الصفحة الرئيسية » الاعجاز القرآني
الحواس الخمس

2016/02/28 | الکاتب : الشيخ هاشم الدباغ


(أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) (البلد/ 8-10).

تعتبر الحواس الخمس في الإنسان من الأجهزة المعقدة جدّاً، وإنسان القرن الواحد والعشرين، الذي يعتبر عصره عصر النور والتكنولوجيا، ولا يعرف عن حواسه سوى فسلجة أعضائها، أما كيف يتم السمع؟ وكيف تُفهم الكلمات؟ وكيف يُميّز بين الأصوات المختلفة؟ أما كيف تدرك الخلايا العصبية ذلك؟ فهذا مما لم يتوصل إليه، ولعلّه لا قدرة له على ذلك. وما يقال عن حاسة السمع يصدق على بقية الحواس الأخرى، كالإبصار، والتمييز بين المرئيات والألوان وكيف يتم الشم، والتفريق بين الروائح المختلفة. وتأثير الملموسات على خلاياها. والذوق وكيف يتم التمييز بين الأطعمة المختلفة.

وفيما يلي نبذة وجيزة عن كلّ حاسة على انفراد، لنتبيّن من خلال ذلك الإعجاز الكبير، والقدرة العظيمة فيها، ودلالة ذلك على العلي القدير.

 

حاسة السمع:

لعلّ حاسة السمع من أهم الحواس الأخرى في الإنسان – حتى ومن حاسة البصر – فإنّ بامكان فاقد البصر أو أي حاسة أخرى غير السمع من تلقي العلوم والمعارف على اختلافها، وأن يصل إلى درجة كبيرة من الفهم والإدراك والنبوغ، وهذا ما لا يتأتى لفاقد السمع. وفي القرآن الكريم إشارة إلى تفضيل السمع على البصر في أكثر من آية. قال تعالى:

(وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (النحل/ 78).

(قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ) (الملك/ 23).

تقسم الأذن إلى ثلاثة أقسام:

1- الأذن الخارجية: وتتكون من الصيوان والممر.

2- الأذن الوسطى: وتتألف من غشاء الطبلة، والمطرقة والسندان والركابة، وعضلتي المطرقة والركابة، ونفير "اوستاش" الذي يوصل بين الأذن الوسطى والبلعوم.

3- الأذن الباطنة: وتتكون من القوقعة، والأقنية الهلالية، والكيس، وعضو كورتي... وغير ذلك من الألياف العصبية والأعصاب، ودهاليز وممرات معقدة، والسائل اللنفاوي، والرمال السمعية، والأهداب.

ولكلّ من هذه الأقسام عمله الخاص به، وهو في غاية الدقة في التصميم وأداء العمل.

فالأذن الخارجية تستقبل الصوت، والصيوان هو الذي يعين جهة الصوت مستعيناً بالتعرجات فيه، والأذن الوسطى تنقل الصوت، وتقوم عُظيمات السمع بتسريع مرور الصوت إلى الأذن الباطنة بعد أن تضخمه، ويتم السمع في الأذن الباطنة بالتعاون مع الفص الصدغي، الذي هو من فصوص الدماغ. وللأذن الباطنة عمل آخر جد مهم ألا وهو المحافظة على توازن الجسم.

ويتم السمع "باهتزام البلغم المحيطي الذي يسبح في الزاحف الدهليزي، والزاحف الطبلي يؤثر على القناة الملعقية، التي تحوي عضو كورتي، وهي تحوي البلغم الداخلي، وهذه القناة مغلقة من نهايتها وتتصل بعضو التوازن، واهتزام البلغم الداخلي يؤثر على أهداف الخلايا والرمال السمعية، وهذه بالتالي تنقل عبر ألياف العصب السمعي بشكل سيالة عصبية ونبضات كهربية إلى الفص الصدغي حيث تفهم على أتم وجه".

ومن المدهش والمحير للعقول كيفية تفهم الفص الصدغي للأصوات المختلفة، وكيف يميز الإنسان بينها، الهادئ منها والشديد، وكلام الإنسان – ولكلّ صوته الخاص به – وأصوات الحيوانات المختلفة، والألحان المتعددة، والأنغام المتباينة، ومئات الأصوات الأخرى في هذا الكون، وبالإمكان التمييز ما بين (34) ألف لحن مختلف في الشدة والتوتر والاهتزاز.

هذه آيات الله، فأي آيات الله تنكرون؟!.

 

حاسة البصر:

(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ) (الأنعام/ 46).

تأتي حاسة البصر بالدرجة الثانية بعد السمع أهمية، بهذه الحاسة يتعرّف الإنسان على المحيط الخارجي وما فيه من مرئيات، وبها يميز بين الألوان والأشكال المتنوعة، وبها يقدّر المسافات بمنتهى الدقة، وبها يقوم بجميع أعماله. والعين بعد ذلك تكمل جمال الوجه، وبها تمام الخلقة.

 

كيف يتم الأبصار؟

"ينطلق الشعاع الضوئي من الجسم المرئي إلى العين، ويخترق سلسلة أوساط شفافة كاسرة للنور حتى يقع على منطقة حساسة في العين هي (المنطقة الشبكية) وفيها العناصر الحساسة للنور حيث تتأثر منها وينتقل هذا التأثير بشكل سيالة عصبية عبر ألياف العصب البصري إلى السرير البصري، ومن السرير تصدر ألياف عصبية تشبه الأشعة إلى الفص القفوي حيث يعتبر مركز الرؤية العام في الدماغ، وهو مضاعف في فصي الدماغ".

 

فالله خيرٌ حافظاً:

لعلّ العين أرق الحواس، يضاف إلى ذلك أنّها ظاهرة وفي مقدمة الوجه، فهي معرضة إلى الصدمات والغبار والمكروبات.

ولكن الله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين/ 4)، لا يدعها نهباً لهذه العوارض، فقد حفظها تبارك وتعالى حيث جعلها في تجويف داخل الجمجمة – إحدى أقوى عظمة في الجسم – تحيط بها مرتفعات صلبة، عظام الجبهة من الأعلى، وعظام الوجنتين من الأسفل، وعظمة الأنف من جهة أخرى، وهذه المرتفعات العظمية تقي العين اللكمات والصدمات. أما الحاجب فيحفظها من تسرب العرق إليها من الجبهة، والجبهة أكثر تعرقاً من باقي أقسام الوجه وتحجب أشعة الشمس القوية، والأهداب تحفظها من الغبار، والدمع يقتل الميكروبات التي تدخل العين، والدمع أقوى معقم عرف حتى الآن.

 

ممَ تتركب العين؟

في العين "... ثلاثة جدران، منطقة للإبصار، وجدران للتغذية والحماية والجمال، وفيها سائلان أحدهما ثابت والآخر مثل الدوامة يفرغ ويفرز ليل نهار، وفيها بلورتان واحدة أمامية ثابتة، والثانية خلفية متبدلة، وفيها واجهة للجمال وحماية العين من النور الساطع وهي القزحية، وفيها غدد من شتى الأنواع للدهن والمفرزات والترطيب والتطهير والحماية، والدمع، وفيها أقنية وممرات شتى لتصريف السوائل والدمع، وفيها سبع عضلات للتحريك المتزن وإسدال الستار ورفعه أمام الرؤية وهو الجفن العلوي، والجفن العلوي فيه سبع طبقات إحداها تشكل قالب الجفن وهو الظفر الجفني، وفي العين ثلاثون شرياناً مغذياً، وثلاثة أعصاب محركة، وعصب ينقل الحس، وعصب ينقل المبصرات عبر شريط يضم "نصف مليون" ليف، وهذه الألياف تنقل المبصرات من (140) مليون عصاة و(7) ملايين مخروط، وبعد ذلك الوسادة الشحمية التي ترقد عليها العين، والجدار العظمي الذي يغلفها من كلّ جانب...

أفكل هذا: من حماية العظام، وضيافة الشحوم، وعدد العضلات، وروعة المبصرات، ودقة التجهيزات وتصريف القنوات، وجريان الينابيع والشلالات، وتغذية الشرايين، وتصريف الأوردة والبلغم، لا يدل على الخالق العظيم!!؟".

وفي العين عجائب وغرائب، وحولها أسئلة بلا جواب:

كيف تصور العين المرئيات؟ وأين تحمض الصور؟ وما هي مادة التحميض في العين؟ وأين يتم غسل الأفلام وطبعها؟ ولماذا لا تحترق الصورة والعدسة مفتوحة دائماً؟ وما هذه الدقة المتناهية في تعيين المسافات في البعد والقرب؟ وكيف تلون الصور؟ وكيف تميز العين ما بين حوالي (128) لون؟ وأي جهاز هذا الذي ينظم النور من واحد (لامبير) – وحدة ضوئية للرؤية – حتى ترتفع إلى (16) لامبير، وتخفض إلى (20) مليون، وعلى هذا يكون إحساس العين ما بين الحدود الدنيا والحدود القصوى (20) مليون ضعف؟ وأي جهاز ومن ذا يجعل قوة العين تصل إلى (500) ضعف في الظلام؟ ومن ذا.. ومن ذا..

أكُل هذا بلا قصد ولا تدبير ولا إرادة؟!.

ما لكم كيف تحكمون؟!.

 

حاسة الشم:

الشم نعمة أنعمها الله على عباده ليتلذذوا بما خلق سبحانه من الروائح العطرة، وليميزوا بين المفيد والمضر من المطاعم والمشارب.

"إنّ حاسة الشم تتركز في الأنف وخاصة في القسم العلوي من الأنف، فلو نظرنا إلى جدار الأنف الداخلي لوجدنا فيه ثلاث قطع عظمية مغلفة بغشاء مخاطي يعلوّ بعضها البعض وتسمى "القرينات"... وهي تشترك في عملية الهواء أثناء مروره بالأنف، فإذا نظرنا إلى ما فوق القرين العلوي رأينا المنطقة الشمسية بمساحة تبلغ (50) متراً مربعاً، في هذه المنطقة تتوزع ألياف العصب الشمسي بعد أن تجتاز سقف الأنف من خلال صحيفة مثقبة كالغربال... وتتوزع هذه الألياف العصبية بحيث يكون لكلّ خلية شمسية (6-8) أهداب تغطس في سائل مخاطي يعلوها، فإذا وصلت الروائح الشمسية إلى تلك المنطقة انحلت في السائل المخاطي أوّلاً ثم في المواد التي تحولها تلك الأهداف من طبيعة دسمة تساعد على المواد الكيمياوية".

"مازال موضوع الشم حتى الآن محيراً للعلماء، فما هي طبيعة الروائح التي نشمها؟ وما هي علاقة الرائحة بالتركيب الكيمياوي للمادة؟ وهل هناك روائح أساسية وتشتق منها بقية الروائح عن طريق المزج بين نوعين أو أكثر من هذه الروائح الأصلية بنسب متفاوتة؟ وما علاقة الروائح بالروح؟ وكيف تفهم الخلايا العصبية الروائح وتميز ما بينها؟".

لندع العلماء في حيرتهم، وليس الشم وحده يحيرهم، وإنما كلّ شيء في الوجود محير لعقولهم. أما المؤمنون فلا يحيرهم شيء، لأنّهم يعلمون إنّ في ذلك آية لكلّ عبد منيب.

 

حاسة الذوق:

للسان عدة وظائف أحد هذه الوظائف التذوق "يحتوي اللسان على (17) عضلة للحركة، وعلى غشاء مخاطي يغلفه، وعصب خاص لتحريكه في كلّ نصف، أي عصبان رأسيان هما العصب تحت اللسان الكبير في كلّ جانب، و(6) أعصاب لنقل الحس، ثلاثة في كلّ جانب هي: العصب اللساني لنقل الحس من مقدمة اللسان، العصب البلعومي اللساني من مؤخرة اللسان، العصب المبهم من البلعوم والمزمار.

وترقد في اللسان آلاف النتوءات والبراعم الذوقية، ويحس بالأطعمة من شتى المأكولات، وهو بعد كلّ هذا يستخدم في المضغ، والبلع والذوق، والتصويت، فأي ممثل عجيب الذي يوم بكلّ هذه الأدوار؟.

ولقد بلغت دقة التأثر في الذوق إنّ اللسان يحس بالطعم المر، ولو بلغ تركيزه على اللسان أربعة أجزاء من (100) ألف، وهو مع ذلك، المكان الذي تخرج منه حروف كثيرة للنطق".

يقدر عدد النتوءات الذوقية في اللسان حوالي (9000) برعم موزعة على اللسان وقد خصصت كلّ منطقة من اللسان وكلّ نوع من البراعم لتذوق نوع واحد. فمقدمة اللسان يتذوق الحلو، والطعم المر في مؤخرة اللسان، وعلى جوانبه الطعم المالح والحامض. وبإمكان اللسان التمييز بين أذواق لا تحصى من أنواع الطعام.

فتبارك الله أحسن الخالقين.

(أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ) (البلد/ 8-9).

 

حاسة اللمس:

"إنّ هناك شبكة مخابرات هائلة منتشرة على مستوى سطح الجلد والطبقة التي تحته مباشرة!! وهي تنقل الإحساسات من العالم الخارجي، وهكذا تتعاون الحواس جميعاً في تفهم المحيط الخارجي – إنّ انتشار الأعصاب تحت الجلد شيء لا يكاد يصدق –. وتنتهي الألياف العصبية بجسيمات خاصة يختص كلّ نوع منها بنقل حس معين، فهناك جسيمات تنقل الحر، وأخرى تنقل البرد، وثالثة للمس والضغط، ورابعة لحس الألم، وخامسة تختص بنقل الحس العضلي. وهكذا تتنوع الإحساسات وتتباين".

أمن الإنصاف أن تنسب كلّ هذه "الغائيات" في هذه الجسيمات المتنوعة في الشكل المختلفة في الأداء، إلى المادة والصدفة والطبيعة؟! ولا ننسبها إلى خالق قادر مريد حكيم، خلق كلّ شيء لغاية معينة! لا شك أنّ العقل النير، والتفكير السليم، يحكمان – وبلا تردد – أما بجنون الماديين والطبيعيين، أو أنّ في قلوبهم عمى فهم لا يفقهون.

(فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج/ 46).

تنتشر في جلد الإنسان أعداد هائلة من الأجهزة الحساسة المعقدة، ففيه (3-5) ملايين جهاز حساس للألم، (200.000) جهاز للحر، و(500.000) جهاز للحس والضغط.

أما كيف تعمل هذه الأجهزة المعقدة، لنأخذ على ذلك أبسطها مثلاً "قوس الانعكاس":

"إذا لامست شيئاً ساخناً فإنّك تبعد يدك لا شعورياً بسرعة تبلغ "جزءاً من مائة من الثانية" انّ هذا يتم بواسطة نقل التنبهات عن طريق الأعصاب الحسية التي تصل إلى المنطقة الخلفية من النخاع الشوكي حيث تبلّغ الأخبار إلى الخلايا، وتقوم الخلايا بالاتصال بالمنطقة الأمامية من النخاع حيث ترقد مفاتيح السيطرة على العضلات في خلايا القرون الأمامية، ومن هناك تنطلق الأوامر إلى الأعصاب المحركة للعضلات المناسبة فتنسحب اليد بسرعة مدهشة".

  المصدر: كتاب آيات الله في الآفاق وفي الأنفس

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 126
 قيّم هذة المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 الحواس الخمس
 محدودية الحواس وزيغها

الاکثر قراءة
 الحقوق والواجبات أساس تطور الحضارات
 علاج أمراض العين بعسل النحل
 موقف الفكر العربي المعاصر من الحضارة الغربية بين السلب والإيجاب
 حقوق المرأة في الإرث اسلامياً
 آداب الاستئذان في الإسلام
 أدب المعاملة في ضوء القرآن الكريم
 معاني الألوان في القرآن الكريم
 الإسلام والبيئة
 حوار الحضارات
 مفهوم السياسة في الإسلام والقرآن
 
الاکثر تعلیقا