الصفحة الرئيسية » فكرإسلامي
احترام إنسانية الإنسان

2014/09/14 | الکاتب : د. ميثم السلمان


كُرِّم الإنسان كإنسان عند الله وأعطيت له مكانة عظيمة أهلته لخلافة الله في الأرض واما ما تشرَّب بروح الإيمان فمكانته أسمى وأرقى من سائر الآدميين.

الاحترام الإنساني لكلِّ البشر مكفول من رب رؤوف رحيم كريم فدين الله لا يسمح بهتك حرمة المؤمنين والاعتداء على حياتهم وكرامتهم فبمجرد انعقاد نطفة الإنسان في بطن أُمّه تبدأ حصانته الإلهية وكفالة حرمته الإنسانية ورعاية حقوقه الإنسانية فحتى أبواه لا يجوز لهما القيام بأي تصرف يؤذيه أو يشكل اعتداء على حياته ولذلك حرّم الإسلام الإجهاض – اسقاط الجنين.

فالإسلام يكفل احترام الإنسان حتى بعد ممات الإنسان ولذا يحرّم إهانة الميت والتمثيل به جسدياً أو الاستهزاء به ولو كان مجرماً فاسداً.

يقول أمير المؤمنين (ع) في وصيته لولديه الحسن والحسين (عليهما السلام) عند شهادته: "ألا تقتلا بي إلا قاتلي، انظروا إذا أنا مت من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة ولا يمثل بالرجل فإني سمعت رسول الله (ص) يقول: "إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور".

 

الإنسان واحتقار الذات:

مع انّ الله عزّ وجلّ رفع هذا الإنسان إلى مكانة عالية وكرَّمه دون سائر المخلوقات وأوجب احترامه لنفسه واحترام الآخرين له. مع كلّ ذلك فإنّه غالباً مالا يعرف قيمة نفسه ويهين ذاته ويتنازل عن حقه في الكرامة، ليعيش صغيراً ناقصاً في هذه الحياة متلبساً بثوب الإحباط والذل والاستسلام والخنوع واليأس.

1-  التحقير الذاتي:

هناك داء نفسي واضطراب قهري يصيب البعض فيجعلهم يتنازلون عن مكانتهم ومقامهم الآدمي وكرامتهم الإنسانية. يطلق علماء النفس على هذه الحالة المرضية مسمى الحقارة الذاتية. (ملاحظة التحقير الذاتي لا يعني التنكر للذات بل هو جلد للذات لما يترتب عليه من اضطرابات نفسية وخيمة).

2-  ما هو التحقير الذاتي:

التحقير الذاتي حالة نفسية تسيطر بصورة قهرية على البعض تجعلهم يشعرون بالنقص المرضي والذل والضعة. الحقارة الذاتية من أخطر الأمراض النفسية التي تصيب كيان الإنسان فتجعله يتنازل بطوعه واختياره عن قيمته وعن مكانته المعدّة له.

3-  أعراض التحقير الذاتي:

صورة ذهنية تحكم فكر الإنسان وتحد رؤيته الإيجابية لنفسه وترسي مشاعر القصور والنقص والعجز لديه، وتثبّت اعتقاداً وهمياً لديه انّه أقل قيمة وقدرة ومكانة من الآخرين.

والبعض يعرف هذه الحالة بالهزيمة النفسية، وهي حالة وهم قهري يسيطر على عقل الإنسان ويقنعه بعجزه عن فعل ما يفعله الآخرون.

ويعالج الإسلام هذه الأمراض بتحفيز الإنسان عن طريق بيان وإرساء وتذكير قيمته ومكانته عند الله وبتوجيهه إلى معرفة ذاته واكتشاف قدراته وطاقاته المودعة في شخصيته.

ومعرفة النفس هي الطريق لتفكيك كلّ الأمراض والاضطرابات النفسية التي تهوي بالإنسان وهي السبيل لتجاوز هذه الحالات الخطيرة على المجتمع الإنساني.

قال الإمام عليّ (ع) في خطبة له: "من عرف نفسه فقد انتهى إلى غاية كلّ معرفة وعلم".

وعنه أيضاً في خطبة أخرى قال: "هلك امرؤ لم يعرف قدره".

وعنه أيضاً قال: "نال الفوز الأكبر، من ظفر بمعرفة النفس".

"من جهل قدره جهل كلّ قدر".

"العالم من عرف قدره، وكفى المرء جهلاً أن لا يعرف قدره".

وعن الإمام الصادق (ع): "انّ الله يفوض للمؤمن أموره كلّها ولم يفوض إليه أن يذل نفسه".

 

صفات تحقير الذات:

قرابة 95% من الناس يشكون أو يقللون من قيمة ذواتهم فهم يقارنون أنفسهم بالآخرين، ويعتقدون أنّ الآخرين أفضل منهم على المستوى المهاري والعلمي والعقلي والتقني والاجتماعي والثقافي وغيره، فهم بهذه النظرة الوهمية التي في الغالب لا تكون مبنية على دراسة موضوعية يدمرون ذواتهم دون قصد ويقضون على ما لديهم من قدرات وطاقات، ويمكِّنون النظرة السلبية التشاؤمية للوجود من السيطرة عليهم. وفي الغالب يؤدي هذا إلى الاكتئاب والإرهاب الاجتماعي والقلق المرضي وكثير من الاضطرابات الخطيرة علماً انّ غالبية حالات الانتحار لها علاقة بالاكتئاب النابع من الازدراء الذاتي.

 

مؤشرات للإصابة بتحقير الذات:

1-  الشعور بالنقص إتجاه النفس:

الشعور بالنقص إتجاه النفس بحيث يشكل الإنسان في قدراته ومهاراته وعقله وأسلوبه في التعامل مع الآخرين وفي بعض الحالات المستعصية يتملك البعض شعور نقص مدمِّر، مهلك لهم؛ فعند شتمهم أو إهانتهم لا يدافعون عن أنفسهم لأنّهم يشعرون أنهم يستحقون ذلك.

2-  الشعور بالغضب ورغبة الانتقام من الوجود:

تخيم عليهم صورة المظلومية من الوجود ولذا يسعون للانتقام من الظالم والظالم هو في الغالب المجتمع والناس. دائماً يبحثون عن الأخطاء، ولا يرون إلا السلبيات، ويجدون سروراً غامراً لأخطاء الآخرين ومشاكلهم.

يعانون من:

1-  تحقير الذات أو عدم مكانتهم في الوجود.

2-  الشعور باللامبالاة المبنية على غياب الهدفية.

3-  الاعتذار المستمر عن كلِّ شيء.

4-  الاعتقاد بعدم الاستحقاق لمكانة أو قيمة ذاتية.

5-  عدم الشعور بالكفاءة في دور الأبوة أو في دور الزوجية.

6-  يميلون إلى سحب أو تعديل رأيهم خوفاً من سخرية ورفض الآخرين.

7-  اضطراب على مستوى الإيمان لغياب الطمع في نيل المكاسب المعنوية والوصول إلى الدرجات الإيمانية العالية.

أنعم الله على عباده ووهبهم المقدرة على:

1-  معرفة الذات.

2-  القدرة على معرفة مفردات النفس في الشخصية.

3-  القدرة على تحديد القدرات الذاتية والقابليات المعنوية.

4-  القدرة على تحفيز دواعي الخير في الوجدان.

 

تحديد عيوب النفس:

"إذا أراد الله عزّ وجلّ بعبدٍ خيراً بصره بعيوب نفسه...".

فمن كانت بصيرته نافذة لم تخفَ عليه عيوبه، فإذا عرف العيوب أمكنه العلاج، ولكن أكثر الخلق جاهلون بعيوب أنفسهم.

السالك الذي يبغي استئصال جذور الرذائل من شخصيته وتحلية شخصيته بفضائل الأخلاق، بإمكانه اتباع السبل التالية في سبيل تحديد عيوب النفس ومداخل الشيطان للسيطرة على الشخصية والتحكم بالتالي في سلوكياتها.

 

السبل لمعرفة عيوب النفس:

1-  أن يجلس بين يدي شيخ عارف مربي بصير بعيوب النفس، مطلع على خفايا الآفات، ويتبع إشارته في مجاهدته – وهذا شأن التلميذ مع أستاذه، فيعرِّفه أستاذه عيوب نفسه، ويعرِّفه طريق علاجها.

2-  أن يطلب صديقاً بصيراً معنوياً متديناً، يلاحظ أحواله وتقلبات قلبه وأفعاله، فما كره من أخلاقه وأفعاله وعيوبه ينبهه عليها، فهكذا يفعل الأكابر من أهل السلوك والتهذيب. وقد آل الأمر في أمثالنا من أهل الدنيا والتعلق بزخارفها وآمالها إلى أنّ أبغض الخلق إلينا من ينصحنا ويعرفنا عيوبنا، ويكاد هذا أن يكون مفصحاً عن ضعف الإيمان؛ فإنّ الأخلاق المذمومة والرذائل كلّها حيَّات وعقارب مسمومة، فلو نبَّهنا منبه من أهل الإيمان على أنّ تحت ثوبنا عقرباً لتقلدنا منه منّةً وفرحنا به، واشتغلنا بإزالة العقرب وقتلها.

3-  أن لا يهمل التأمل في كلام الذم حتى ممن لا تربطه به علاقة إيجابية فبإمكان السالك في بعض الأحيان تحديد عيوب نفسه من ألسنة أعدائه. والواقع أنّ الطبع البشري مجبول على تكذيب الأعداء، ولكن السالك البصير لا يخلو من الانتفاع بقول أعدائه ويوزنها لربما تعنيه في تحصيل الفضائل أو التخلص من الرذائل غير البارزة أمامه.

4-  أن يطيل من جلسات المحاسبة والتأمل والغوص في أعماق النفس لتحليل الدوافع التي دفعته إلى سلوك مذموم أو تصرف محرم. هذه الجلسات تهب الإنسان القدرة على الارتباط مع النفس، وتدريب النفس على المحاسبة ليبدأ الجهاز النفسي عند الإنسان بالتكيّف وينسجم مع أجواء المراقبة والمحاسبة والمشارطة. المُشكل الملحوظ عند البعض انّهم لا يعتادوا ولم يبادروا حتى مرّة واحدة لجلسة محاسبة للنفس في أجواء هادئة متناسبة مع المهنة الحساسة والاتصال العميق مع الوجدان.

 

المصدر: كتاب التحفيز الإيماني

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 1821
 قيّم هذة المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 خلافة الإنسان لله.. ماذا تعني؟
 الرحمة وإصلاح الإنسان
 رسالة الإنسان الربّانية
 ما بين الصلب والترائب
 الخطاب الديني والاهتمام بالإنسان
 آيات الله في خلق الإنسان
 كرامة الإنسان والخطاب الديني
 ضرورة الحياة الروحية للإنسان
 الروابط الإنسانية
 احترام إنسانية الإنسان

الاکثر قراءة
 موقف الفكر العربي المعاصر من الحضارة الغربية بين السلب والإيجاب
 آداب الاستئذان في الإسلام
 أدب المعاملة في ضوء القرآن الكريم
 الإسلام والبيئة
 مفهوم السياسة في الإسلام والقرآن
 حوار الحضارات
 شخصية النبي (ص) التربوية
 الإسلام والتعايش
 حقوق الإنسان.. رؤية مقارنة بين الإسلام والغرب
 فنون عصر النهضة
 
الاکثر تعلیقا