الصفحة الرئيسية » فلسفة وعلم الكلام
المشاهدات العينية اكتساب لإدراكات غير حقيقية

2013/09/24 | الکاتب : د. بهشتي


الذهن، والعين، ومواضيع المعرفة ومجالاتها، وأنواع المعرفة يطيل الشرح عنها. لكن الآن سنتطرق إلى الموضوع الرئيسي والمتمثل بكيفية تأكدنا من صحة معرفتنا وواقعيتها.
فإنّ المشاهدة، تعتبر نوعاً من أنواع المعرفة وسبيلاً من سبلها. ومع أنها تطلق على الرؤية فقط، لكننا نجعلها تشمل؛
اللمس والشم والتذوق أيضاً، ونسمي جميع هذه الأمور بـ"المشاهدات".
وقبل كل شيء نتناول مسألة الخطأ في الحواس.
انّنا نضع بالمشاهدة جملة من الأشياء في معرض ادراكنا. وانّ هذا الإدراك، أي الاستنتاج الذهني والمعرفة التي نكسبها حول تلك الأشياء، يرافقه بعض الأخطاء. على سبيل المثال عندما تنظرون إلى السماء تجدون النجوم بهيئة نقاط صغيرة مضيئة، وتتصورون بأنّ النجوم هي صغيرة في الأصل، في حين انّ المسافة البعيدة هي التي تجعلكم ترون النجوم بأحجام صغيرة، إذ أنّ أحجامها ستبدو كبيرة إذا ما اقتربت منّا إلى درجة انّه يمكن أن تكون نقطة مضيئة في السماء أكبر بملايين المرات من مساحة الكرة الأرضية
لذلك فإنّ رؤية الأشياء من بعيد بأحجام صغيرة، تدخل ضمن الأخطاء التي تكمن في الإدراكات (المعرفة) التي نكتسبها عن طريق المشاهدة.
وإليكم مثال آخر؛ انكم لو أدخلتم خشبة مستقيمة في الماء فإنها ستبدو مكسورة. فعندما يخترق نظركم الماء ويقع على تلك الخشبة، تلاحظون انّ الخشبة مكسورة. في حين انّ الخشبة هي مستقيمة – في الواقع – وغير مكسورة. وهذه الظاهرة التي تسمى بظاهرة الإنكسار تحصل على انكسار الأشعة في الماء. لذلك تبدو الصورة المتكونة من هذه الأشعة، مكسورة لكم.
وكذلك الحال بالنسبة للمشعل، فعندما يدار إلى مختلف الجهات فإنّه يبدو لنا بشكل حلقة نارية. فإذا كُنّا لا نعلم أنّ مشعلاً يُدارُ، فإننا نتصور أنّ حلقة نارية تتواجد في الفضاء. بينما الحقيقة هي عكس ذلك، حيث تخبرنا أنظارنا بوجود حلقة نارية في الفضاء.
وهناك – مثلاً – ظاهرة السراب؛ فعندما تعبرون من الطرق الخارجية أو من الصحارى ويكون بعض الأماكن منها متعرجاً ويسطع عليه النور فانكم تتصورون بوجود ماء فيه. وكلما تقدمتم إلى الأمام، فلا تلاحظون قطرة ماء، لأنّ ما ترونه ليس إلا سراباً. أي أنّ نوراً يسطع على سطح الشارع بالضبط كما ينعكس النور من على سطح الماء.
أما السماء التي تبدو بنظرنا كتلة زرقاء تكون شفافة في النهار وغامقة في الليل ونعتبرها سقفاً للسماء فإنها – في الحقيقة – ليست سقفاً، بل عبارة عن ذلك الفضاء، أي ذلك المقدار من الهواء والغاز المحيط بالأرض. ولذلك فإنّ هذه النماذج والنماذج الأخرى التي نشاهدها، لا تمنحنا إدراكات صحيحة على الدوام.
إذن ماذا نفعل؟ وما الوسيلة التي نستخدمها لنتأكد من صحة الإدراكات التي تمنحها لنا مشاهداتنا؟
بديهي انّ جميع تلك الأمثلة كانت تختص بالرؤية، لكنها تنطبق على سائر أنواع المشاهدات الأخرى. مثلاً عندما نغسل أسناننا بالمعجون ثمّ نتناول شيئاً، فإننا نشعر بمرارة ذلك الشيء في حين إذا تناولنا الشيء نفسه قبل غسل أسناننا بالمعجون لشعرنا بحلاوته ولذته.
إذن، فإنّ وجود بقايا المعجون بين أسناننا، يجعلنا نحِسُّ بمرارة شيء هو حلو في الواقع.
فماذا نفعل لكي لا تمنحنا هذه المشاهدة – التي تعتبر من أفضل الأساليب لاكتساب الإدراكات – ادراكات خاطئة؟ (وبالطبع انّ عبارة "الإدراك الخاطئ" لا معنى له، إذ انّ الإدراك لا يستطيع أن يكون خطأ لكننا نستعمل هذه العبارة بصورة مجازية). وهذه هي أوّل مسألة هامة في أسلوب المعرفة.
ولكي يتضح لنا الموضوع فإننا نقوم في الوهلة الأولى بدراسة هذا المثال والأمثلة الأخرى لنعي حقيقة الموضوع وأين يكمن الخطأ؟ هل في عمل حاسة البصر؟ أم في مكان آخر؟
فعندما ندير شعلة من النار ونرى حلقة نارية في الفضاء، فأين يكمن الخطأ؟ هل حصل خطأ على أثر تكون حلقة نارية في أعيننا وشبكياتنا؟ أم انّ الخطأ موجود في مكان آخر؟
والحقيقة، هي انّ أعيينا لم ترتكب الخطأ، فحاسة البصر لم ترتكب خطأ عند رؤيتها للحلقة النارية. حيث انّ حلقة نارية كانت – حقاً – موجودة في الفضاء إلا انّ هذه الحلقة تستطيع أن تتكون من خلال تدوير الشعلة النارية تدويراً سريعاً في الفضاء (أي انها تأتي نتيجة للحركة). كما وأنها تستطيع أن تتكون نتيجة لوجود حلقة نارية ثابتة.
فلو زودنا الحرارة لحلقة حديدية بواسطة التيار الكهربائي لأصبحت الحلقة حمراء ولشاهدنا حلقة نارية حمراء اللون. ولو أدِرنا الشعلة النارية بسرعة لتكونت حلقة نارية حمراء اللون. والفارق هو انّ الحلقة الأولى ثابتة بينما الثانية تنشأ نتيجةً للحركة، وإلا فإنّ الحلقتين متساويتان من حيث تكوين حلقة نارية في الفضاء.
لذلك فإنّ الخطأ الذي نمتلكه لا يكمن في مشاهداتنا ورؤيتنا، بل هو حصيلة التفسير الخاطئ للحس ولا يكمن في الحس نفسه. بعبارة أدق اننا اعتبرنا الحلقة النارية الناشئة من الحركة السريعة للمشعل، حلقة ثابتة. ولهذا فإنّ الخطأ يكمن في تفسيرنا وليس في حِسِّنا.
ففي مثال السراب، أي عندما ننظر من بعيد فإنّ ما يبدو للنظر هو انعكاس للنور من على سطح مضيء. سطح مضيء يجسم اللون الأزرق في أعيننا. ومما لاشكّ فيه أنّ نوراً كان يوجد هناك وكان له انعكاس، وكان يجسد لنا من بعيد لوناً أزرقَ.
وكل هذه الأشياء واقع. أما الشيء الخطأ فهو أنّ ذهن الإنسان العطشان يعتبر ذلك النور ماءً.
إنّ انعكاس النور، والسطح العاكس للنور، واللون الأزرق للسماء... كل هذه الأشياء كان لها واقع، وإنّ الشيء الذي لم يكن له واقع هو انّ هذه الأشياء كانت قادرة على أنْ تحصل من الماء أو من الرمال أيضاً، واننا اعتبرنا ذلك الشيء ماءً وذلك لعادةً فينا أو لرغبتنا في الماء.
إذن أين يكمن الخطأ؟
الجواب: الخطأ يكمن في تفسير تلك الصورة الحسية، إذ انّه لا يوجد أي خطأ في الصورة الحسية نفسها.
على سبيل المثال: عندما تتواجد نقطة مضيئة في الفضاء ونشاهدها بأنفسنا فإننا لم نخطأ، لأننا نرى نقطة مضيئة. وبما انها بعيدة فإننا نتصورها صغيرة! لكن إذا حصلنا على معلومات أكبر فإننا سنفهم بأنّ هذه النقطة المضيئة هي أكبر من مساحة الكرة الأرضية. وفي الحقيقة اننا لم نكن خاطئين عندما نرى النجوم من بعيد بأحجام صغيرة أي بهيئة نقاط مضيئة.
وإذا تناولنا شيئاً حلواً ولذيذاً فور غسلنا لأسناننا بالمعجون فإننا نشعر بمرارة ذلك الشيء. وهذا واقع بحد ذاته. إذ ان تركيباً كيمياوياً مُرَّاً يحصل من خلال تفاعل بقايا المعجون بين الأسنان مع المواد الحلوة المذاق. في حين أننا في تلك الحالة نعتقد بأنّ السبب يكمن في الطعام لكونه مُراً.
لكن المسألة هي شيء آخر، حيث انّ مادة مُرَّة قد نتجت عن تفاعل بقايا المعجون مع عنصر من العناصر المكونة لذلك الطعام، وهي مُرّة في الواقع. في حين اننا تصوَّرنا بأنّ الطعام مُرٌّ.
ولذك فإنّ الخطأ لا يكمن في الحس، بل في تفسيرنا لما حصلنا عليه قياساً بالواقع العيني. فعندما ندخل خشبة مستقيمة في الماء فإنّ أشعة النور التي يكون انعكاسها أشبه بالأشعة المنكسرة وتبدو لنا منكسرة فإنها – في الحقيقة – منكسرة.
والحقيقة هي انّ هذه النقاط المكونة لشعاع منكسر توجد في تلك النقطة من الفضاء التي ينعكس النور فيها. في حين اننا تصورنا بأنّ الخشبة هي المكسورة. فالخشبة ليست مكسورة، حيث انّ أشعة النور المنعكسة من الخشبة هي التي تقوم بأحداث خط منكسر في الفضاء.
إذن فإنّ ما يحصل عليه الحس في جميع هذه الحالات يعتبر واقعاً وليس خطأ، فالخطأ يتمثل بتفسيرنا الخاطئ للصورة التي نشاهدها.
وإذا فهمنا أين يكمن الخطأ، فسنكون قادرين على اكتشاف السُبل الرامية إلى الحيلولة دون وقوع الأخطاء. ولو كنا نتصور بأنّ الخطأ يكمن في الحسِّ لكنا ندقق أكثر لئلا نكون على خطأ في مشاهدتنا للأشياء. لكن إذا دققنا بشكل أكبر وقمنا بتنظيف أعيننا فإننا نرى الخشبة مكسورة. وهكذا نرى السراب ماءً لكنه في الواقع ليس إلا انعكاساً للنور.
ولذلك فإنّ النقص لا يكمن في العيون لكي نعالجها بل في أذهاننا التي تفسر هذه الحالات بشكل صحيح وتخطأ فيه.
وعلى هذا يجب اصلاح الذهن قبل أي شيء آخر.
وإليكم مثال آخر حول اليرقان؛
لنفرض انّ إنساناً ما مصاب بمرض اليرقان. واليرقان يشبه بقايا المعجون بين الأسنان، أي انّ الشخص المصاب باليرقان لن يرى هذه اللوحة بلون أخضر، إذ انّه يرى لوناً أصفر. لكن ما السبب؟
الجواب: انّ أشعة صفراء تظهر أمام عين الشخص المريض نتيجةً لليرقان، حيث انّ الأشعة التي تصطدم بذلك الشيء الأصفر اللون المحيط بالعين تعطي لشبكيته ما تحسُّ به عين سالمة عند رؤيتها لشيء أصغر اللون.
وهذا الأمر يحدث نتيجة لعبور الأشعة من ذلك الشيء الأصفر اللون المتواجد حول العين. وهنا فإنّ النقص يكمن في تفسير الحس، أي انّ الشخص المريض يعتبر الأشعة نابغة من سطح اللوحة في حين انّ هذه الأشعة لم تعبر بشكل نقي بل عبرت من جسم أصفر اللون. وبذلك يتضج لدينا مرة أخرى انّ حاسة البصر لم ترتكب أي خطأ.
ولمعالجة هذه الأخطاء نستعين في بعض الأحيان بحاسة أخرى.
يقول القرآن ما معناه؛ انّ ملكة سبأ المعروفة ببلقيس عندما جاءت للقاء سليمان (ع) فإنهم أشاروا إلى قصر زجاجي لتدخله. وكان زجاج القصر من النوع الشفاف بحيث انّ الملكة عندما أرادت أن تدخله تصوّرت انّه ماء وانّ عليها أن تعبر من الماء اعتقاداً منها بأنّ هذا الأمر يدخل ضمن رسوم الشخصيات بحيث يجب على الإنسان أن يعبر من الماء أوّلاً! ولذلك لملمت أطراف ثوبها لكي لا تبتل بالماء! لكنها أحسَّت بأنها ارتكبت خطأ، إذ لم يكن هناك ماء.
إنّ عينها رأت سطحاً أشبه بسطح الماء فاعتبر ذهنها ذلك السطح ماء، لكن رجلها (حاسة اللمس) أخبرتها بأنها لم تشاهد ماء وعلى الفور قام ذهنها بتغيير استنتاجه بعد أن تأكدت انّ الذي رأته بصورة ماء كان – في الواقع – زجاجاً.
وعلى هذا الأساس يمكن من خلال الاستعانة بحاسة أخرى اصلاح الخطأ الذي قد يرتكبه الذهن. ففي ما يتعلق بالمثال الذي ضربناه حول الخشبة نقول اننا لو أدخلنا أيدينا في الماء ولمسنا الخشبة لرأيناها مستقيمة غير مكسورة.
لكن هل انّ الخطأ يكمن في الحس أو في التفسير؟
لنقم في الوهلة الأولى بإصلاح ذلك الخطأ. إنّ الخطأ لم يكن في الحسِّ ويجب علينا عدم استخدام عبارة "أخطاء الحواس" بعد اليوم لأنّ الخطأ يكمن في تفسيرنا لما حصلنا عليه بواسطة الحواس.
وعلى هذا الأساس يمكن إصلاح أخطاء الذهن في الإدراكات المكتسبة عن طريق المشاهدة. واننا لا نستطيع من خلال الاستعانة بالمشاهدة نفسها من جهة وعمل الذهن من جهة أخرى أن نحصل على إدراك حسي قطعي وواضح. ولذلك نقول اننا لا نستطيع أن نتأكد من صحة إدراك مكتسب عن طريق حاسة ما إلا بمعونة إدراك آخر ناتج عن حاسة أخرى. ونستطيع حينذاك أن نحصل على إدراك حسّي ونظري قابل للثقة.
إذن ففي الحالات التي يكون فيها إدراك حسي غير قابل للتقييم والاختبار بواسطة حاسة أخرى، فلا يمكن – آنذاك – الحصول على مشاهدة قابلة للثقة.
بعبارة أخرى انّ الأشخاص الذين يؤكدون على أخطاء الحواس ويريدون أن يزرعوا الشك في نفوس الناس ابتداءً من هذه النقطة، ويدَّعون انّ الإنسان لا يصل إلى اليقين حتى عن طريق الحس، فإنّهم يصرحون قائلين؛ اننا لو استطعنا أن نستعين بحس آخر لمساعدة حاسة أخرى فإننا سنحصل – بلا شكّ – على إدراك صحيح وواضح وقطعي، وإلا فإننا سنواجه العكس.
والآن يتحتم علينا أن نتحدى تلك الفئة بهذا الأسلوب. وقبل كل شيء نسأل: ما هو لون اللوحة الموجودة أمامكم؟
الجواب: أخضر.
يمكن أن تكونوا خاطئين في تصوركم. لذا افتحوا أعينكم جيِّداً واختبروا أذهانكم بدقة وتأكدوا من لون اللوحة. تقدموا إلى الأمام، انظروا من بعيد، فَسَترون اللوحة بلون أخضر. ابذلوا جميع المساعي للتأكد من لون اللوحة. وبديهي انّ جميع هذه المساعي لا تملك إلا طريقاً واحداً وهو استخدام العين.
هل تستطيعون أن تستخدموا حاسة أخرى لتتعرفوا على لون اللوحة؟ وهل توجد – حقاً – حاسة أخرى لتساعد كم في هذا المجال.
والآن أسألكم:
هل انّ اليقين الذي حصلت عليه ملكة سبأ هو أكبر من يقين منهاجكم في التعرف على لون اللوحة؟
بالنسبة لي انّ اليقين من أنّ لون اللوحة الموجودة أمامي هو أخضر، لايتباين مطلقاً مع اليقين الذي أحصل عليه من خلال إدخال يدي في الماء لمعرفة استقامة الخشبة أو اليقين الذي حصلت عليه الملكة بعد أن تأكدت بواسطة رجلها من عدم وجود ماء هناك.
إنّ ملكة سبأ قد أزالت خطأ تفسيرها بواسطة إدراك حسي آخر. أي ذلك الإدراك الذي أخبرها بعدم وجود الماء (ولم يكن ذلك الإدراك الحسي سوى الرجل)، إذ انّ العين كانت قد اخبرتها بوجود الماء. فهل انّ الشيء الذي منحها اليقين كان متكوناً من حسَّين أم من حسٍّ واحد؟ أيهما؟
الجواب: كان يتكون من حسٍّ واحدٍ. إذ انّ ملكة سبأ اتخذت حاسة اللمس ملاكاً لا ثبات بطلان الإدراك الحسي الذي حصلت عليه بواسطة العين. وكذلك الحال بالنسبة للخشبة الموجودة داخل الماء فبواسطة حاسة اللمس نتعرف على استقامة الخشبة ونثبت بطلان تفسير العين لوضع الخشبة.
وعلى هذا الأساس فإنّ الفئة المذكورة هي على خطأ، لأنّه يمكن التأكد من ماهية الأشياء بواسط حسٍّ واحدٍ في الحالات التي تسمى بتركيب حِسَّين.
والحقيقة هي انّ الإنسان يخطأ في تفسيره للإدراكات المكتسبة بواسطة الحس والمشاهدة، ويجب اكتشاف سبيل تجنب الوقوع في الأخطاء. وانّ الذين يتصورون انه يمكن من خلال تركيب الإدراكات الحسية الحد من أخطاء الذهن في تفسيره للصور الحسية، فهم خاطئون.
ونحن نقول؛ انّ الإنسان يستطيع بواسطة المشاهدة العينية أن يحصل على إدراكات قطعية وبيِّنة من عالم العين. وانّه في بعض الأحيان – وليس على الدوام – يخطأ في تفسيره لهذه الإدراكات.
ولذا يلزم على الإنسان اكتشاف السبل الرامية إلى الحد من الأخطاء التي يرتكبها ذهنه عند تفسيره للصورة التي يحصل عليها بواسطة الحواس. بعبارة أخرى انّ الإنسان يحصل – بلا شكّ – على ادراكات صحيحة بواسطة المشاهدات العينية والحسية. لكن الذهن يخطأ في بعض الأحيان عند تفسيره لهذه الصور الذهنية المكتسبة عن طريق المشاهدة الحسية. ولذلك يلزم اكتشاف الوسيلة المناسبة للحد من الخطأ في التفسير الحسي. وإذا كان هناك من يقول؛ انّ السبيل الوحيد لاكتشاف الخطأ في الحواس يتمثل بالاستعانة بحاسة أخرى أو حاستين أخريين فإنّ كلامه هذا يبقى ناقصاً. لأنّ اكتشافنا لخطأ حاسة بواسطة حاسة أخرى لا يعني سوى الاتكاء على الحاسة الثانية. وأكبر دليل على ذلك هو المثال المضروب حول الخشبة الموجودة في الماء أو قضية ملكة سبأ. ولنرجع الآن إلى اللوحة الموجودة أمامنا.
إنّ الشخص الذي يدرس الفيزياء يفهم عدم وجود لون أخضر مطلقاً. إذ انّ اللون الأخضر عبارة عن حدٍ معينٍ من أشعة النور، بحيث لو ارتفعت هذه الأشعة أو انخفضت فإنّ اللون سيتغير.
والحقيقة انّ اللون ليس له واقع. وانّ الشيء الذي له واقع هو عبارة عن مقدار أشعة النور التي تشع على السطح. فعندما ترتفع الأشعة وتنخفض فإننا نحصل على اللون الأخضر والأحمر و... بقية الألوان الأخرى.
فإلى أي مدى يقوم هذا الكلام بتغيير الموضوع؟
الجواب: لا يغير من الموضوع شيئاً.
إننا لو درسنا الفيزياء لفهمنا بأنّ الألوان هي كيفيات ناتجة عن الكميات وانّ هذه الكيفيات ليست أصلاً، وتشكل الكمية العددية لأشعة النور، منشأ رؤيتنا للون الأحمر والأصفر والأزرق والأبيض والأسود و... إلخ.
وكذلك الحال بالنسبة للون الأخضر. فهل هذا يغير من الموضوع شيئاً؟
إننا مهما فعلنا فإنّ لون اللوحة سيبقى أخضر وليس لوناً آخر. وكل ما في الأمر هو أنَّ أذهاننا كانت ترى كيفية اللون الأخضر، كيفية متجسمة على سطح اللوحة (هكذا كان تفسيرها). لكننا نقول الآن انّ القضية ترجع إلى كيفية ناشئة عن تداخل عدد معين من أشعة النور مع حاسة البصر.
حسناً، لكن الموضوع لم يتغير.
وإذا قيل؛ انّ هذه اللوحة لا تحتوي على مقدار معيّن من أشعة النور التي تعكس اللون الأزرق مثلاً فإننا لا نشك في هذا القول. فالعبارة تغيرت لكن الموضوع واحد، واللوحة خضراء اللون.
هل اننا طلبنا من الصَّبَّاغ أن يستعمل اللون الأسود لتلوين اللوحة أم اللون الأخضر؟
الجواب: اللون الأخضر.
نحن لا نشك في هذا الجواب.
ونحن لا نشك باستخدام الصَّباغ للون الأخضر لتلوين هذه اللوحة.
إنّ هذه التحقيقات والدراسات والمطالعات الممتعة والمهمة حقاً أن لا تجرنا من مبادئ اليقين إلى عالم الشك. فالمبادئ اليقينية باقية حالهان حيث اننا فهمنا انّه يمكن بواسطة الحواس (حتى في الحالات التي لا يمكن فيها أن نستخدم حاسة أخرى لتقييم الإدراكات المكتسبة بواسطة حاسة ما) اكتساب ادراكات واضحة وقطعية.
 
النتيجة:
إنّ البحوث الفيزياوية الخاصة باللون وحدوده وأصالته وعلاقة الكمية بالكيفية، لا تستطيع أن تؤثر على النتيجة التي حصلنا عليها في بحثنا.
وعلى أية حال، فإننا توصلنا إلى النتيجة التالية وهي اننا نستطيع بالمشاهدات العينية أن نكتسب إدراكات غير حقيقية وواضحة وقابلة للثقة سواء في حالة الاستعانة بحاسة أخرى لا ثبات صحة أو بطلان الإدراكات الحسية لحاسة ما أو في حالة عدم توفر مثل هذه الإمكانية.
مثال: اننا نرى اللوحة بلون أخضر، ولا نشك في هذه المسألة مطلقاً، أي لا نشك في استخدام اللون الأخضر لتلوين اللوحة.
فهل هناك من يشك – بعد كل هذه التحقيات – في الإدراكات القطعية، والواضحة لجزء من المشاهدة؟
وهذه هي النتيجة الأولى لموضوع بحث الأساليب. واننا سنصل بعونه تعالى إلى مرحلة يجب أن تستند فيها أساليبنا على هذه الأنواع من اليقين. ولو استطاع أصحاب النفوس المريضة سلب هذه الأشياء منّا، فلن نعرف ماذا سيكون مصيرنا.
وحينذاك لن يستطيع المنطق الارسطوي أو المنطق الديناميكي، ولا المنطق العلمي والرياضي والتجريبي أو الاستاتيكي والصوري والمادي أن تعالج مشكلتنا. إذ انّه يلزم علينا في الوهلة الأولى أن نبين هذه المسائل.
إذن يجب علينا قبل خوض تلك البحوث أن نطرح أصل البحث ونواصل بحثنا فيه. وإذا كنتم تشعرون اننا تقدمنا إلى الأمام واكتسبنا إدراكات صحيحة فإنكم تستطيعون منذ هذه اللحظة أن تتنبأوا بوصولنا إلى نتائج قطعية في ختام بحثنا.
 
المصدر: مجلة التوحيد/ العدد الرابع لسنة 1403هـ

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 1990
 قيّم هذة المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 ضرورة التوعية الإسلامية
 الوعي الممكن والوعي المقبول
 المشاهدات العينية اكتساب لإدراكات غير حقيقية
 اللغة أساس الوعي
 الـوعـي.. الفكرة الكبرى

الاکثر قراءة
 موقف الفكر العربي المعاصر من الحضارة الغربية بين السلب والإيجاب
 آداب الاستئذان في الإسلام
 أدب المعاملة في ضوء القرآن الكريم
 الإسلام والبيئة
 مفهوم السياسة في الإسلام والقرآن
 حوار الحضارات
 شخصية النبي (ص) التربوية
 الإسلام والتعايش
 حقوق الإنسان.. رؤية مقارنة بين الإسلام والغرب
 فنون عصر النهضة
 
الاکثر تعلیقا