الصفحة الرئيسية » الاسلام والغرب
الاختلاف والتواصل.. ثقافياً

2013/12/15 | الکاتب : د. تهامي العبدولي *


إثر المعاهدة التي أبرمت بين حكومة الولايات المتحدة والهنود الحمر كتب الزعيم الهندي سياتل Seattle إلى الأمريكيين إنّنا على يقين أنّ الرجل الأبيض لا يفهم منطقنا هذا.. وأرضنا بالنسبة إليه تشبه أيّة أرض أخرى.. وما كان ذلك ليكون سوى لأنّه غريب عن أرض تسلل إليها ليلاً واستحوذ عليها، وصادر كلّ نفيس فيها. بالنسبة إليه ليست الأرض أمّاً، فحين اغتصبها، اغتصبها اغتصاب العدو، وواصل مسيره غير عابئ بهيكل والديه معرضاً عن حقِّ بنيه في ذكرى الأرض. سيادة القائد الأبيض، إنّ منظر مدائنكم يكدر صفو بصر الهندي..
ولا يوجد مكان آمن في مدنكم.. لا يوجد مكان واحد نستمتع فيه بسماع حفيف أوراق أشجار الربيع وأجنحة الطير.. في سياق حنيفي ذاتي ذاتي، يذكرني بما لنا وما علينا وباستعادة خطاب تقادم عهده يعبَق من أوّله إلى آخره بريح الاختلاف، حق الاختلاف، طيب الاختلاف وغيث الاختلاف، أتناول وضوع الاختلاف في الثقافة وأقترح عليكم النظر في ثلاثة مستويات:
-        مفهوم الاختلاف ووظيفته الثقافية التواصلية.
-        الاختلاف صيغة بين – ثقافية والإيلاف صيغة داخل ثقافية.
-        العولمة بوصفها ظاهرة تعطل الاختلاف الثقافي في السياق خارج ثقافي والحداثة بوصفها صيغة قامت بالاختلاف وهي تؤمنه.
وأنبه إلى أنّ معالجتي للمسألة هي معالجة من وجهة نظر الأنتربولوجية الثقافية لا تهمّ الحدث الثقافي في ذاته بل تتصل بالثقافة من حيث هي إنتاج إنسانيّ يدلّ عليه ويتعالى عليه أحياناً، ونحتاج في فهم اشتغالها إلى كثير من التجريد المعرفي القصيّ.
 
1- مفهوم الاختلاف ووظيفته:
أ‌-      في المفهوم:
لتبيّن مفهوم الاختلاف ثقافياً يحسن أن نستبعد دلالة الاختلاف على الخلاف، ذلك أنّ الأول هو الحدّ المانع مع حدوث الثاني. فمن حيث العلاقة المنطقية لا يمكن أن تكون سببية علّيّة بينهما لأنّهما حدثان لا يتولدان ضرورة من بعضهما البعض، ولكن من حيث السياق الاجتماعي والإيديولوجي يمكن أن يتمّ توظيف الاختلاف في توليد الخلاف، خاصة حين يحدث انحراف معيّن. فالعلاقة إذن غير ضرورية من جهة الأصل ممكنة في التوظيف وضرورية فقط حين يصبح الاختلاف مانعاً من الخلاف، إذ ليس يمكن تعايشٌ دون استيعاب معرفي يرقى أحياناً إلى حدّ الإيمان بأنّ الاختلاف ضروري كي نستمر.
حيّزُ الاختلاف الثقافي هو ما يميز مجموعة ثقافية عن أخرى، فإذا بحثت في الجامع النظامي المشترك وحصرته فيما بين مجموعتين تبيَّنت أنّ ما يخرج عن أحد النظامين هو الذي يمثّل مجال الاختلاف. مثل هذا يعني أنّ الاختلاف الثقافي ليس يهمّ ما يخص الأفراد بل دائرته في ما بين المجموعات، وبعبارة أخرى إنّ الاختلاف المقصود ثقافياً هو ما كان في مستوى أنظمة الثقافة، في نحو نظام العوائد – نظام التفكير – نظام العقائد – نظام الاجتماع – نظام الاقتصاد. مثال ذلك أنّ نظام التفكير يمكن أن يكون محلّ اختلاف بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافة الغربية عموماً بِعَدِّ الأول دينيّاً والثاني عقلانياً، ولكن ليس ذلك مطلقاً، ففي الثقافة الغربية نظام تفكير ديني أصغر لا يتجاوز العام العقلاني المنظّم للعلاقات الاجتماعية، في وقت لا ينظمها الديني بشكل عام. وفي الثقافة العربية يصبح العقلاني نظاماً أصغر يقيده الدين أو يحاصره لأنّه هو الأساس في تنظيم العلاقات، دون أن نغفل أنّ أنظمة علمانية حداثية ادّعت انفصالها عن الدين وهي في الأصل قد أسست نظامها الكلي على البنية الدينية نفسها.
أمّا الخلاف فهو حال تنابذ أو تدافع تؤدّي إلى نوع من التنازع معنوياً كان أو مادياً، ويدلّ على نوع من الانقلابية بين الأشخاص أو بين الثقافات أو بين الحضارات في سياق مادي. وعادة ما ينجم عنه تحول نحو أحد مسارات المغالبة. والخلاف حالة اجتماعية لا علاقة لها بالثقافة مجردة بل تنبع من الجماعات وتتخذ طابعاً ثقافياً.
وإذا كان الخلاف يهمّ أساساً سياق المغالبة، فإنّ الاختلاف ليس داخلاً في ذلك السياق لأنّه مرتبط بحال مخالفة هي حال المطاوعة وعدم الإكراه. وفي الحقيقة، لقد شاع أنّ ما حدث ويحدث في التاريخ هو ثلاثة مسارات: مسار الاختلاف، ومسار المغالبة، ومسار المصالحة. يمثّل الأول وضعاً أصلياً في الثقافة، والثاني انحرافاً، ويمثل الثالث إصلاحاً للانحراف. والأوّل منفصل عنهما وليس متصلاً بهما.
لكن إذا كان الاختلاف أصلاً فهو ليس مساراً بل خاصية قيمة Value، وليس هو مقولة Category تولد المعنى بل معنى في الثقافة يضفي على الوجود شرعية امتلاء الفرد أو المجموعة، ليس طارئاً أو حادثاً بل سمة جوهرية لازمت الثقافة منذ دخول الإنسان في سيرورة الانفصال عن الطبيعة خارجه أو في ذاته. وحيث وجدت الثقافة وجد الاختلاف. صحيح أنّ الثقافة ملزمة للأفراد ولكن هذا الإلزام لم يمنع الاختلاف ولن يمنعه بما أنّه هو الآخر خاصية في الثقافة. وإنّي لا أقصد الإلزام في سياق المغالبة ولحظة حدوث انحراف بل أقصد منه دلالة الانضباط، حين يكون الفرد ملزماً باحترام قيم مجموعته وتبنّيها للاندماج ولتأمين استمراريتها حفظاً للهوية والكيان.
ب‌- في الوظيفة: التواصل والإيلاف:
لكلِّ ثقافة مستويان، أحدهما داخلي والآخر خارجي، وفي المستويين تؤدّي قيمة الاختلاف وظيفة معينة في المستوى الداخلي تمثّل الثقافة مجموع الأدوات أو الأجهزة Apparatuses المشتركة بين مجموعة بشرية التي يستمدون منها المعنى والهوية وتنظم اجتماعهم وتؤمّن استمراريتهم وتطورهم وتحولاتهم (مثل أنظمة القيم والرموز والأخلاق والعوائد والتشريعات والعقائد والتصورات...). لنلاحظ في المستوى الداخلي أنّ المطلوب تحقّق حدّ أدنى من التجانس والاتساق حتى يحدث الاندماج؛ ومن ثم ستتحقق وظيفة ثقافية أُسميها الإيلاف الثقافي Communalization. على هذا الأساس، فإنّ الخاصية الأولى الوظيفية في الثقافة هي الإيلافية، حيث يحمل الأفراد على نوع من الانصهار في المجموعة التي تقبل تنوعاً ولكن لا تحتمل اختلافاً في الأنظمة المشار إليها أعلاه.
والفرق بين الاختلاف والتنوع diversity أنّ الأوّل يهمّ الأنظمة، ولكن الثاني يهمّ الوحدات داخل النظام الواحد، فنجد المتنوّع داخل المؤتلف مثل نظام العقائد العربي في التوحيد نجد فيه أنظمة صغرى كالخارجي والشيعي والسني والمسيحي وفي الثقافة اليابانية نجد البوذي والشنتو والإسلامي والمسيحي، بمعنى هناك جمع بين نظامي التوحيد والتعدّد ولكنّ ذلك لا يخلّ بالإيلاف، مثلما أنّ التعدد اللهجيّ في النظام اللغوي لا يخلّ بهذه الوظيفة.
إذا تأمَّلنا جيداً أدركنا أنّ ذلك التنوع ليس منفصلاً تمام الانفصال عن الاختلاف، بل هو في الأصل مقبول بمقتضى خاصية الاختلافية في الثقافة؛ لأنّها تكسبها مرونة تجعلها قادرة على تقبّل ما تأسس خارجها أو ما دلّ على مجموعة بعينها دون أخرى ونحن تحديداً قد سمّينا ما هو داخل الثقافة الواحدة بالمتنوع في المؤتلف، لأنّ الانسجام بين مجموعة ثقافية واحدة يقتضي تقليص حجم الاختلاف إلى الحدّ الذي لا يخلّ بالبنية الواحدة، خاصة كي يحفظ ما هو جوهري فيها. مثال ذلك إذا توفرت اللغة الجامعة والتاريخ الجامع والأصل الواحد وتغيرت العادات ولم تعد جامعة وتغير النظام المعرفي ولم يعد جامعاً أو تغيرت أديان أفراد مجموعة ثقافية، فإنّ ذلك لا يخلّ بانسجامهم لأنّ ما تم فيه التنوع حادث بعد مكونات أصلية وهو يضمن مجالاً استبدالياً في مستوى الرؤى ويخص الجماعات دون الكل أو الأفراد في الثقافة الواحدة. ولكنه عموماً بالنسبة إلى دارس الاختلاف يهمّ خاصية أخرى مرتبطة بالاختلاف هي الاقتراضية في الثقافة فلا توجد ثقافة دون اقتراض من ثقافة مجاورة أو بعيدة كلما حدث التقاء. والأكيد أنّ خاصية الاختلاف الدالة على المرونة تسوغ وجود المختلف الذي سرعان ما يصبح تنوّعاً غير مانع من الاندماج. وهكذا يصبح الاختلاف في قلب الثقافة مكوناً أساسيّاً من مكوّنات الثقافة بنية مجردة أو دالة على مجموعة بعينها.
إذا كانت وظيفة الإيلاف عبر الإدماج لا تقوم إلا بالحدّ الأدنى من الاختلاف في المستوى الداخلي فإنّ للاختلاف في المستوى الخارجي وظيفة أساسية هي تحقيق التواصل بين مجموعات ثقافية مختلفة. وفي هذه الحال لا يمكن تواصل بين مجموعتين ثقافيتين إلا بعد اقتناع تام أنّ التعايش ممكن مع الآخر المختلف ثقافياً، ولذلك فهو المسوّغ الوحيد للتعايش مع الآخر وآلية التواصل الوحيدة. يحدث التواصل بين الثقافات في حال واحدة ضمن سياق المطاوعة وفي الحال الثقافية المحض: تثاقف تنوع – استيعاب أو اندماج طوعي نسميه في العادة وبالمعنى الإيجابي تداخلاً ثقافياً Cultural inter ferenceInter-culturality وتكون لهذه الصغية مسببات منها الهجرة (والنفي واللجوء) أو لقاء لأسباب اقتصادية أو أسباب معرفية. هاهنا قد تغتني الثقافة الذاتية بقيم وعادات من ثقافة أخرى تقترض لرفد مكتسب الذات وتنويعه. وفي غير هذا السياق سياق المطاوعة، ليس للاختلاف من وظيفة فهو عمليّاً يلغى في سياق المغالبة.
ففي السياق الإيديولوجي، وهو في الغالب الأعم يدلّ على المغالبة، إذ في الإيديولوجية بصفة عامة انحياز مصلحيّ نحو الجماعة: حمل على التثاقف – حمل على الاستيعاب – حمل على الاندماج/ إكراه. ونسمي هذا اصطلاحاً Cultural hegemony. ومسببات ذلك كثيرة منها الشعور بالمركزية والتفوق والاستعمار بأنواعه والغزو الديني أو بفعل همجيّة الآخر، ويمكن عموماً أن نسمّي هذه الحال حالاً مرضية في مجموعة ثقافية معينة وهي علامة بداية الانهيار.
ورغم أنّ الاختلاف كما بيّنا من جوهر الثقافة، فليس علينا أن نغفل أمراً آخر لو قلبنا المسألة من زاوية أخرى. إنّه – قيمة – أداة لتأمين استمرارية الذات والهوية إزاء الآخر، ففي عصرنا أصبحت الحاجة إلى الاختلاف التعبير الوحيد الممكن من حماية الذات من الذوبان ودفع الاستلاب. إنّه ما تعبّر به كل أقلية ثقافية/ إثنية عن وجودها، الأقلية الهندية في أمريكا، والشيشانية في روسيا والكردية والشركسية والأرمنية وغيرها، في كلِّ بقعة من العالم تضطهد فيها أغلبية أقلية تختلف عنها وذلك ما نسميه سياق المدافعة Defense. في كلِّ الأحوال يغدو الاختلاف مبدأ حوله وبه تعقد العلاقة مع الآخر أو هو شفرة التعامل معه Code أو هو العقد الثقافي Cultural contract الذي على أساسه تقبل ثقافةٌ ثقافةً أخرى، لا تدمرها وتسعى إلى التعامل معها بشكل ندّي.
من جملة ما سبق يبدو أنّنا داخل الثقافة تعاقديون نسعى إلى الاندماج والتجانس والانسجام والتوحّد وعادة ما تعمل الإيديولوجيات الوطنية (مع الاحتراز الكبير في هذه الصفة) على خلق بنية فكرية واجتماعية موحدة. ونحن اختلافيون تعاقديون نظرياً خارج ثقافتنا في سياق المطاوعة العقدية، ونحن كذلك اختلافيون في سياق المدافعة ولكنّنا ملزمون اتساقيون في حال المغالبة. في السياق الأخير ليس يحدث الأمر بالتعاقد بل بالإكراه. ومعنى ذلك أنّنا في نهاية المطاف أمام شرطين:
-        المغالبة نفي للاختلاف بما أنّها حمل على الاتساق فهي شرط تعطيله. وكلما انقلب الاتساق على التعاقد انتفى التواصل.
-        التعاقد شرط التنوع والاختلاف وهو شرط التواصل داخل المجموعة أو خارجها وكلما اتسعت دائرة التعاقد تأكّد التواصل وتمتَّن.
الشرط الثاني يوسع دائرة الإيلاف من شكله المجموعي إلى شكله الإنساني والأوّل يضيّقه ويحصره في الطائفة والقومية الضيقة.
في المجمل نرجع تلك السياقات التي تحدّثنا عنها إلى حدّ الآن إلى سياقين، سياق الهيمنة الثقافية حين يلغى الاختلاف، وسياق التعاقد الثقافي بخاصية الاختلاف المفضي إلى التدخل الثقافي، وليس علينا أن نغفل سياقاً ثالثاً مهماً جدّاً يسمى Trans-Coulturality، أي عبر ثقافي أو ماوراء ثقافي يحدث دون تواصل فعلي في التاريخ ويعود بنية رياضية واحدة مشتغلة في الذهن، يدل عليه التشابه في العادات والأساطير وتنظم صيغة في المتخيل. وبما أنني لن أتوقف عنده بالدراسة سأشير إلى مثالين من الثقافة العربية والثقافة اليابانية يدلان على اختلاف ظاهر ولكنهما متّصلان ببنية رياضية ذهنية واحدة. يعتقد العربي أنّ صب الماء بعد رحيل المرتحل إنجاز عقد طلباً لعودته سالماً لأنّ الماء علامة حياة، والماء في هذه الحال يمثل السقيا الدالة على الاستمرارية ويعتقد الياباني أنّ وضع تميمة السلامة المأخوذة من معبد الشنتو Jinia في حقيبة المسافر يؤكّد الحماية ومباركة السفر، وفي الحالين حدث تعاقد مع قوة نطلب منها السلامة والبركة بصرف النظر عن الأداة ما دامت الوظيفة واحدة. وإذا كان العربي الذي يرغب في أن ينقطع ضيف السوء عن المجيء إليه يرمي بعده قطعاً من فحم بدلالة الانقطاع فإنّ الياباني يرمي الملح وبه الرغبة نفسها. يتجاوز ذلك الثقافة الواحدة كي يدلّ على الاختلاف الظاهر والتصوّر الذهني الواحد.
 
2- الحداثة والعولمة: سياق الاختلاف الثقافي والهيمنة الثقافية:
في اجتماعنا وتنظيمنا لعلاقاتنا نحن في المجمل ننطلق من الجماعة بما تعنيه من مدى اندماج الفرد وعضويته في وحدة متماسكة نحو الشبكة؛ وهي جملة القواعد التي تصل الشخص بالآخرين على أساس المصلحة الذاتية وهي أيضاً الخبرة المشتركة، وثمّ خمسة أنماط اجتماعية ترجع إليها خبرتنا الثقافية الاجتماعية، ونحن نصنف تحت واحد منها بشكل معيّن، وكلّ نمط يدلّ على فئة اجتماعية/ ثقافية باعتبار معاييرها المشتركة التمييزية:
-        نمط تدرجي هرمي فيه قواعد صارمة تحكم الأفراد وتلزمهم وتكون للجماعة حدود قوية، والأعضاء يخضعون لضبط أعضاء آخرين في الجماعة ويؤدّون أدواراً مفروضة اجتماعيّاً وتمارس السلطة فيه دون مساواة وتبرر بالأدوار المختلفة للناس، يتمثل في المجتمع الديني وبشكل أدق يمثله الهندوسي والمريد والمتصوف، ويمثله أيضاً المجتمع القبلي والعشائري.
-        نمط مساواتي ليس فيه قيود صارمة، وفي هذه الجماعة ليس يوجد تمايز حسب الأدوار وليس للأفراد سلطة على بعضهم البعض وقد تسوى خلافاتهم عن طريق الطرد وقد تظهر فيه فصائل تتنافس على السيطرة داخل الجماعة وفق المبادئ المتاحة وهم مكتفون ذاتيّاً ويرفضون التسليم بعدم المساواة. وينتمي هؤلاء عادة لمجالات ذات طابع مؤسساتي مدني.
-        نمط فردي لا يندمج فيه الفرد في جماعة وليس له دور معيّن ولذلك فكلّ القيود حينية قابلة للتغيير، ولكنّ لهذا النمط ممارسة سلطوية على الغير رغم أنّهم متحرّرون نسبيّاً من ضبط الغير وقيوده، وهم يقودون أتباعاً. يمثله رجل الصناعة العصامي الرأسمالي الذي يضعف ارتباطه بالمجموعة الكلية.
-        نمط قدري يخضع فيه أفراده لقيود ملزمة، ولكنّهم مستبعدون من عضوية الجماعة ومن صنع القرارات التي تحكم حياتهم يمثله النسّاج غير النقابيّ.
-        نمط اعتزالي أو استقلالي ينسحب فيه أفراده من دائرة القهر الاجتماعي والإكراه رافضين الهيمنة والخضوع في الوقت نفسه. والاعتزاليون يمثلون فئة دون أن يتعرفوا بعضهم ضرورية.
يمكن عَدّ الفئات/ الأنماط الثلاثة الأولى نماذج من العلاقات الاجتماعية بوصفها إمّا شبكات مركزة على الذات، أو جماعات مساواتية مترابطة، أو جماعات مبنية هرميّاً تدريجيّاً أمّا الفئتان الرابعة والخامسة فهما يمثلا مواقف معيشة، قد لا ترتقي إلى حد بنية الجماعة لأنّها غير نظامية ولم تتشكل قصدياً.
يحقّ لسائل أن يسأل ما علاقة هذا التصنيف بالموضوع المدروس حول الاختلاف في الثقافة وعلاقة ذلك بالعولمة والحداثة، والحقّ أنّ الإجابة ممكنة كلما قرنّا بين المساواتيين والحداثة وبين الفرديين والعولمة.
أ‌-      المساواتية/ الاختلاف/ الحداثة:
إنّ ما يسوغ تعايش الفئات الخمس أو الفئات الثلاث وأصحاب الموقفين القدري والاعتزالي هو وجود حيز من الاختلاف تسمح به مرونة الثقافة في خصوص الرؤى والتصورات أو بمعنى آخر تُعَدُّ خاصية الاختلافية Differentiation قيمة لابدّ منها لتتعايش تلك المجموعات دون صراع. وإذا تدبرنا المسألة جيداً أمكننا بالفعل أن نجد أنّ المساواتيين مؤهَّلون كفئة لقبول الاختلاف لأنّهم من جهة غير اتساقيين وجماعتهم تتسم بالمساواة وعلاقاتهم ليست طائفية مع الجماعات الأخرى، وتتميز كذلك بالاعتراض النقدي على كلّ قهر وعدم مساواة، كما أنّ العضوية فيها غير قهرية. وليس خفياً أنّ العلاقة بين الأفراد هاهنا لا تخرج عن حدود التعاقد وقبول الاختلاف ورفض الفردية والتدرجية الهرمية.
ويعتقد المساواتيون أنّ الإنسان خير بطبيعته حرّ ثمّ قيدته الأغلال لاحقاً (روسو في العقد الاجتماعي)، والطبيعة البشرية تصبح شريرة بفعل المؤسسات المنحرفة التي تعتمد الأسواق والتدرج. والمطلوب بناء مجتمع غير قهري؛ أفراده متساوون. لابدّ بين الجماعة من سلوك تعاوني يراعي المصلحة العامة ويدحض النزعة الفردية وينبذ كلّ مؤسسة قهرية ويقلّل من القيود كان الشغل الشاغل لهذه الجماعة أولوية المصلحة الجماعية على أنا الفرد وتقييد استقلاليته دون إلغائه، رغم أنّ هذا كان كذلك بشكل ما غاية التدرجيين ولكن في إطار صيغة أخرى.
لا نتردّد بعد الذي ذكرنا في بيان أنّ المساواتيين من حيث هم كذلك ووفق تطلعاتهم ومبادئهم قد أرسوا الحداثة. من رحم خاصيات الثقافة، لما كانوا فئة نقية تدير المجتمع ديمقراطيّاً من خلال المجتمع. لقد كان المساواتيون في جوهر البروتستانتية التي انفصلت وشكّلت نواة الفكر الحداثي، ثمّ كان المساواتيون أدلاء في التنوير واعتماد العقل والبحث عن قيمة الإنسان المستلبة من التدرجيين في المؤسسات الدينية أو شبيهتها المتحالفة معها المتواطئة في السياسة.
 
قامت الحداثة في شيء من التبسيط على المبادئ التالية:
-        مبدأ الاختلافية وقد كان ذلك أساساً انطلقت منه ثم فارقت السائد وقبلت جملة من التعارضات. كان الفكر السائد قبلها يرغب في التماثل والتشابه والتطابق، وحل محله فكر يؤسّس التعارض الثقافي ضد سائد ديني وسياسي واجتماعي واحد.
-        مبدأ تحرير الإنسان ودعم استقلاله عن الطبيعة وقهر المجتمع.
-        رد الاستلاب نحو الطبيعة أو سلطة مؤسسة في مثل تحييد المؤسسة الدينية.
-        إقامة العلاقة على أساس عقلاني هو التعاقد ودون مبادئ دينية احتكارية (الديمقراطية).
-        تلك هي الحداثة اختلافية، تحريرية، اكتفائية غير استلابية وتعاقدية. ولم تكن أبداً غير سياق مستمر من البحث عن الجدّة والقطائع والرفض والتحولات، ليست حالاً ننتهي إليها بل طريقاً ليس له نهاية. هناك نظام كلّي ليس أحادي الخط ولا الاتجاه، فيه دينامية وتشعب وتفاعل.
في الثقافة كلّ فئة تتميز بالتضاد مع غيرها والاستيعاب يعني استبعاد آخرين وإقصاءهم، لذلك فالكل دينامي وفعّال في علاقته بجماعته أو بغيرها.
ب‌-الفردية/ الاتساق/ العولمة:
في دراسة سلوك الفرديين ونمط اجتماعهم ومبادئهم ننتهي إلى ملاحظات تؤكد أنّ العولمة لم تكن غير نتيجة حتمية بالمعنى السلبي لتصورات هذه الفئة. فقد كان الفرديون ومازالوا في الأغلب عصاميين تميزهم الفردية الصارمة، النجاح عندهم مادي، يرغبون في حرية العمل في السوق أداة لزيادة الثروة ويناورون في كلِّ لحظة، وكلِّ فردي إنّما هو مادي ونفعي يرغب في احتواء العالم والبقاء عنده للأفضل، لا يهتم بالأخلاق. يريد الفرديون أن يكونوا دائماً في مركز الشبكة أي مركز سلطة القواعد والقهر والإلزام. هؤلاء بخلاف المساواتيين يذهبون إلى أنّ طبيعة البشر ثابتة مثل المادة والبشر من جوهر واحد لا يعبؤون إلا بذواتهم، أي يسوّغون سلوكهم بمجاراة الطبيعة البشرية.
لقد رأى بعضهم أنّ الإنسان أناني عنيد يرغب في مصلحته الخاصة والتنظيم المؤسسي الذي يردعهم هو الاستبدادي، ولكن لتجاوز ذلك لابدّ من تنظيم سياسي تنافسي تصارعي. كان ذلك بالفعل تسويغاً إيديولوجياً لنمط الحياة الفردي. وقد لخص ذلك زعيمهم ومنظر الفكر الليبرالي الاقتصادي آدم سميث (1723-1790) الاسكتلندي عالم الاقتصاد الرأسمالي بقوله: "ليس غذاؤنا من كرم الخباز والجزار والساقي، بل نحن نستفيد من حرص هؤلاء على مصالحهم الخاصة، ونحن لا نرتجي إنسانيتهم بل حبهم ذواتهم ولا ننتظر منهم تأمين حاجاتنا الضرورية بل نحفز فيهم الرغبة في تحقيق الربح".
وعلى نحو معيّن تعدّ هذه الفئة مسيطرة منذ ظهور صيغة اقتصاد السوق، فأفراده يمتلكون أدوات الإنتاج ويسيطرون في الوقت نفسه على وسائل الإنتاج الفكري ويخضعون أفكار الآخرين لأفكارهم قسراً. الفرديون بطبيعتهم ينفرون من قوة الدولة بما أنّهم يريدون التحكم فيها لمصلحتهم وعادة ما يضعفون تدخل الدولة ويريدون توسيع شبكتهم على كلّ فئات المجتمع، أي هم إيلافيون اتساقيون، وفي الضفة الأخرى كانوا دائماً ضد المساواتيين.
من الواضح بناء على وصفنا السابق للفرديين أنّهم المستفيدون الأوائل من عدم الاختلاف وأولى من غيرهم بتأسيس نمط إيلافي، أو توسيعه حتى يتجاوز دائرة جماعتهم نحو جماعات أخرى ثمّ نحو مواطن أخرى. هم وحدهم قادرون على الانحراف نحو الفيض على الخارج وإلغاء الاختلاف وتنميط قواعد شبكتهم وبسطها على كلِّ من سواهم. وبالفعل فإنّ الثروة والرغبة في الربح سيولدان انحرافاً آخر نحو سياق المغالبة أو سياق الاتساق العالمي. هؤلاء فَكّروا في العولمة وأرسوا النظام العالمي الجديد.
إنّ العولمة ليست غير انتقال من حال اتساق وإيلاف داخليين نحو تعميمه في فضاء كوني يتجاوز حدود المجموعة بما يلغي الاختلاف، لنقل بعبارة أخرى هي تنميط مبادئ وقواعد في التعامل بما يجعل خاصية واحدة من الثقافة تلتهم الخاصية الأخرى، أي جعل الجماعي عالميّاً. قبل ظهور فئة الفرديين في المراحل السابقة للرأسمالية لم يكن هناك نظام اقتصادي ولا سياسي ولا ثقافي عالمي بينما منذ أن ظهر هذا النمط الحياتي حدث تحوّل وجنوح نحو اقتحام العالم من السياسة نحو الاقتصاد. وقد ظهر التحوّل جليّاً منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية ضمن مشروع السيادة العالمية في سياسة الولايات المتحدة.
سيتخذ الإيلاف/ الاتساق الخارجي الإكراهي صيغة أمركة وكان يمكن أن يكون أوربة، لكن الفرديين في أمريكا كانوا أقدر من أمثالهم على اختراق العالم والمسارعة إلى احتواء ثرواته ومصادرتها ونهبها وقد عبرت عن ذلك سيمون فيل s. Wiel قائلة "نحن نعلم جيِّداً أنّ أمركة أوروبا بعد الحرب خطر شديد جدّاً.. وأنّ أمركة أوروبا تُعِدُّ دون شك لأمركة الكرة الأرضية". وليس هناك أدنى شك في أنّ الأمركة بمفهمومها العام تعني توسيع الطراز الأمريكي والحمل عليه.
في العولمة يتحول السوق إلى منظِّم وحيد للعلاقات الاجتماعية والسياسية والمصدر الوحيد للسلطة والمراتب، كما أنّ السوق يغدو مثل الدِّين نسقاً ثقافياً ذا وظيفة إيلافية، وذلك هو بالفعل أساس تفكير الفرديين، بمقتضى ذلك الناظم الجديد تنحصر كلّ القيم الإنسانية في القيمة التجارية ويفقد معنى الوجود المتنوع، ليس هناك عمل يدور بين تلك الأنماط الخمسة، بالمعنى تتجلى فيها الثقافة وتدل عليها لأنها نسق فكّر فيه الإنسان فيما بعد الطبيعة. وإني مازلت متمسكاً بوجهة نظر الأنتروبولوجيين التي تؤكد أنّ لا شيء يحدث خارج الثقافة، وإذا كانت الثقافة سيرورة جماعية، فالاقتصاد نسقا سيرورة جماعية، تختلف الجماعات في تشكيلها تلك النسق ولكنه في النهاية ليس يدل إلا عليها. وفي قضية الحال ليس يدل النسق الاقتصادي الثقافي "العولمة" إلا على الفرديين. إنّ نمط حياة تلك الفئة الذي نستخلصه من أنظمته المكونة يبين أنّها مترابطة متشابكة، الاقتصادي والسياسي والمعرفي والقيمي الديني والاجتماعي، جميعها مشدودة إلى معايير ثابتة تدور حول قيمتين متعالقتين "الربح طريق إلى الثروة". يتشكل السياسي وفق الاقتصادي ويدور معه، وينتج الاقتصادي نظامه الفكري التبريري لتلك المعايير من سميث إلى فريدمان، وينهض الديني القيمي بمهمة رفد الدوافع الاقتصادية. ذلك درس ماكس فيير حين حلل العلاقة بين الأخلاق البروتستانتية وقيمة العمل، وفي الاجتماع تتجلى نوعية العلاقات القائمة على التبادل والاستهلاك وليس على التضامن العضوي.
ما حدث مع العولمة هو انهيار قاعدة التنافس في النمط الفردي بسبب عجزها عن إشباع تلك الجماعة، فكان لابدّ من قاعدة شكلت استثناء وتجاوزاً هي الهيمنة وجرت معها كلّ المستويات لأنّ تحركها نظامي، كان التنافس يتم داخل المركز وبين المراكز، ثمّ بدأت الهيمنة تحدث داخل المركز ثمّ توسعت على كلّ المراكز لتلغي كلّ الأنماط الأخرى، حتى انقطع كلّ إمكان تواصل بتعطّل قيمة الاختلاف، وغلبة وظيفة في الثقافة وظيفة أخرى.
لنفهم كيف حدث الصراع ولمن آلت الغلبة، حوصر المساواتيون، وهؤلاء ضمن نمطهم كانوا يشكّلون توازناً ثقافيّاً ويؤمنون وظيفة الاختلاف وقيمة الاختلاف وخاصية الاختلاف الجوهرية، وفي المقابل انتصر الفرديون وهؤلاء ضمن نمطهم كانوا يسعون إلى توسيع وظيفة الإيلاف على كلّ الأنماط المخالفة لأنّ الاتساق أداتهم ولهم فيه حياة وهذه العولمة علامة انتصارهم، وهي اللحظة التاريخية الدالة على سيادتهم. كنّا نعتقد أنّ علامة انتصار المساواتيين في الحداثة، ولكن تمَّ احتواء الحداثة أو تم توظيفها وانفكت عن المساواتيين، انقطعت المطاوعة وحلّ الإجبار والإلزام وانتهى التواصل وحلّت الهيمنة.
لم يتمكّن الفرديون من تحويل العولمة إلى نمط موسَّع عالمي إلا بعد أن جعلوا منها احتفالية طقسية مرتبطة بغاية تحت شعار "الرفاه للجميع"، أي جعلوا منها فعالية رمزية ومن شأن الترميز دائماً أن يستبعد الاختلاف ويسير مع الاتساق، هي اختزالية إرجاعية، وكلّ اختزال هو نبذٌ للاختلاف وطردٌ له. ومجمل اعتبارات الفرديين في خصوص الترميز كانت معدّة سلفاً؛ لأنّ العلاقة الرمزية هي دائماً علاقة مسلَّم بها، ولأنّ الطقس ليس أمراً معقولاً بالعقل، يحتاجون فيه إلى سلوك القطيع ورغبة القطيع كانت كلّ طقوس العولمة محدّدة بدقّة تنبع من وصايا الفرديين، وارتقت إلى حدّ نبوة العصر، يتوبيا العصر، ودين العصر. لذلك وكما يبدو يَهْرَعُ الجياع إليها ويتضرَّعون.
في عبارة موجزة، كانت الحداثة فلسفة العصر بما تعنيه من اختلاف، ولكنّ العولمة دخانُ العصر لونه واحدٌ ورائحته واحدة. وحين اختلَّت وظائف الثقافة وغلب الائتلاف/ الاتساق الاختلاف انقطع التواصل وأنتجت فئة نظاماً يدلّ على انحراف في الثقافة فلابدّ إذن من البحث عن صيغة توازن في وظائف الثقافة. وإذا لم نتدارك حالنا فإنّ غزوهم مستمرٌ.
 
* مفكر وباحث أستاذ في الجامعة التونسية واليابانية 
المصدر: مجلة المعرفة/ العدد 485 لسنة 2004م

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 3158
 قيّم هذة المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 الاختلاف والتواصل.. ثقافياً
 حوار الحضارات.. طموح تفصله مسافات
 حوار الحضارات

الاکثر قراءة
 موقف الفكر العربي المعاصر من الحضارة الغربية بين السلب والإيجاب
 آداب الاستئذان في الإسلام
 أدب المعاملة في ضوء القرآن الكريم
 الإسلام والبيئة
 مفهوم السياسة في الإسلام والقرآن
 حوار الحضارات
 شخصية النبي (ص) التربوية
 الإسلام والتعايش
 حقوق الإنسان.. رؤية مقارنة بين الإسلام والغرب
 فنون عصر النهضة
 
الاکثر تعلیقا