الصفحة الرئيسية » سيرة وتاريخ
اللغة العربية أطول عمراً من جميع اللغات

2013/08/14 | الکاتب : د. عمر فروخ


 ◄الأصل في اللغة أن تكون وسيلة للتخاطب: أداة لنقل القصود والآراء من إنسان إلى إنسان. كذلك كان عمل اللغة حينما بدأ الإنسان يتكلم.
ثمّ تشعّبت حياة الإنسان على الأرض ونشأت العلوم وتعارفت الشعوب، وبدأ بعض الشعوب يأخذ عن بعضها الآخر أطرافاً من طرق معيشتها ومناحي تفكيرها. فأصبحت اللغة (كل لغة) خزانة للمعارف التي وصلت إليها كل أمة. بذلك أصبحت اللغة حاملة للثقافة الإنسانية إلى جانب أنها أداة للتفاهم.
ويبدو أنّ أثر اللغة العربية في تطوّر الحضارة العربية (والثقافة العربية) كان أكبر وأعمق أثراً في ذلك من جميع اللغات، ذلك لأنّ اللغة العربية أطول جميع اللغات عمرا. فليس في العالم اليوم لغة قديمة قدم اللغة العربية. لا أنكر في أنّ اليهود يتكلّمون اللغة العبرية وفي أن اليونان يتكلّمون اللغة اليونانية. ولكن اللغة العبرية اليوم ليست لغة التوراة ولغة ما قبل التوراة (اللغة المعربة). وكذلك ليست لغة اليونانيّين اليوم لغة الإلياذة ولا لغة أفلاطون وأرسطو. أما لغتنا العربية فإنها لا تزال اللغة التي نزل بها القرآن الكريم والتي نظم بها الشعر الجاهلي من قبل.
وفي القرن الثاني للهجرة (الثامن للميلاد) منذ ألف وسبعمائة عام بدأ العرب نقل كتب العلم من اللغة اليونانية خاصة ومن اللغة الهندية، وكانت تلك الكتب في الرياضيات والطب والنبات والحيوان وفي الفلسفة. ومع ذلك فقد استقلّت اللغة العربية بالتعبير الواضح الوافي عن جميع تلك العلوم. ثمّ مرّ ببضعة قرون (في العصور الوسطى) كانت اللغة العربية لغة العلم في العالم المعروف يومذاك كله. وكان كتاب القانون (في الطب) لابن سينا يطبع في أوروبّة باللغة العربية ويدرّس في أوروبة باللغة العربية.
ولا يزال في اللغات الأجنبية إلى اليوم أربعمائة كلمة في الفلك فقط مأخوذة من اللغة العربية. فاللغة التي فاقت اللغات القديمة في التعبير عن المعارف الإنسانية في الزمن القديم قادرة بلا ريب على التعبير عن هذه العلوم في الزمن الحاضر.
ولقد كان المدار في التعبير عن العلوم – في جميع اللغات – على "المصطلحات" (الألفاظ الفنية المخصوصة بالمدارك العلمية). وكانت كل أمة تأخذ ذلك التعبير من اللغة التي تنقل عنها العلم أو تضع المصطلح لذلك من لغتها هي. فالانكليز لا يزالون يقولون إلى اليوم "الجبرا"، ويقول الفرنسيون "ألجبر" (وتلك كلمة عربية). ومع ذلك فإنّ العرب استطاعوا أن يضعوا المصطلحات العلمية من لغتهم ما عدا عدداً يسيرا عرّبوه (أي أجروه – بفتح الراء – مجرى الكلمات العربية).. ولا أظن أن كثيرين منا يدركون أن كلمة "هندسة ومهندس"، مثلا قد جاءت من اللغة الفارسية "اندازه" (بمعنى القياس).
وفي اللغات وجوه: الألفاظ – التراكيب – البلاغة – الأسلوب. وكل لغة يعبّر أهلها عمّا يشعرون به أو يحتاجون إليه من أحوال عصرهم. أنّ وسيلة النقل عندنا اليوم هي السيارة والطائرة، بينما في الجاهلية كان الحصان والجمل من وسائل النقل. فمن المنتظر أن تكون الألفاظ المتعلقة بالجمل عندنا اليوم غريبة عن الاستعمال العصري. هذا يفسّر غرابة الألفاظ.
أما التراكيب فتتبع الحياة الاجتماعية. كان العربي القديم يقول: نفقت السوق (أي راجت التجارة)، ونحن نقول اليوم: "نفقت البضاعة". وفي كل لغة مثل ذلك، ويجب أن يكون فيها مثل ذلك. نحن نقول اليوم ركبت الطائرة أو ركبت في الطائرة، ولا نقصد أننا نركب الطائرة كما نركب الجمل أو نركب في الطائرة بأن نأتي بجمل (أو بحمار) نركبه ثمّ ندخل به إلى الطائرة.
أما المتانة فمعناها في اللغة أن يكون التركيب صحيحاً من حيث النحو. والمتانة تعتمد العلم، فالذين يجيدون المعارف يعبّرون عنها تعبيراً موجزاً واضحاً، والذين يجهلون الأمور لا يستطيعون أن يعبّروا عنها كذلك، بل يطيلون في التعبير ويدورون حول المعاني.
 
كما انّ اللغات التي انتقلت من فصحاها إلى عامّيتها كانتقال اللاتينية إلى الفرنسية والإيطالية والإسبانية، حدث فيها ذلك بعد عهد طويل من جهل الناس (في إيطالية مثلا) أو بعد أن نزلت اللغة اللاتينية في قطر لا يتكلم تلك اللغة (كما حدث في فرنسة واسبانية مثلا). واللغة العربية لم تمرّ في مثل هذا الدور. واللغة العربية أصبحت لغة فصحى في بلاد غير عربية (غير شبه جزيرة العرب) وحلّت محلّ اللغات الوطنية في عدد من البلدان وفي عدد من الأقوام. وكان الموارنة في لبنان (إلى القرن السابع عشر للميلاد) يتكلمون اللغة السريانية (الارامية الغربية) كما كان أهل العراق والشام يتكلّمون اللغة الارامية، وكما كان أهل المغرب يتكلمون اللغات البربرية).
ومن الجهل بتاريخ اللغات أن نقيس اللهجات العامية لأنّ القضاء على اللغة الفصحى هو السبيل إلى تفريق جهود العرب. أما اليوم فأنا أعتقد مع الكثيرين انّ الاستعمار استطاع أن يفرّق بين الشعوب العربية وأن يجعل بعضها يقاتل بعضا. فلم يبق للاستعمار حاجة بانفاق جهد أكبر في سبيل واسطة قد حقق الغاية منها. ومع ذلك فإنّ الخطر اليوم على اللغة العربية من نفر من أبنائها العاقين... هذا موضع لا تتسع له هذه المقالة.
أما التعددية الثقافية واللغوي فهي موجودة في جميع الأرض: في شمالي إيطالية يتكلّمون الألمانية. وثقافة أهل لومباردية (في شمالي إيطالية) غير ثقافة أهل صقلية (في جنوبي إيطالية). وفي بريطانية دينان (والكاثوليك يسلمون الكاثوليكية دينا لا مذهباً مسيحياً) وعدد من اللغات. وفي الهند أربعمائة لغة وعشرين دينا. وفي بلجيكا دينان ولغتان، وفي سويسرة دينان وثلاث ثقافات وعشر لغات (أو قريبا من ذلك). والذين يستشهدون بسويسرة لتطبيق ما في سويسرة على لبنان، قليلوا العلم بسويسرة وبلبنان أيضاً.
إنّ تفصيل ما قلته هنا يحتاج إلى بحث طويل ويقتضي الخوض في أسباب لا ينفع الناس تفصيلها.
المصدر: مجلة الموقف/ العدد الرابع لسنة 1983م

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 1971
 قيّم هذة المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 الترجمة.. بين المثاقفة والعولمة
 رسالة الحرف في كتاب الله
 مهنة المدقق اللغوي.. تستغيث
 التفاعل اللغوي والقص الحديث
 لغةٌ عربيّةٌ ولغةٌ جديدةٌ معاً
 اللغة العربية ونظرية التأصيل القرآني
 اللغة ودورها في التفسير
 اللغة العربية وعلوم العصر
 اللغة العربية أطول عمراً من جميع اللغات
 اللغة العربية وتحدِّيات العصر الإلكتروني

الاکثر قراءة
 موقف الفكر العربي المعاصر من الحضارة الغربية بين السلب والإيجاب
 آداب الاستئذان في الإسلام
 أدب المعاملة في ضوء القرآن الكريم
 الإسلام والبيئة
 مفهوم السياسة في الإسلام والقرآن
 حوار الحضارات
 شخصية النبي (ص) التربوية
 الإسلام والتعايش
 حقوق الإنسان.. رؤية مقارنة بين الإسلام والغرب
 فنون عصر النهضة
 
الاکثر تعلیقا