الصفحة الرئيسية » الاسلام والغرب
الإسلام دين العالمية

2013/06/04 | الکاتب : اسرة البلاغ


ليس بوسع أيّة رسالة أن تكون ذات بعد إنساني كامل إلّا إذا هيّأت الفرص الكافية لنمو طاقات الإنسان وحاجاته الطبيعية كلّها مع الاحتفاظ بحالة التوازن الكامل بين هذه الطاقات والنوازع الأخرى.

فلا تتنكر لطاقة من طاقات الإنسان لحساب الطاقات الأخرى ولا تباشر عملية إنماء لحاجة طبيعية لدى الإنسان على حساب أخرى.

وإذا درسنا الرسالات السماوية والمذاهب الاجتماعية الوضعية، فإننا لا نجد رسالة أو مذهباً اجتماعياً وُفِّق إلى الاعتراف بالإنسان كما خلقه الله عزّ وجلّ وبكلّ آفاقه ومشاعره ونوازعه، كما وفقت الرسالة الإسلامية الخاتمة فالديانة النصرانية لا تعتني في مناهجها التربوي وفي فلسفتها "الحياتية" إلا بالأمور المحصورة في إطار الروح، ولذا فإنّها تهتم بالطقوس العبادية، وبالتوجيهات الأخلاقية التي تدور في إطار الفرد.

أمّا الديانة اليهودية الحاضرة، فهي تشكيلة من الضوابط التي تركّز على الجوانب المادية من طاقات الإنسان إلى حدّ بعيد أكثر من سواها!

وإذا شئنا الحديث عن المذاهب الاجتماعية الوضعية المعروفة اليوم كالنظام الرأسمالي والاشتراكي، فهي أنظمة تقصر اهتماماتها على تنمية الجوانب المادية في حياة الناس، كالاقتصاد وتنمية الانتاج وتشجيع الطموحات المادية وما إلى ذلك، أمّا العواطف الإنسانية وإشراقات النفس المعنوية العليا، فلا تحظى في اهتمامات هذه المذاهب كثيراً.

وقد كان إفلاس الشيوعية والاشتراكية وانهيار المعسكر الاشتراكي مؤخَّراً في أوروبا الشرقية وما يدور في فلكها من دول وأقاليم، قد شكّل ضربة عنيفة وُجِّهت لأبرز المذاهب الاجتماعية المعاصرة، حيث قدّمت الدليل العلمي على فشل مثل التجارب الوضعية في قيادة الإنسانية نحو شاطئ السلامة والخير والنماء.

وهكذا يبقى الإسلام رسالة ربّ العالمين الخاتمة المحطّة الوحيدة التي تستريح عندها البشرية التي ذاقت الآلام والحروب، وجنت الدموع والدماء تحت ظلال التجارب الوضعية المفلسة، إذا أخذ موقعه الطبيعي في حياة الأُمم، بعيداً عن الاستغلال الطبقي باسم الدين، أو تفسيره وفق المصالح الطبقية الفاسدة.

حيث يبقى الإسلام الحنيف الرسالة الوحيدة التي تهيئ الفرص لنمو طاقات الإنسان جميعاً دون افراط، باعتباره دين الفطرة الإنسانية:

(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (الروم/ 30).

أمّا عالمية هذا الدين، فيمكن عرضها في هذه المقدمة خلال هذه الحيثيات:

1- إصرار هذا الدين على مخاطبته لكلّ المتمتّعين بخصائص الإنسانية دون أن يكون وقفاً على أُمّة دون أخرى، أو لغة دون أخرى أو لون دون آخر، أو عنصر دون آخر:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات/ 13).

(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) (سبأ/ 28).

وهكذا فإنّ الإسلام في نصوصه المركزية الأصيلة، ومن خلال مبادئه الأساسية، خاطب الناس جميعاً وتخطّى الألوان واللغات والعناصر والفوارق الاجتماعية والجغرافية، وقد ترجم المصطفى (ص) هذا الخط الرسالي الثابت بقوله (ص):

"يا أيّها الناس: إنّ ربّكم واحد، وإنّ أباكم واحد، كلُّكم لآدم وآدم من تراب، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربيّ على أعجميّ، ولا لأحمر على أبيض ولا لأبيض على أسود فضل إلّا بالتقوى"[1].

2- يحرص الإسلام الحنيف على إرساء مفهوم كون البشر عموماً من أصل واحد، وأمّا حالات التفاضل التي صنعتها الأعراف الوضعية، فليس لها مبرّر بالمرّة، ومن أجل ذلك يقول الله تعالى معمِّقاً هذا المفهوم:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً) (النساء/ 1).

فلا السلالة بقادرة على إلغاء هذه الحقيقة.

ولا القوة تستطيع أن تغيّر هذا المفهوم.

ولا السلطان بمقدوره أن يقلب ميزان الحق.

فالناس مصدرهم التراب وأبوهم آدم (ع)، وما عدا ذلك من التقسيمات فهي عارضة لا تنال الأصل، ولا تغيّر من الواقع.

إنّ هذه الحقائق التي يُرسي الإسلام عليها مفاهيمه، التي يتعامل من خلالها مع الإنسان لا وجود لها في آفاق أيّة حضارة مهما تظاهرت أو ادّعت.

فاليهودية تعتبر بني إسرائيل شعب الله المختار، كما يظهر من نصوصها الدينية، وسواهم من الشعوب خُلقوا بصور شبيهة لبني إسرائيل، ليتسنّى لشعب الله أن يستخدمهم لإنجاز مهامّه في الحياة، كما ورد ذلك في التلمود.

والمذاهب الاجتماعية المعروفة في عالم اليوم لا تحمل مضمون العالمية الواقعية، لأنّها تتنكّر لكثير من طاقات الإنسان وخصائصه الطبيعية، كحبِّ المال والأشواق الروحية بالنسبة للشيوعية التي أفلست، والعواطف الإنسانية وأشواق النفس العليا بخصوص الرأسمالية.

ولعلّ ظاهرة التمييز العنصري، والاستعمار والاستغلال للشعوب المستضعفة، ونهب ثروتها، وإبادة الكثير من قوى الخير فيها، بعض الشواهد على النهج اللا إنساني لهذه الفلسفات والمذاهب الاجتماعية، وعدم حملها لمضمون العالمية أساساً.

لقد سبق الإسلام الحنيف سواه من المذاهب والرسالات في الدعوة الإنسانية وهي تقود إلى العالمية بشكل طبيعي.

وإنْ ننسَ فلا ننسى وصيّة أمير المؤمنين (ع) إلى واليه على مصر مالك الأشتر النخعي (رض) حيث جاء فيها:

"واشعِر قلبك الرحمةَ للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكوننَّ عليهم سَبُعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنّهم صنفان: أمّا أخٌ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ..."[2].

على أنّ هذا النهج الإنساني المتميز لم يبقَ حلماً لطيفاً يدغدغ العواطف البشرية المعذّبة، وإنما شهدته البشرية واقعاً مجسّداً للحياة التي صاغها الإسلام بيديه، وهذه مصاديق عملية لذلك الواقع:

- عن حفيد الرسول الإمام أبي عبدالله الصادق (ع) قال:

"قال رسول الله (ص) أمرني ربّي بسبع خصال: حبُّ المساكين والدنوّ منهم، وأن أكثر من قول (لا حولَ ولا قوّة إلّا بالله)، وأن أصل رحمي وإن قطعني، وأن أنظر إلى من هو أسفل منّي، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأن لا يأخذني في الله لومة لائم، وأن أقول الحقّ وإن كان مرّاً، وأن لا أسأل أحداً شيئاً"[3].

وحدّث عبدالله بن العباس (رض) عن خصائص رسول الله (ص) فقال:

"كان رسول الله يجلس على الأرض ويأكل على الأرض، ويعقل الشاة، ويجيب دعوة المملوك على خبز الشعير"[4].

وعن أنس بن مالك قال:

"خدمت رسول الله (ص) سنين فما سبّني سبّة قطّ، ولا ضربني ضربة، ولا انتهرني، ولا عبس في وجهي، ولا أمرني بأمر فتوانيت فيه، فعاقبني عليه..."[5].

- وكان منهاج علي بن أبي طالب (ع) أيام حكمه – وهو تجسيد لدين الله تعالى – ما يلي:

"والله لئن أبيت على حسك السعدان مسهداً، أو أُجَرُّ في الأغلال مصفَّداً، أحبُّ إليَّ من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد، وغاصباً لشيءٍ من الحطام... والله لو أُعطيتُ الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته، وإنّ دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها، ما لعليٍّ ونعيم يفنى ولذّةٍ لا تبقى نعوذ بالله من سُبات العقل، وقبح الزلل، وبه نستعين"[6].

- وكانت سياسته في العطاء كما يلي:

- فهو يخاطب الزبير بن العوام وطلحة بن عبيدالله التيمي، حينما كبُر عليهما منهاج مساواته في العطاء:

"... فوالله ما أنا وأجيري هذا إلّا بمنزلة واحدة"[7].

- وكان الإمام علي بن أبي طالب (ع) حريصاً على عزّة الناس جميعاً ومكانتهم، وسموّ نفوسهم، بعيداً عن الذلّ والاستجداء، فها هو يعلِّم الناس العزّة والكرامة ونبذ الذلّ:

"فلا تكلِّموني بما تُكَلَّم به الجبابرة، ولا تتحفَّظوا مني بما يُتحفَّظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بمصانعة، ولا تظنّوا بين استثقالاً في حقٍّ قيل لي، ولا التماس إعظام لنفسي، فإنّه من استثقل الحقّ أن يقال له، أو العدل أن يعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه، فلا تكفُّوا عن مقالةٍ بحقٍّ، أو مشورةٍ بعدل"[8].

- ومن تعليمات الإمام الإنسانية الرفيعة عند جباية حقّ الدولة في الأموال:

"انطلق على تقوى الله وحده لا شريك له، ولا تُروِّعنَّ مسلماً، ولا تجتازَنَّ عليه كارهاً، ولا تأخذنَّ منه أكثر من حقّ الله في ماله، فإذا قدِمتَ على الحيِّ فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم، ثمّ امضِ بالسكينة والوقار حتى تقوم بينهم فتسلِّم عليهم، ولا تخدج بالتحية لهم، ثمّ تقول: عبادَ الله، أرسلني إليكم وليُّ الله وخليفته، لآخذ منكم حقّ الله في أموالكم فهل لله في أموالكم من حقٍّ فتؤدّوه إلى وليِّه..."[9].

- ومن تعليماته للولاة، يعلِّمهم احترام إنسانية الناس، وإشعارهم بالعزّة:

"وإيّاك والمنُّ على رعيّتك بإحسانك، أو التزيّد في كان من فعلك، أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك، فإنّ المنَّ يبطل الإحسان، والتزيد يذهب بنور الحق، والخلف يوجب المقت عند الله والناس..."[10].

هذه بعض المصاديق العملية من النهج الإنساني الرفيع التي جسّدها الإسلام الحنيف من خلال تطبيقات الرسول القائد وأئمة أهل البيت (ع)، ومَن شاء المزيد بمقدوره أن يعود إلى السيرة المطّهرة[11].

وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ النزعة الإنسانية لم تكن معروفة لدى الحضارات الوضعية السابقة للإسلام، كما لم تكن معروفة بعد ظهور الإسلام إلّا بعد التواصل الحضاري بين الإسلام والأُمم التي عاصرت الحضارة الإسلامية لعدّة قرون حيث بدأت أوروبا تعيش موجة من الأفكار والنظريات التي تعترف بحرية الإنسان وإرادته كنتيجة طبيعية لتأثير الموجة الإسلامية العالمية، على أنّه من الطبيعي أن لا يكون التأثير الإسلامي كاملاً بسبب روح المقاومة التي أبداها الغرب في القرون الوسطى تجاه الإسلام إضافة إلى موقف الكنيسة وأجهزتها، وحكّام الأقاليم الأوروبية من الموجة الحضارية الإسلامية..!!

الهوامش

[1]- خطبة الرسول (ص) في غدير خم. راجع تحف العقول لابن شعبة الحراني، ط5، ص30.

[2]- نهج البلاغة، من كتابه (ع) إلى مالك الأشتر (رض)، رقم 53، ص427.

[3]- سنن النبي، المرحوم السيد محمد حسين الطباطبائي، ص89.

[4]- بحار الأنوار، الشيخ المجلسي (رض)، ج16، ص222.

[5]- أخلاق النبي وآدابه، للأصفهاني، ص35.

[6]- نهج البلاغة، تبويب د. صبحي الصالح، رقم النص 224، ص47 و346.

[7]- مناقب آل أبي طالب، ابن شهرآشوب المازندراني، ج1، ص378.

[8]- نهج البلاغة، رقم النص 216، ص335.

[9]- نهج البلاغة، رقم النص 25. لا تخدج بالتحية أي لا تبخل بها عليهم، ص380.

[10]- نهج البلاغة، من عهد الإمام إلى مالك الأشتر (رض)، رقم النص 53، ص444.

[11]- يراجع كشف الغمّة في معرفة الأئمة، أبوالفتح الأربلي، ومناقب آل أبي طالب، ابن شهرآشوب، ومجلدات السيرة المطهرة من بحار الأنوار، للشيخ المجلسي (رض).

 
 

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 1611
 قيّم هذة المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة

الاکثر قراءة
 موقف الفكر العربي المعاصر من الحضارة الغربية بين السلب والإيجاب
 آداب الاستئذان في الإسلام
 أدب المعاملة في ضوء القرآن الكريم
 الإسلام والبيئة
 مفهوم السياسة في الإسلام والقرآن
 حوار الحضارات
 شخصية النبي (ص) التربوية
 الإسلام والتعايش
 فنون عصر النهضة
 حقوق الإنسان.. رؤية مقارنة بين الإسلام والغرب
 
الاکثر تعلیقا