة، ومجردة عن العالم. فمن حقنا كعرب أن نكوّن ثقافتنا الإسلامية، كما للفارسي الحق نفسه.. مادام الإسلام يعيش على الأرض ويتفاعل مع الإنسان.. لكن ليس من حقنا أن ننقل للغرب إسلاماً عربياً أو فارسياً أو هندياً.. فلنترك له فرصة في أن يتفاعل مع الإسلام، ليخلق من ثقافته الخاصة. إذاً، الإسلام واحد، لكن الثقافة الإسلامية أو نسيج التقاليد والأعراف هي مختلفة ومتنوعة، والإسلام يحدثنا عن هذه الحقيقة بوصفها قانوناً: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (الحجرات/ 13)!
فمن الناحية الثقافية، لا إشكال في هذا التميز حتى داخل الأُمّة الواحدة. إنّ المشكلة الرئيسية هي المشكلة التاريخية، الثقافة الإسلامية اليوم باتت تتنكر إلى العناصر الأساسية في حاضر المسلمين ومستقبلهم. في العهود السابقة كنا نحن من يعلم الغرب العقلانية ونقدم لهم المنطق الأرسطي والفلسفة والرياضيات.. ويوم كان العالم الإسلامي يزهو بقانون ابن سينا – في الطب – كان الإنسان الأوروبي يموت من أتفه الأمراض والعلل.. لكننا اليوم نتنكر للعقلانية التي افتخرنا بها بالأمس، لا لشيء إلا لأنّ الغرب اليوم، باسمها مارس أبشع جرائمه التاريخية في حق الشعوب. فالأمر كما ذكر ابن رشد يوماً يشبه من رفض الماء حتى مات بالعطش، لأنّه رأى أخر شرق منه فمات. إنّ وجهاً آخر في ثقافتنا يعاني النسيان، أعني الوجه الذي يحمل ثقافة التحرر والعقلانية.. وهو الوجه الذي يتعين علينا إنهاضه قبل الحديث عن عالمية الثقافة الإسلامية.
الغرب اليوم، ماذا يفهم من الإسلام وعن المسلمين؟! إننا لسنا في الموقع الأمثل كي نحدد للغرب الوجه الأنسب للإسلام، من بين أشكال من الإتجاهات المتضاربة.. فمن حقه أن يعتمد في رؤيته لسان حال المسلمين. الغرب اليوم يختزل صورة الإسلام في أشخاص يتزيون بألبسة تدل على حماقتهم.. ويرفضون كل وسائل الرقي والتقدم.. أعداء النمو، لذا هم يتناسخون في أنماط حياتهم.. وهم مع ذلك يخططون لغزو العالم بثقافة غير مستساغة إلا في ذهنية البداوة.. هذا هو الإسلام اليوم الذي يريد أن يقدم الغرب صورته إلى العالم وليس الإسلام الحضاري الذي تمثله مراكز البحوث والدراسات، التي هي غالباً غير مدعومة.. إنّ الإسلام اليوم كما يقدمه هذا الزحف الكبير، هو ماكنة جهنمية كاسحة، فاقدة للذوق الرفيع ومدمرة للحياة.. هي تراكم من العقد النفسية، وركام من الفشل وسلسلة لا تنتهي من المنع والكبت.. إنّه بتعبير آخر، إسلام الموت والقبور والتعاسة.. إسلام الجهل والأهواء والغثيان، وليس إسلام الحياة والحرية والعمران.. وطبعاً، هذا لا يعني منح المصداقية للعقل الأوروبي في كافة مشاريعه تجاه العرب والمسلمين.. إننا نعاني في الواقع مشكلة قيمين على الشأن الإسلامي.. هل هؤلاء حقاً هم من يمثل الفكر الإسلامي؟ وحينما أقول القيمين، لا أعني بالضرورة الجهات الرسمية فحسب، بل أيضاً تلك الجحافل المنتشرة من دعاة الجهل والتخلف.. أولئك الذين أوجب عليهم الإسلام ذاته أن يصمتوا إن كانوا لا يحسنون قول الخير.. إذن، الإسلام ليس حرفة سهلة ومباحة لبائعي البيض وحفاري القبور.. الإسلام دعوة إلى أرقى الكمالات، وهو من اختصاص العلماء والمفكرين المتنورين والمثقفين النزيهين.
 
- ماذا عن العولمة؟
بلا شك، العالم اليوم يتقارب في ظل ثورة المعلومات والإتصالات بشكل معجز.. غير أنّ وسائل الإتصال في ظل الأوضاع العالمية والمحلية، لا يمكنها أن تحقق حلمها التقليدي في أن تخلق عالماً في صورة قرية صغيرة. العالم اليوم ما يخلقه من وسائل الإتصال والتقارب والعالمية، فهو يتباعد من جهة أخرى، وينتج وسائل الانفصال والبعد والتهميش. قد نتقارب في أنماط الأكل والشرب وباقي أشكال الإستهلاك.. فهذا معطى متيسر في عالم طغت عليه لغة الإستنساخ سواء في الأنماط أو حتى في الأنواع. والعولمة – وأنا هنا أميز بينها والعالمية – في حد ذاتها هي أكبر عدو للعالمية. لأنّها مشروع، يهدف بالدرجة الأولى، إنزال بديل كامل على شكل سيناريوهات جاهزة، مكان الثقافات المحلية. هذه في حد ذاتها الآخر المزيف للعالمية.
لقد رأينا كيف باتت العولمة والإدماج القسري، يأخذ معنى الإستنساخ، بينما العالمية هي اعتراف بالتعدد وليست الإستنساخ بالمعنى الذي يفيده فعل الإلغاء!
هناك عقل تكنولوجي جبار ماضٍ في سبيل تيسير الحياة البشرية، وهناك عقل آخر يوجه ذلك إلى منحى آخر.. هناك عقل إنساني في أرقى نضجه وفعاليته، وهناك إلى جانبه عقل رأسمالي احتكاري. تزداد الفوارق الطبقية بين المجتمعات، وأيضاً بين الفئات الاجتماعية، بفعل التفقير الذي ترعاه وتصنعه الآلة الرأسمالية والإمبريالية.. هذا معناه، إذا كان الإنسان قديماً – عندنا – يتساوى في فرص تحصيله للمعلومات، حيث يمده بها الحكواتي أو الوراقون أو الصحيفة في أيامنا هذه، فإننا في زمن الإنترنيت، سنجد أنفسنا أمام نخبة تستطيع التعامل مع المعلومات بكيفية محدودة، في حين، سيكون الفقير والأمي، والعامي، بعيداً عن لغة الإنترنيت. ولا ننسى أنّ في المجتمع الطبقي، تصنع البرجوازية دائماً علاقتها الطبقية بأشيائها وإنتاجاتها الجديدة.. وبالتالي فإنّ العولمة سوف تزيد أكثر في تهميش الكيانات الضعيفة والفقيرة – أعود وأكرر – بأنّ هذا ليس بسبب ثورة الإتصالات، وإنما بسبب هيمنة العقل الرأسمالي الطبقي والإحتكاري.
 
- رهان العالمية:
العالمية، هي إحدى أهم خصائص الدعوة الإسلامية. فأنّ تقارب الأقطار والمجتمعات وأطراف العالم، هو مقصد طالما سعى إلى تحقيقه الإسلام منذ زحفه الأول. الآن نحن أمام معطى آخر! لكن أي خطر من العولمة يتهدد كياننا العربي والإسلامي؟.
في الحقيقة حينما ننتقد العولمة اليوم، فإننا بالأحرى ننتقد مدّاً مهولاً، لشكل خطير من الثقافات، بات يعاني منه العالم بأسره. والغرب هو نفسه غير مستثنى من هذا الوباء.. أوروبا اليوم، تعمل المستحيل للوقوف ضد هذه الظاهرة بسيولتها الأمريكية – الهوليودية. الأمريكان، هم أنفسهم ضحيتها. عندنا اليوم، الثقافة هي شكل من البضاعة تنتج داخل المصنع الهوليودي، والعالم كله لا يقدر على منافسة هذه اللعبة التي جعلت الربح والمال، غايتها القصوى. إننا أمام شكل من الثقافة غير موجه، يقف خلفه تجار متمرسون على فن جلب المال، ويديره جيش عرمرم من فاقدي العقول ومن حماة ثقافة الشارع الأمريكي. إذاً، العولمة حتى لو كانت أمريكية، فهذا لا يعني أنك ستصادف ثقافة النخبة الأمريكية، ليس في أمريكا وزارة ثقافة أو إعلام.. وثقافة النخبة لا حظ لها في أسواق هوليود.. إنك سترضخ أمام ثقافة الرامبو وترمنتور.. ثقافة عنيفة أو داعرة. لا أكون مبالغاً إذا قلت انّ العولمة اليوم تريد من العالم العربي والإسلامي تحديداً، أن يخرج من قيوده حتى تتمكن من زخه بهذه الأشكال الثقافية، التي لا تصنع منه أكثر من سوق لإستهلاك وجبات الماكدونالد وباقي المنتوجات الأمريكية. فالعقل الرأسمالي الإحتكاري العالمي، له قدرة فائقة على استثمار كل النتائج التي توصل إليها الفكر الإنساني في سبيل الإحتكار والسيطرة. سواء تعلقت تلك النتائج بالعلوم الإنسانية أم التجريبية.
 
- الثقافة الإسلامية في ظل العولمة:
من جهة العالم العربي/ الإسلامي، أتصور أنّ العولمة إذا عنينا بها الجانب التقني، ممثلاً في ثورة الإتصالات واجتياح "ساتلايت" والانترنيت وما شابه ذلك من وسائل الإتصال وتداول المعلومات، فهي قضية ملحة في عالمنا. نحن نفرق بين نوعين من النقد: نقد يتجه إلى ما ينبغي أن تكون عليه العولمة، من حيث المضمون، وفي هذا الإطار يتجه حديثنا إلى خطورة الثقافة الهوليودية، باعتبارها النمط الثقافي الغالب للغرب.. وهذا النقد هو نوع من التصور اليوتوبي للمستقبل. أمّا النقد الآخر، فيتجه إلى الواقع، وإلى كيفية الإستفادة والإستغلال الأمثل لهذه المعطيات التكنولوجية ذات الأهمية البالغة في عالمنا، نحن لا نخاف من الـ"ساتلايت" ولا من الانترنيت حتى وإن كانت هذه الأخيرة غاصة بقضايا تناقض قيمنا العربية/ الإسلامية. لكن هذا قدرنا، ولن نستطيع منع ناشئتنا من أن تتواصل بشكل من الأشكال مع هذه الثقافة.. إننا في مثل هذا الوضع الرديء لعالمنا العربي/ الإسلامي، كل شيء سيضرنا، وكل أمر سوف يتناقض مع كياننا.. وليس العولمة وحدها بما هي هذه الوسائل المحايدة للمعرفة، فلئن استطاع الغرب أن يستثمرها بشكل أكبر فذلك أمر طبيعي، لأننا لا نتحرك. الغرب انطلق، ولا يريد الإزعاج. أنت اليوم في عالم الإرادات الكبرى.. والتحدي والتنافس.. بل إنك في عالم استطاع الغرب أن يقضي فيه على أكبر منافس تقني له، ألا وهو الإتحاد السوفياتي. إذاً، بدل أن نحل المشكلة بالمنع، أو برمس الرأس في الرمال، علينا أن نتجه إلى حلول أكثر جذرية.. إنّ العالم العربي/ الإسلامي اليوم، هو في أمس الحاجة إلى الإنخراط في هذه الأجواء، لسبب بسيط، وهو إنّه يعيش خارج العالم، معزولاً.. الـ"ساتلايت" اليوم، قد يُؤْذيك ببرامجه اللاأخلاقية.. وهذا أمر يمكن السيطرة عليه بالتربية والتوجيه.. لكن الـ"ساتلايت" ليس منحصراً في هذه البرامج.. هناك الوجه الآخر، هناك الخبر والمعلومات التي ظل العرب والمسلمون بعيدين عنها.. اليوم، يستطيع العربي والمسلم الذي عاش عبر تاريخ مديد، مقموعاً ومحاصراً، في أن يسمع الحقيقة.. في أن يعرف مستوى بلده، ومشكلاته وأزماته.. إنّ شطراً كبيراً من تحرر الإنسان العربي، جاء عبر الـ"ساتلايت" و"الإنترنيت" فأنت تستطيع من الآن أن تسأل عن كل شيء، ويأتيك الجواب عن كل شيء. وتستطيع أن تنقل ثقافتك إلى العالم، كيفما شئت وتقول كل شيء.. فما حققته هذه الوسائل في برهة من الزمن، لم تحققه سنوات طويلة من نضال شعوبنا العربية الإسلامية. فإذا قارنا أنفسنا اليوم، بأزمة القمع والتخدير.. سوف ندرك حقاً إلى أي مستوى استطعنا أن نتحرر بصرياً وسمعياً.. وهي خطوة مهمة للمستقبل.
أقول إنّ الإسلام لا يمكن أن يجد نفسه إلا حينما تتحرر أبصارنا وأسماعنا. فلا نكون كمن كان في عينه غشاوة أو في سمعه وقر، أي حينما نرى الحدث رأي العين ونسمع الخبر الصحيح. فقبل الـ"ساتلايت" كان الخبر حرّاً والتعليق مقدساً على عكس المطلوب. إنها أزمة إعلام، أظن أننا اليوم في عالمنا العربي والإسلامي لم نعد في حاجة إلى ثورة إعلامية.. اليوم هذا معطى تحقق رغم كل الإرادات الصغيرة.. اليوم كل من كان يحتكر الإعلام، سوف يضرب ألف حساب لتصرفاته.. لقد تقزم شأن الديكتاتورية في العالم العربي والإسلامي، وغدا أي تصرف صادر من هنا مفضوحاً كنار على علم.
أما مستقبل الثقافة الإسلامية في ظل هذا الوضع، فإنّه رهين بتعبير العقلانية، ونحو مزيد من الواقعية والإيجابية.. هناك بشر عندنا يعيشون حاضرهم، لكن حينما يصبحون إسلاميين أو يدعون للإسلام، فهم لا يفهمون ذلك إلا كرجوع فوري إلى الوراء. إنّ الثقافة الإسلامية اليوم، لم تحقق بعد وحدتها، حتى تكون عالمية، هناك صحوة إسلامية خام، وتفتقد التأسيس والوعي.. الثقافة الإسلامية اليوم تقدم نفسها كمشروع مقاومة – وهذا جميل – لكنها تغيب وتخفي أزمتها التاريخية.
إذن نحن أمام مستقبل ينحو إلى العالمية رغم مأزق العولمة.. والعالمية خاصية إسلامية.. لكننا لا نعيش العالمية الإسلامية حتى في نطاق عالمنا الإسلامي
وبكلمة أقول، لا مستقبل للثقافة الإسلامية في ظل ثورة المعلومات والعولمة، إذا استمر الوضع على ما هو عليه.. ولا مستقبل لها بغير العقلانية والواقعية والإيجابية، وهي رهان العالمية!
 
المصدر: مجلة الكلمة/ العدد 22 لسنة 1999م

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 572
 قيّم هذة المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 تحديث البنية الثقافية كمدخل للتنمية
 العولمة والأنسنة
 المثقفون والتفاهم الثقافي
 المثقف العضوي وظيفته في المجتمع
 هويتنا الثقافية في خضم تحولات العولمة من الاختراق إلى الممانعة

الاکثر قراءة
 الحقوق والواجبات أساس تطور الحضارات
 موقف الفكر العربي المعاصر من الحضارة الغربية بين السلب والإيجاب
 حقوق المرأة في الإرث اسلامياً
 آداب الاستئذان في الإسلام
 علاج أمراض العين بعسل النحل
 حوار الحضارات
 أدب المعاملة في ضوء القرآن الكريم
 معاني الألوان في القرآن الكريم
 الإسلام والبيئة
 شخصية النبي (ص) التربوية
 
الاکثر تعلیقا