الصفحة الرئيسية » سيرة وتاريخ
السيدة سكينة بنت الحسين (ع)

2013/12/08 | الکاتب : د. حسن عباس نصر الله


قتلوا الإمام الحسين بالسيف، وقتلوا ابنته سكينة بالكلمة الخبيثة. كانت ضحيّة الرواة، و"آفة الأخبارِ رواتُها". نسجَ الوضَّاعين أخباراً مزركشة، خيطاً من حقِّ، وخيطاً من باطل، قَبِلها الناس لما فيها من عذوبة الحقّ، ومَلَقِ الباطل...
 
النشأة المباركة والرعاية الصالحة:
وُلدت سكينة في المدينة المنوَّرة حوالي 42هـ/ 662م. وسُمِّيت آمنة واشتهرت بالوادعة والسَّكينة فلقَبتها والدتها الرباب بنت امرىء القيس بن عدي (سَكِينة) بفتح السين، وكسر الكاف، تبركاً بقوله تعالى: (فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) (البقرة/ 248).
نشأت سكينة في ربوع الإمامة مع والدها الحسين (ع) تنهل علماً وفقهاً وأخلاقاً، انصرفت إلى العبادة والتقى، والتفكُّر، حتى قال الإمام الحسين (ع) إلى ابن أخيه الحسن المثنّى بن الحسن بن عليّ (ع) لما أتى يخطب إحدى ابنتيه: فاطمة وسكينة: أختار لك فاطمة فهي أكثر شبهاً بأمي فاطمة بنت رسول الله (ص)... وأما سكينة فغالبٌ عليها الاستغراق مع الله فلا تصلح لرجل".
إنّ الاستغراق مع الله، والانقطاع إلى العبادة، والتفقُّه في الدين والنضج الفكري... أمور حملت الإمام الحسين (ع) يوم عاشوراء على منح سكينة شهادة تصنِّفها وتثبتها في (الخيرة من النساء)، وتباركُ ما تأتيه من أعمال في حياتها...
قال أبو مخنف: عندما نادى الإمام الحسين (ع) نساءه للوداع.. رفعت سكينة صوتها بالبكاء والنحيب؛ فضمَّها الحسين إلى صدره، وقبَّلها ومسح دموعها بكمّه وأنشد:
سيطولُ بعدي يا سكينةُ فاعلمي *** منكِ البكاءُ؛ إذا الحمامُ دهاني
لا تحرقي قلبي بدمعكِ حسرةً *** ما دامَ منِّي الروحُ في جثماني
فإذا قتلتُ؛ فأنتِ أولى بالذي *** تأتينه يا خيرة النِّسوان
إنّ الإمام الحسين (ع) كان أعرف الناس بأخلاق ابنته وأمِّها الرَّباب لذلك احبَّهما وقال فيهما:
لعمْرُكَ إنَّني لأحبُّ داراً *** تكونُ بها سكينة والربابُ
أجمع الرواة أنّ الرباب، عاشت الوفاء، وعرفان الجميل للحسين (ع) وأبدت إخلاصاً نادراً، رثته بقولها:
إنّ الذي كان نوراً يُستضاءُ به *** بكربلاءَ، قتيلٌ غير مدفونِ
سبطَ النبي جَزاكَ اللهُ صالحةً *** عنّا، وجُنِّبتَ خُسْرانَ الموازينِ
قد كنتَ لي جبلاً صعْباً ألوذُ به *** وكنتَ تصحبُنا بالرَّحْم والدِّينِ
مَن لليتامى، ومَن للسائلينَ ومَنْ *** يُغنِي، ويأوي إليه كلّ مسكينِ
واللهِ لا أبتغي صِهراً بصهركُمُ *** حتى أُغيَّب بينَ الرملِ والطِّين
نفّذت الرباب مضمون البيت الأخير، وبرَّت بقسمها، إذ أبت أن تتزوج بعد الحسين (ع)، مع كثرة الخطَّاب من الأشراف. كانت تقول: "ما كنتُ لأتخذ حماً بعد رسول الله". عاشت بعد الحسين سنة واحدة لا تستظل تحت سقف حتى ماتت كمداً. شتَّان ما بين الرباب النقيّة الوفيّة وبين جعدة بنت الأشعث زوج الإمام الحسن التي تآمرت على زوجها ودسَّت له السُمَّ.
 
مكانة سكينة.. والوضَّاعين:
أما مكانة سكينة فأكدها عمُّها العباس أيضاً، يوم عاشوراء، عندما طلبت منه الماء، قال: لبَيك يا سكينة. وخاض معركة المشرعة ضد أربعة آلاف فارس، وسقط أخيراً قمرُ بني هاشم، ولما وقف الحسين (ع) على مصرعه، وحاول أن ينقله إلى الخيام، استحلفه العباس ألا يفعل، لأنّه يخجل أن يقابل سكينة، ولم ينجِزْ وعده بالماء.
كانت سكينة، فاضلة، شهمة، ورعة، متعبِّدة، عالمة، تعقد مجالس الفقه والحديث التفسير، وما يتخللها من نوادر الأدب والحكمة... اشتهرت بالجرأة، والجمال، والذكاء، وسرعة البديهة...
هذه الصفات ذكرها الرواة. وكانت خيوطاً من الحقّ، خيوطاً مشرقة في تاريخ آمنة (سكينة) بنت الحسين (ع). لكنّ الأمويين ومن بعدهم العباسيون دسُّوا رواتهم من الوضّاعين، غزلوا خيوطاً من الباطل أضافوها إلى سيرة سكينة، وضعوا كلمة خبيثة إلى جانب الكلمة الطيبة. وإذا بها سيدة فاضلة لكنها مزّاحة، فقية لكنها متهاونة في أحكام الدين، شريفة عفيفة، شهمة لكنها مزواجة مطلاقة، زاهدة لكنها تقيم مجالس اللهو والطرب...
أراد العباسيون أن يكون لآل البيت نساءٌ يعَقُدنَ مجالس الإنشاد والغناء مثلما فعلت (عُليَّةُ) أخت هارون الرشيد التي أشار إليها أبو فراس الحمداني (932-967م) في دفاعه عن آل البيت:
منكمْ عُلَيَّةُ أم منهم؟ وكان لكُمْ *** شيخُ المغنِّينَ إبراهيمُ أم لهُمُ؟
إذا تَلَوْا سُورةً غنَّى مغنِّيكُمُ *** "قِفْ بالدِّيارِ التي لم يَعْفُها القِدَمُ"
كشف أبو فراس الحمداني في قصيدتهِ عن ادعاءات أعداء آل البيت وفنَّد مزاعمهم في رمي "الطاهرين". لقد روَّج العباسيون ما لفَّقه الأمويون وزادوا فيه... وتناقلته كتب الأدب نقلاً لم يخضع للنقد والتأمل... تخرج التلاوة من ديار آل محمد فيسمعها أعداؤهم إنشاد شِعر، وغناء مغنِّين...
 
تاريخ من الافتراءات والدَّس:
الافتراءات كثيرة بدأت بأبي طالب، مؤمن قريش. لقد نفى فريق من المسلمين إيمان أبي طالب. وقد شهد المؤرخون أنّ أبا طالب حضَّ أبناءه وأقاربه، والناس... على اعتناق دين محمد. أما هو فناصره بماله ورجاله ونفوذه، ورضي بالمقاطعة والحصار في الشّعب من أجل الإسلام. وقال المناوئون إنما فعل ذلك نُصرة للعصبيّة! لماذا لم يناصره عمه الآخر أبو لهب بدافع هذه العصبية؟ بل تآمر على قتل النبيّ، وألَّب القبائل ضده.
إنّه دافع الإيمان مع الأوّل، ودافع الشرك مع الثاني. لا يحتاج أبو طالب إلى شهادة معه أو ضده، وشهادته أعماله، يحكم فيها علّام الغيوب الذي لا يُحاسب المرء على أقوال الناس فيه مدحاً أو ذماً، إنما يحاسبه على أعماله ونواياه التي أحصاها: "رقيب عتيد".
انحدرت الافتراءات عن الأب إلى الابن، فشرَّع الأمويون "سبَّ" عليّ على المنابر.
ثمّ طغى انحدار الافتراءات، فقتل الأمويون الإمام الحسين سبط الرسول وريحانته، وسيد شباب أهل الجنّة.
من الحسين إلى سكينة توالدت الافتراءات وتنامت، مبدِّلة الاستراتيجية، تخلى الأمويون عن السيف لأنّ في القتل إدانة، وعمدوا إلى الدعاية والإعلام، إلى الكلمة الخبيثة التي تزرع الأشواك في حقول الورد. لجأوا إلى الرواة الوضَّاعين الذين سوَّدوا صحيفة سكينة بأخبار ملفَّقة، ومدلَّسة تنطلي مضامينها على القارئ؛ لأنها مغلَّفة بمسحة الأدب.
اختيرت بضعة الحسين لتكون بطلة لحكايا عشرات الرواة الوضّاعين اختيرت لجرأتها وحكمتها، وقد تعرضت لولاة الأمويين وسبَّتهم كلما سبّوا جدها علياً (ع)، جاء في الإغاني "كانت سكينة تجيء يوم الجمعة فتقوم بإزاء خالد بن عبدالملك بن الحرب بن الحكم (والي المدينة)، إذا صعد المنبر، فإذا شتم علياً شتمته هي وجواريها، فكان يأمر الحرس يضربون جواريها".
 
نقض المزاح:
روى الأصفهاني في أغانيه قال: "كانت سكينة مزَّاحة... أجلست شيخاً فارسياً على بيض". وتارة تجعل أشعب على البيض. وقد لفَّقوا قصة تصلح تسلية لليلة سَمَر. وقد روى حكايته قال: "وحلفت بحقِّ جدها لا أُخرج من ذلك البيت، حتى أحضن ذلك البيض كلّه، إلى أن يفقس، ففعلت ذلك ولم أزل أحضنه حتى فقس كله، فخرج الفراريج، ورُبِّيت في دار سكينة، وكانت تنسبهنَّ وتقول: بنات أشعب".
ألا تحمل هذه الرواية بذور نقضها في نفسها. لم نسمع أنّ رجلاً حضن البيض حتى يفقس، وكيف يحضنه ليمنحه الحرارة المطلوبة؟ أيجلس عليه، أم ينام، أو يضعه في حُجرة؟ ألا يهشمه بثقله؟ إنّ احتضام أشعب للبيض أسابيع عدة ألا يمنعه من الصَّلاة والنوم والحرِّية؟... وهل كانت سكينة ظالمة وطاغية لتنزع صفة الإنسانية عن أشعب، وتحوله إلى "رنقاء" يحضن البيض؟ أم كانت مبذِّرة لتصرف على هذه العملية أربعمائة دينار؟
إنّها رواية عبثية، نسجها خيال الوضَّاعين، ونسبوها إلى سكينة بنت الحسين (ع)، لتأخذ الرواية جزءاً من عقل سكينة وحكمتها وورعها... أما قال جدها الإمام عليّ (ع): "ما مزح امرؤ مزحة إلا ومُجَّ من عقله مجَّة".
ومما نُسب إليها في التهاون بتأدية الفرائض ما رواه الأصفهاني: "كانت سكينة بنت الحسين (ع)، ترمي الجمار، فسقطت من يدها الحصاة السابعة، فرمت بخاتمها". أهو اجتهاد تشريعي جديد لسكينة حتى ترمي بخاتمها؟ أم أنها استهانت بمشاعر الله؟ وسكينة ممن يعظِّمون شعائر الله؟ أم أنها تركت الاحتياط بزيادة جمع الحصى لرمي الجمار؟
قد نقبل المزاح المبني على عبارات تثير الضَّحك. قيل: لسعتها ذات مرة دبرةٌ فضحكت وقالت: لسعني دبيرة، مثل الأبَيْرة، أوجعتني قُطيرة": أي وجعاً خفيفاً تافهاً. فأضحكت من كان حولها من النساء والجواري، وحُفظت عنها. لكن أن يؤدي المزاح إلى خصام وشجاج، ودماء تسيل، وأحقاد بين الناس، وأن يكون المزاح على حساب شرفها وشرف آل البيت، فهذا أمر لم تقدم عليه سكينة الفقيهة، العالمة التي عاشت محنة كربلاء الأليمة، وعانت من السَّبي، وشهدت مسيرة الرؤوس إلى دمشق، وواست شقيقها الإمام زين العابدين، وشاركته البكاء الهادىء في المدينة، البكاء حتى الإغماء حزناً على والدهما الحسين، وقتلى الطفوف...
حبك الوضَّاعون قصة مزحية في زواج سكينة، رواها الأصفهاني على وجهين مختلفين، وبسندين مختلفين. تارة تريد سكينة أن يكون للناس خبرٌ في المدينة، أي حدثٌ يتناقله الناس للتسلية. "فقالت لأم أشعب: سمعتِ للناس خبراً؟ قالت: لا. فبعثت إلى إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف، فتزوجته وبلغ ذلك بني هاشم، فأنكروه وحملوا العصي، وجاؤوا فقاتلوا بني زهرة، حتى كثر الشجاج. وأبطلوا الزواج. ثمّ التفتت إلى أم أشعب فقالت: أترين الآن أنّه كان للناس اليوم خبرٌ؟ قالت: بلى بأبي أنت وأمي".
وأعاد روايتها بشكل آخر مدعياً أنّ (بنانة) جارية لسكينة تنهَّدت حتى كادت أضلاعها تنحط، يا لها من تنهدة أثارت شفقة سكينة فقالت: مالكِ ويلكِ؟ قالت: أحبُّ أن أرى في الدار جلبة – تعني العرس – فلبَّت سكينة أمنية جاريتها، ورضيت بإبراهيم بعدما كانت قد صدَّته وقالت له: "أبَلَغَ من حُمْقِكَ أن تبعث إلى سكينة بنت الحسين ابن فاطمة بنت رسول الله (ص) تخطبها؟". وتكثفت الرواية هنا إذ حضر إبراهيم إلى دار سكينة ومعه سبعون رجلاً من بني زهرة وأعيان قريش. وقابله الإمام زين العابدين وشيوخ بني هاشم، وتضاربوا بالعصي هم وبنو زهرة حتى تشاجوا، فشجَّ منهم يومئذ أكثر من مائة إنسان" وشتم بنو هاشم سكينة ونعتوها بالسفيهة، وحملوها على بساط.. وانتهت القصة بقول سكينة لجاريتها: أي بنانة أرأيت في الدار جلبة؟
قالت: إي والله، إلا أنها شديدة، بل إنّ الافتراءات شديدة، مائة جريح من أجل مزحة ليسمع الناس خبرها، أو استجابة لرغبة جارية تريد أن تسمع جلبة في الدار: أي السببين نصدق، أمنية الجارية، أم حديث الخبر؟ أم استهانة سكينة الشَّهمة بشرفها؟ يلوح لي أنّ القصة قد وضعت فعلاً، لكن سببها لا هذا ولا ذاك، إنما هو الدفاع عن شرف بني هاشم. ربما جمع إبراهيم رجاله وأنصاره، بعدما صدَّته سكينة واتهمته بالحمق، وأتى يهدد بني هاشم مثلما فعل مصعب بن الزبير من قبل. فوقعت الواقعة، وتأوَّلها الوضَّاعون بشكلٍ يسيء لسكينة وآل البيت.
 
أخبار زواجها الموضوعة المتناقضة:
إنّ أخبار زواج سكينة كثيرة ومتناقضة، وقد شارك عامة الشيعة في صنعها، عندما مثّلوا زواجها من ابن عمها القاسم، ليلة العاشر من المحرَّم. تؤكد الروايات أنّ سكينة تزوجت من ابن عمها عبدالله بن الحسن (ع) وقتل مع عمه الحسين (ع)، وكان لها من العمر يوم الطف حوالى تسعة عشر عاماً، وشاركت في رحلة المسير إلى دمشق، ثمّ عادت مع أخيها زين العابدين إلى المدينة، وبقيت فيها حتى تزوجها مصعب بن الزبير عام 67هـ. عندما تولى العراق. وبقيت عنده حتى قتل سنة 71هـ. وخطبها بعد ذلك عدد كبير من القرشيين لكنها كانت تصدهم، وتصفهم بالحُمْق.
 
مع الشعراء:
جاء في الأغاني: "كانت سكينة عفيفة سليمة برزة من النساء، تجالس الأجلة من قريش، وتجتمع إليها الشعراء، وكانت ظريفة مزَّاحة".
أخبارها مع الشعراء جمة، يؤمون بيتها تجلس من حيث تراهم ولا يرونها تحاورهم بواسطة جواريها، تقيمهنَّ رسلاً بينها وبينهم. وينسى الرواة هذا القول، فإذا بها تتعرض للشعراء، تجيزهم حيناً، وتطردهم أحياناً، تثني عليهم تارة، وتقبحهم تارة، ويتبدل النقد في الحادثة الواحدة، ويتناقض الحوار، والحكم الأدبي، وقيمة الجائزة، وفق ما يهوى الرواة...
اجتمع ببابها جرير والفرزدق وكثير وجميل ونُصيب، وبعد صفحتين فقط (في كتاب الأغاني) يتبدل الأشخاص من الشعراء أنفسهم إلى رواتهم، أي يصبح الخبر: اجتمع ببابها راوية جرير وراوية الفرزدق...
وتسرد الحادثة نفسها. وفيها عرض نماذج شعرية لكل من جرير والفرزدق وكثير وجميل ونصيب، وتصدر الأحكام من سكينة وتتبعها الجوائز، لكن الأحكام تتناقض من رواية إلى أخرى.
سألت جريراً أنت القائل:
طرقَتْكَ صائِدَةُ القلوبِ وليس ذا *** حينَ الزيارةِ فارجعي بسلام
قال: نعم، قالت: ألا أخذت بيدها، وقلت لها ما يقالُ لمثلها؟ أنتَ عفيف، وفيك ضعف، خذ هذه الألف والحق بأهلك".
وبعد صفحتين تتبدل الرواية إلى أنّ رواية جرير سأل سكينة عن رأيها في شعر صاحبه، فأنشدت البيت وقالت: وأيُّ ساعة أحلى من الطُّروق، قبَّح الله صاحبك، وقبَّح شعره...
وإذا انتقلنا إلى رواية الانطاكي في "تزيين الأسواق" بانّ التناقض فسكينة تبادر جريراً بقولها: "فما أحسنتَ، ولا أجملت، ولا صنعت صُنعَ الحرِّ الكريم، لا سترَ الله عليكَ، كما هتكتَ سِتركَ وسترَها، ما أنت بِكَلفِ، ولا شريف حين رددتها، وقد تجشَّمت إليك هول الليل هلا قلت:
طرقَتْكَ صائدةُ القلوبِ فمرحباً *** نفسي فداؤك، فادخلي بسلام
خذ هذه الخمسمائة درهم؛ فاستعن بها في سفرك".
أيَّ الروايات نصدِّق، وأيَّ الأحكام نأخذ؟ هذا التضارب في الروايات والتعاند والتعارض ينابيعه التلفيق والتدليس والوضع، صنعها أعداء سكينة أخباراً باطلة وتناقلها الرواة، وزادوا عليها، وعرضوها على الناس بضاعة أدبية مسلية، تحكي جزءاً من سيرة آل البيت كما شاءها الحكَّام. لتعارض سيرة الحسين (ع) الحقيقية التي تمثل الحق والقداسة والطهر...
وتمضي الروايات في التلفيق، فيأتيها الفرزدق بعد رجوعه من الحج، للسلام عليها. لكنها أبت أن تستقبله وأن تسمع منه، وانبرت تسمعه أشعاراً غزلية لجرير، وفي كلّ مرة تفضِّل جريراً عليه.
إنّ من حقّ الفرزدق على سكينة أن تستقبله، كيف تطرده، وهو الذي دافع عن أخيها الإمام زين العابدين في الكعبة؟ وارتجل قصيدته المشهورة في آل البيت. "هذا الذي تعرف البطحاء وطأته" وتعرَّض للسجن بعد إنشادها. لقد شاء الرواة أن تطرد سكينة الفرزدق لأنّه كان يظهر محبة آل البيت، وأن تفضِّل عليه جريراً الأموي الهوى، رفعاً لشأن صاحبهم، واستهانة بمعارضيهم.
ويمضي الرواة في غيِّهم لينالوا من بنات الوحي. فنسبوا لسكينة أعمالاً وأقوالاً، ما عملتها ولا قالتها. إنما هي أفعال بعض الشعراء الغزليين والماجنين، ونقلوها من سيرة هؤلاء وألحقوها بسيرة سكينة. روى الأغاني "نظرت سكينة إلى العرجي وهو يطوف بالبيت، فبعثت إليه جارية تقول له: أنشدني مما قلت في الطواف حول البيت. فقال: أقرئيها السلام وقولي لها: قد قلت:
يقعُدْن في الطوافِ آونةً *** ويطُفْن أحياناً على فَتْر
ثمّ استلمن الركن في أنفٍ *** من ليلهن يطلن في أُزْر
فَنَزَعْنَ عن سبعٍ وقد جهدِتْ *** أحشاؤهُنَّ، موائلَ الخُمْرِ
فقالت سكينة للجارية: قولي له: "ويحك لو طافَ الفيلُ بهذا البيت لجهدت أحشاؤه".
في موطن الطواف، والتعبد والانقطاع إلى الله، تطلب سكينة إلى شاعر أن ينشدها غزلاً، ثمّ لا تتورَّع أن تقول كلاماً ينال من مكانة البيت والطائفين حوله. تشكل هذه الأكاذيب عملاً هادفاً، يزعزع الوحدة المقدسة القائمة بين آل البيت وبين مشاعر الحج.
هذه الوحدة التي رآها الفرزدق، فأدرك أن ركن الحطيم، همَّ للتبرّك من يد الإمام زين العابدين (ع) عندما جاء يستلم الحجر المقدَّس:
يكادُ يمسكه عرفانَ راحتهِ *** ركنُ الحطيمِ إذا ما جاءَ يستلم
 
مع المغنّين:
تخطى الرواة حدودهم عندما جازوا الشعراء إلى المغنين، ولم تكتفِ سكينة بالنساء أمثال عزّة الميلاء. بل جلست إلى الرجال أمثال الغرِّيض، (95هـ)، وعُبيد الله بن سُريج المتوفى عام 98هـ. ومما يثير الدهش، ويضع الرواة في صفوف الدجالين ما نسبوه إلى سكينة أنها أكرهت ابن سريج – بعدما تاب وترك الغناء – على العودة إليه. وحملته على الحنث بيمينه البارة، ليُقلعَ عن الزهد والعبادة رجوعاً إلى الغناء والخلاعة.
لقد برع الرواة في نسج الحكايا وجعلوها أكثر تشويقاً، فسكينة تقول لأشعب: "ويلك إن ابن سريج شاخص وقد دخل المدينة منذ حَوْل، ولم أسمع غناءه قليلاً ولا كثيراً. ويعزّ ذلك عليَّ، فكيف الحيلة في الاستماع منه ولو صوتاً واحداً؟ فقال لها أشعب: جُعلت فداكِ، وأنى لكِ بذلك، والرجل اليوم زاهد ولا حيلة فيه..." وعرَّض أشعب بسكينة، فضربته وداست بطنه مع جواريها "وخنقته حتى كادت نفسه تتلف ثمّ أمرت به فسُحب على وجهه حتى أُخرج من الدار إخراجاً عنيفاً". وقد سال الدم من أنفه وجبهته، وتمزقت أثوابه، وعصر الدَّوس بطنه، وصدره ولحيته، وماث الدم فيها. ذهب أشعب على هذه الصورة إلى ابن سُريج ورجاه أن يشفع له عند سكينة بصوت واحد يغنيها إياه! لكنه أجاب: "لا والله لا يكون ذلك أبداً بعد أن تركته". ويعمد أشعب إلى حيلة خسيسة فينجح في إدخال ابن سُريج على سكينة فتبادره القول: "يا عبيد، ما هذا الجفاء؟ قال: علمتِ بأبي أنتِ ما كان من توبتي..." لكنها لم تقبل عُذره بل أمرته بالغناء، ولما أبى قالت: "برئت من جدِّي إن برحت داري ثلاثاً، وبرئت من جدي إن أنت لم تغنِّ... وبرئت من جدي إن خرجت من داري شهراً...".
هي تريده أن يقيم في دارها شهراً يغني لها صباح ومساء وإلا تضربه "لكل يوم يقيم فيه عشراً" فصاح ابن سريج: "واذهاب ديناه" ثمّ اندفع يغني:
أستعينُ الذي بكفَّيهِ نَفْعي *** ورجائي، على التي قتلتني
أليس من الغريب أن يصيح هذا المغني "واذهاب ديناه" وتكون ابنةُ الإمام الحسين (ع)، الفاضلة، هي التي قضت على دينه، وحملته على نقض توبته، ورمته في أحضان المعصية من لهو وطرب ومعاشرة النساء. لأنّ الرواية تضيف أنّ سكينة لما سمعت غناءه طربت وأرسلت فاستقدمت "عزَّة" وصويحباتها، وأحيت سكينة مجلس الطرب تسمع صوتاً من ابن سريج وصوتاً من عزة. ويستمر هذا ثلاثة أيام بلياليها.
ماذا نصدِّق؟ ما فعلته مع أشعب عندما داست بطنه وأدمته، أم تضليل ابن سريج، أم إحياء مجالس الغناء... إنها جرأة على سكينة لا تقلُّ عن جرأة من نضا السيف وقتل أباها الحسين (ع)! هذه أفعال كانت تنغمس فيها "عُلَيَّة" أخت هارون الرشيد ومثيلاتها من نساء الأمويين، سلخها الرواة عن جسد أصحابها وعبثاً حاولوا أن يلصقوها بالطاهرات، الذين أذهب الله عنهم الرجس.
 
مع الأطباء:
لفق الرواة خبر سكينة والسَّلعة "غدَّة بين الجلد واللحم". ما دام هؤلاء قد اختاروا سكينة بطلة لحكاياتهم فلتكن البطلة شجاعة، صبورة، تتحمَّل الآلام، لا تئن ولا تتأوَّه.
روى الأغاني أنّه خرجت سَلعةٌ في أسفل عينها، وكبرت حتى أخذت وجهها وعينها. وشكت أمرها إلى "دَرافيس" أحد خدمها. فسألها الصبر على الألم. أعود إلى حرفيَّة النص "شقَّ جلد وجهها أجمع، وسلخ اللحم من تحتها حتى ظهرت عروقها. وكان منها شيء تحت الحدقة، فرفع الحدقة عنها حتى جعلها ناحية، ثمّ سلَّ عروق السلعة من تحتها... فأخرجها أجمع، وردَ العين إلى موضعها... وسكينة لا تتحرك ولا تئن، وزال ذلك عنها، وبرئت منه، وبقي أثر تلك الحزازة في مؤخَّر عينها. فكان أحسن شيء في وجهها من كلّ حلى وزينة. ولم يؤثر ذلك في نظرها ولا في عينها".
لو عرضنا الرواية على تاريخ الطب لرفضها لأنّ الخادم، وهو لم يكن طبيباً معروفاً، قام بعملية جراحية للعين بلا تخدير، ورفع الحدقة وجعلها ناحية، ثمّ ردها إلى مكانها. لم يعرف تاريخ الطب العربي وخصوصاً في عهد سكينة، على الأقل، نوعاً متطوراً من هذه العمليات الجراحية. فالرواية باطلة علمياً؛ لأنّ فصل العضو من مكانه مميت للخلايا. أما إعادة الحياة إلى الخلايا في زرع الأعضاء، فهذا علم حققه القرن العشرون فقط.
وتضاف هذه الحكاية إلى جاراتها من الملفّقات، كاشفة إقبال الرواة على الأكاذيب لأهداف رخيصة.
معذرةً يا بنت الحسين إن قصَّرت في الدفاع عنكِ، لأنّ ما زركشه المدلِّسون خلال قرون، كان جذاباً، مموهاً بمسحة الأدب، محصناً بوقار القِدم، تداخل مع الحقيقة، فتناقله الناس، حتى ملأ بطون الكتب..
وبات من العسير على إنسان القرن العشرين أن يُغربل الأخبار وينقدها. وخصوصاً بعدما اختاركِ الوضَّاعون بطلة لحكاياتهم، ولاحقوا تصرفاتك، وزوَّروا أقوالكِ وأفعالكِ. بيد أن الطيِّب للطيِّبات، والخبيث للخبثاء، فلكِ الطيبات، ولهم الآثام.

المصدر: مجلة نور الإسلام/ العددان 29و 30 لسنة 1992م

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 3294
 قيّم هذة المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 أسباب هجرة الإمام الحسين (ع) من مكّة إلى العراق
 الدروس العظيمة في مدرسة كربلاء
 الطف.. واقعة خلّدها التاريخ
 ثورة الحسين (ع) مزيج بين العقل والفكر
 قراءة في ظاهرة البكاء والبكاء على الحسين (ع)
 الخط السياسي لثورة الإمام الحسين (ع)
 السيدة سكينة بنت الحسين (ع)
 الإِمام الحسين (ع).. رؤية نصرانّية
 الثورة الحسينية واستمرارية صراع القيم
 بين الحسين (ع) والأُمّة

الاکثر قراءة
 موقف الفكر العربي المعاصر من الحضارة الغربية بين السلب والإيجاب
 آداب الاستئذان في الإسلام
 أدب المعاملة في ضوء القرآن الكريم
 الإسلام والبيئة
 مفهوم السياسة في الإسلام والقرآن
 حوار الحضارات
 شخصية النبي (ص) التربوية
 الإسلام والتعايش
 حقوق الإنسان.. رؤية مقارنة بين الإسلام والغرب
 فنون عصر النهضة
 
الاکثر تعلیقا